يشهد العالم تطوراً كبيراً في تصنيع الطائرات بدون طيار بكافة أشكالها واستخداماتها وأحجامها، عبر استخدام تقنية "هاي إنتكنولجي" عالية الدقة، حيث تتربع أمريكا بالتوازي مع الكيان الصهيوني على الحافة التقنية لهذه الصناعات، تليها في السباق الصين والنرويج.

وقد تشكلت حاجة الإنسان ومن ثمَّ الأنظمة والدول لمثل هذه الطائرات من نقص ميدان الرؤية عند الإنسان، الذي يصنف حسب علماء الاجتماع أنه حيوان مفترس، وبطبيعة الحيوانات المفترسة تكون ميدان الرؤية لديها أضعف من الحيوانات المفتَرَسة باستثناء الطيور؛ إذ ترى في مقدمة عينيها بشكل مباشر، وباتجاه أمامي على غرار الفريسة التي ترى أمامها وعلى جوانبها بشكل شبه دائري، دفع ذلك للتفكير في كثير من الأمور التي تعزز ميدان الرؤية لدى الإنسان للحصول على قدرة أكثر في توقع سلوك الفريسة وقدرة على نصب الكمائن، أي وضع الفريسة في المكان الذي تريده هذه "اليعاسيب الإلكترونية".

وسعت الدول الكبرى لتعزيز اقتصادياتها عالية التقانة لبسط سيطرتها على العالم، خصوصاً في مجال الرؤية والذكاء الاصطناعي، وحولت هذه الدول صناعة الطائرات بدون طيار إلى صناعات كبيرة تستطيع من خلالها الدول المصنِّعة جني أرباح مذهلة، في ظل إقبال دولي كبير على اقتناء هذه الطائرات لاستخدامات مختلفة.

الاستخدامات الإعلامية:

دائماً يسعى الإعلام لإيجاد الصورة الأكثر إثارة واتساعاً للجمهور، لكن ميدان الرؤية الفوقية لتصوير المناظر الطبيعية، ورصد الأخبار كما في سوريا حيث طائرات بدون طيار روسيا في حلب، كانت أقرب إلى عين الجمهور، وأكثر تفاعلاً مع الأخبار والمقاطع، وقد حققت طائرات الفانتوم الصينية بأجيالها المختلفة قفزة نوعية متقدمة في عالم التصوير نتيجة دقة الصورة ووضوحها حيث تعطي جودة 4k، وقلة تكلفة هذه الطائرات فلا يتجاوز سعرها 2000 دولار، وتستمر في التحليق أكثر من 45 دقيقة متواصلة.

الاستخدامات المدنية:

بدا المستقبل يتجه بشكل واضح لاستخدام الطائرات بدون طيار للأغراض المدنية، في عمليات الإنقاذ، أو في عمليات التوصيل البريدي السريع في المناطق البعيدة، والصعبة ويتم برمجتها ومتابعتها بشكل آلي، كما بدأ استخدامها أيضاً في مجال الزراعة ومصايد الأسماك والاتصالات اللاسلكية والتفتيش على البنية التحتية والإذاعة ومراقبة خطوط الغاز والنفط والحياة البرية ونُظُم تعزيز الأقمار الاصطناعية، ومراقبة الموارد الطبيعية والخرائط الرقمية وإدارة جودة الهواء ومجالات أخرى كثيرة.

الاستخدامات العسكرية والاستخباراتية:

حققت هذه الطائرات نقلة نوعية في مجال الاستخبارات وجمع المعلومات من الجو أو من على الأرض، وتعددت مهامها الاستخبارية والعسكرية من رصد دائم للأهداف على مدار الساعة، بدقة تصوير 4k، وبارتفاعات عالية جداً، وتعدد نوعية الأهداف فبإمكانها رصد القواعد العسكرية، وما تحت البحر، ورصد الرادارات وأجهزة المراقبة ومهاجمتها تلقائياً أو مهاجمة كافة أنواع الطائرات في الجو، إضافة إلى ساعات تحليق طويلة دون حاجتها للهبوط مرة أخرى للأرض أو التزود بالوقود من الجو.

بعض الأمثلة حاضرة في  الطائرات التي ينتجها الكيان الصهيوني؛ فطائرة هيرون تي بي تستطيع التحليق على ارتفاع 45000 قدم، ويصل وزنها 1000 كيلو جرام، وتستطيع التحليق لمدة 36 ساعة متواصلة أي يوم ونصف، وهي قتالية عالية الدقة، وتستطيع أن تحمل عدداً من الصواريخ، ويتم التحكم بها من الأرض عن طريق "غرفة التحكم" وهذه تعتبر من الصناعات الكبيرة؛ إذ تصدر منها الصناعات العسكرية الصهيونية سنوياً للعالم بمليارات الدولارات لتطور من صناعاتها الحربية الخاصة بها.

أما طائرة كاماكازي - نسبة إلى الانتحاريين اليابانيين - فقد استخدمت في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وهذه لها قدرة ذاتية، حيث تبرمج بذكاء اصطناعي لتحديد الأهداف ذاتياً عبر مواصفات خاصة، ثم تنفجر على ارتفاع متر ونصف إلى ثلاثة أمتار من الهدف المطلوب، وقد أدت إلى استشهاد العديد من رجال المقاومة في قطاع غزة في حرب 2012.

لكن التطور الحديث والخطير في هذه الطائرات يكمن في دقة الصورة التي تمنحها، وصغر حجمها، حيث بات يطلق عليها "اليعاسيب الإلكترونية"، فتدخل الأزقة والشوارع الضيقة، والبيوت، والمواقع العسكرية بكل سهولة وتخفٍّ، وترسل الصور مباشرة إلى غرفة التحكم، وأيضاً هناك عدد منها يحمل مواداً متفجرة لعمليات اغتيال غاية في الدقة؛ فمثال ذلك طائرة Mosqulto IAI  الخاصة بالرصد من على الأرض، حيث تحلق على ارتفاع 150 متراً، ويبلغ وزنها 150 جراماً فقط، وتستطيع التحليق لمدة 40 دقيقة متواصلة، وتمتلك خاصية الإتلاف الذاتي، وكذلك إرسال الصورة المباشرة لقواعدها الأرضية.

هذه الطائرات ستغير شكل الحروب القادمة، حيث ستنقلها من "ميدان الاشتباك المباشر" إلى "ميدان الرؤية الفوقية"، وهذا من شأنه أن يقلل خسائر الجنود على الأرض، وقد استخدمت هذه الطائرات في مئات عمليات الاغتيال حول العالم، خصوصاً في أفغانستان والعراق واليمن من قبل الجيش الأمريكي، وتشير أمريكا أنها تقلل من خسائر المدنيين، لكن المؤشرات والدلائل تعتبرها أكثر خطورة وفتكاً على المدنيين.

وتدير أمريكا جميع عملياتها القتالية عن طريق هذه الطائرات، التي تقودها غرف تحكم في واشنطن، أو قواعد عسكرية قريبة من جبهات القتال، ويستطيع قيادتها عبر غرفة التحكم شخص أو اثنين فقط، ويتم إدارتها وفقاً للمعلومات الاستخباراتية من الأرض والجو.

خطورة وحذر... هل تصبح هذه الطائرات ذاتية الوعي:

يتخوف كثيرون من أن التقانة العالية والذكاء الاصطناعي الذي تتمتع به هذه الطائرات ستنقلب ضد العالم بشكل خطير، حيث إن كثيراً من هذه الطائرات ذاتية الوعي، من الممكن أن تحدث أخطاء تقنية فيها تتسبب في عمليات قتل كبيرة، أو إتاحتها لاستخدام الجمهور قد يجعل منها أكثر انتهاكاً للخصوصية، وتصوير الناس، لذلك أنشأت الشرطة الهولندية فرقة من طيور النسور لمهاجمة وإسقاط هذه الطائرات، ويتوقع كثير من علماء الذكاء الاصطناعي أن تصبح هذه الطائرات ذاتية التحكم خلال السنوات العشر القادمة مما ينذر بحرب كونية.