أكثر من 70 يوماً مرت على الانتخابات البرلمانية في المغرب، وما زال الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله ابن كيران، الذي تصدر نتائج الانتخابات بحصوله على 125 مقعداً في البرلمان، يبحث عن الأحزاب التي ستشارك معه في الحكومة، دون أن يحرز أي تقدم يذكر.

وأمام الوضع المتأزم الذي تعيشه المفاوضات، منذ عدة أسابيع، دخل المغرب أزمة سياسية لا يبدو أن حلها وشيك في المستقبل القريب، وسط حديث عن تأثر الوضع الاقتصادي والسياسي للبلاد، بسبب العراقيل التي يواجهها عبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة المعين، بعدما كُلف من طرف العاهل المغربي الملك محمد السادس، منذ 10 أكتوبر الماضي، حسب ما ينص عليه الدستور، من أجل تشكيل حكومته التي طال انتظارها.

وترجع حالة الجمود التي تعيشها المفاوضات بشكل رئيسي للخلاف الذي ظهر بين رئيس الحكومة المعين (عبد الإله ابن كيران) ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار (عزيز أخنوش) القريب من القصر والمؤسسة الملكية، بعدما اشترط هذا الأخير استبعاد حزب الاستقلال من التحالف مقابل مشاركته في الحكومة، وهو ما عبر ابن كيران عن رفضه له في أكثر من مناسبة، كان آخرها نهاية الأسبوع المنصرم في لقاء جهوي لحزب العدالة والتنمية بالرباط.

ويبدو أن إصرار ابن كيران وتشبثه بحزب الاستقلال في الحكومة المزمع تشكيلها، يعكس جزءاً من الصراع السياسي الطاحن الذي دخل فيه الإسلاميون المشاركون في اللعبة السياسية بالمغرب مع دوائر النفوذ والسلطة في أعلى مستوياتها، والتي لم يرق لها النجاح الكاسح الذي حققه حزب رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، بعد الدعم الكبير الذي وفرته هذه الجهات لحزب الأصالة والمعاصرة، ولم ينجح في هزم العدالة والتنمية في معركة 7 أكتوبر الانتخابية.

وظهرت خلال هذه المدة كثير من السيناريوهات التي يطرحها الإعلام والمتخصصون في القانون الدستوري للخروج من الأزمة، إذ اقترح البعض تكليف شخص آخر من حزب العدالة والتنمية بتشكيل الحكومة بدل ابن كيران، بينما ذهب آخرون إلى اللجوء للحزب الثاني، أي الأصالة والمعاصرة، وهو ما اعتبره مراقبون تأويلات غير ديمقراطية للوثيقة الدستورية والفصل 47 الذي ينص بشكل واضح على اختيار رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات، وساهم في تهاوي هذه الاجتهادات، صمود حزب العدالة والتنمية وقياداته التي عبرت عن رفضها لهذه التأويلات واعتبرتها مساً بالخيار الديمقراطي للبلد وخيانة لإرادة الناخبين والشعب.

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، حيث خرج عبد الإله ابن كيران في تصريح مثير اعتبر فيه أن حزب العدالة والتنمية لا يمكن أن يتنكر لحزب علال الفاسي مهما كان الأمر وهو وفاء للوطن، وهو ما يعني أن مفاوضات تشكيل الحكومة لن تعرف أي تقدم يذكر في الأفق القريب، وأن" البلوكاج" الجمود ما زال سيد الموقف، بسبب تعنت حزب التجمع الوطني للأحرار في موقفهم الرافض للمشاركة إلى جانب "الاستقلال" في الحكومة.

وطالب ابن كيران، عزيز أخنوش، الذي يوصف بصديق الملك محمد السادس، ومعه حزب التجمع الوطني الأحرار بمراجعة موقفه، وقال: "سي أخنوش اشترط علي إخراج حزب الاستقلال من التحالف الحكومي، هل هذا معقول؟ هل هذا ممكن؟ كيف؟ في الحقيقة هذا الكلام ينبغي أن لا يكون موجوداً"، وأضاف: "لأن الرئيس هو أنا، هل تقبلون بي أم لا؟"، وهو ما يؤكد أن الأمور وصلت إلى الباب المسدود بين رئيس الحكومة المعين والجهات التي تقف وراء عرقلة إخراج حكومته الثانية.

وحتى الآن، ما زال الغموض سيد الموقف، ولم يحسم بعد أي شيء في المسلسل العسير من إخراج الحكومة، باستثناء تأكيد حزب التقدم والاشتراكية الذي لا يملك سوى 14 مقعداً في البرلمان، دخوله في التحالف مع حزب العدالة والتنمية، إلى جانب حزب الاستقلال، الذي حل في الرتبة الثالثة بـ47 مقعداً، حيث يظل ابن كيران بعيدا عن الأغلبية التي تخوله تشكيل حكومته، بمعدل لا يقل عن 198 مقعداً من أصل 395 نائباً في البرلمان.

ويربط كثير من المراقبين عدم نجاح ابن كيران في تشكيل أغلبيته الحكومة بعد مرور أزيد من 70 يوماً على تكليفه من طرف الملك محمد السادس، بعدم امتلاك الأحزاب السياسية لاستقلالية قرارها السياسي، وتنفيذها تعليمات ما يسميه ابن كيران "قوى التحكم"، ويَعتبر حزب الأصالة والمعاصرة واجهته السياسية، بل إن رئيس الحكومة اتهم "الأصالة والمعاصرة" بتدبير محاولة "انقلاب فاشلة" على نتائج انتخابات 7 أكتوبر التي تصدرها حزبه بـ125 مقعداً، مباشرة بعد إعلان النتائج التي كشف في كلمة له أمام اللجنة الوطنية لحزبه، أن حزب الاستقلال أفشلها بعد رفضه المشاركة فيها.

وفي حال استمر الوضع القائم على ما هو عليه، وفشل رئيس الحكومة المعين في تشكيل أغلبيته الحكومية، تبقى الأمور مفتوحة على جميع الخيارات، والتي من بينها اللجوء إلى إعادة الانتخابات، غير أن هذا السيناريو يعتبر مكلفاً من الناحية السياسية والاقتصادية للبلاد، وهو ما يستبعده المراقبون ويتوقعون دخول المؤسسة الملكية على الخط وتقريب وجهات النظر بين الأطراف الحزبية وتسهيل مهمة رئيس الحكومة المكلف في جمع التحالف والأغلبية الحكومية المطلوبة.

وإلى ذلك الحين، يبقى مصير تشكيل الحكومة معلقاً والشارع المغربي ما زال ينتظر ما ستؤول إليه الأمور في هذه الجولة الجديدة من الصراع السياسي القوي، الذي يعيشه المغرب بين الصف الديمقراطي بقيادة حزب العدالة والتنمية، والطرف الآخر القريب من السلطة، والذي يسمى بـ "التحكم" بزعامة الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، فلمن سترجح الكفة؟ سؤال تبقى الأسابيع القادمة كفيلة بالإجابة عنه.