أنضج ما عرف بــ" الربيع العربي" الكثير من محفزات الوحدة والوفاق لدى الإسلاميين بالتوازي مع عمق الأزمة التي تعصف بمقومات العالم الإسلامي، على صعيد الأفكار المتمردة والدخيلة أو الحركات الباطنية أو العداء الصارخ الذي تنتهجه إيران ضد أهل السنة والجماعة بالتعاون مع نصارى الغرب والشرق واليهود.

ففي كردستان العراق أثرت الحركة الإسلامية بمختلف تلوناتها كثيراً في حالة مقاومة الإشتراكية التي ينظر لها حزب البعث في عهد الرئيس العراقي صدام حسين، ولا تزال ترفض الوحشية التي تمارسها المليشيات الشيعية ضد أهل السنة و الجماعة، وتقاوم أستفراد العلمانية بصناعة القرار الكردي،  لكنها إسوة بغيرها من التيارات الإسلامية تعيش ضغوط كبيرة أنجبها الواقع و الظروف السياسية، سواء على صعيد الإرادة الغربية التي تضع كافة العراقيل لتحطيم أي مشروع حكم إسلامي قبل نجاحه، أو على صعيد النظم الاوتقراطية التي ترفض مشاركة الإسلاميين في الحكم.

مؤخراً عقد اجتماع جمع بين قادة الاتحاد الإسلامي الكردستاني، والجماعة الإسلامية الكردستانية، والحركة الإسلامية الكردية لمحاولة رأب الصدع وتنحية الخلافات وتوحيد نظرة تلك الجماعات للمستقبل البلاد والعباد في ظل التحديات التي تمر بها العراق، لا سيما في ظل تجربة تنظيم "داعش" المريرية التي مر بها الشعب العراقي.

 تناول الاجتماع الذي عقد في السليمانية بحسب تقرير نشره موقع معهد واشنطن للدراسات، خلق مناخ لتأسيس جبهة إسلامية مشتركة بين الأحزاب المذكورة التي تملك (١٧) مقعد من بين ١١١ مقعداً في برلمان إقليم كُردستان.

وحرك اتفاق وقع مؤخراً بين الاتحاد الوطني الكُردستاني وحركة التغيير قد يفضي إلى تحالف دائم بين الحزبين المياه الراكدة لدى الإسلاميين ونبههم إلى حالة اصطفاف ضخمة تجري في المحيط السياسي الكردي قد يكونون ضحيتها يوماً ما.

ورغم تحالفهما المؤقت بين 2009 وحتى 2013 لمناهضة السلطة السياسية في الإقليم، إلا أن حركة التغيير التي خرجت من ثوب العلمانية الكردية والإسلاميين عاد كلاً منهما إلى محضنه الأصلي.  إن إحدى النقاط الإشكالية التي واجهت تحالف الإسلاميين مع حركة التغيير، ومع حزب الاتحاد الوطني الكُردستاني، هي الاعتقاد بأن الحرية السياسية وديموقراطية تداول السلطة، كفيلتان للبقاء في الفضاء العام وتمثيل المعارضة. جميع الأحزاب الإسلامية في كردستان العراق هويتها سنية لكنها تختلف فيما بينها حول قضايا مثل حمل السلاح أو عدمه، كذلك تأثرت الحركة الإسلامية في كُردستان العراق التي تأسست عام ١٩٨٧ على يد المُلا عبد العزيز وتحتل مقعداً واحداً في البرلمان، بالنموذج الأفغاني وتشددت في قضية المشاركة في السلطة.

   قبل عامين من نهاية القرن العشرين، جمعت جبهة مؤقتة كل من الحركة الإسلامية وحركة النهضة، وشكلتا حركة الوحدة. سرعان ما تفككت تلك الحركة إذ تم إعلان تأسيس أنصار الإسلام في كردستان الذي تشكل من تنظيم جند الإسلام وجمعية الإصلاح، وحركة حماس الكردية، وحركة التوحيد في شهر ديسمبر ٢٠٠١. كان تنظيم "أنصار الإسلام" واحداً من التنظيمات الجهادية البارزة التي خرجت من رحم الحركة الإسلامية وأصبح هدف لغارات الجيش الأمريكي أثناء احتلال العراق عام ٢٠٠٣، وعقب الإعلان عن تشكيل جند الإسلام في يوليو 2001 أصدرت بياناً وصفت الأحزاب الكردية بالعلمانية و الكفر، ذلك الأمر كان إعلاناً لوفاة حركة الوحدة قبل ان تولد.

تلقت الحركة الإسلامية الصدمة الكبرى حين قرر أحد قياديها وهو على بابير الانشقاق عنها عام ٢٠٠١ وإعلان تشكيل (الجماعة الإسلامية). وقد خرج مع القيادي الشاب حينئذ، حوالي ٨٠٪ من الكوادر السياسية والعسكرية. بذلك ضعفت الحركة وأصبحت منذ ذلك الوقت أضعف حزب إسلامي في كُردستان.

أما الجماعة الإسلامية في كردستان التي يرأسها على بابير فهي امتداد للحركة ذاتها. ترتكز البنية السياسية والفكرية للجماعة على هوية كُردية متجذرة في الإسلام ولا تتردد في معاداة أي طابع علماني للنظام السياسي.

يجدر الإشارة هنا إلى أن الحركات الإسلامية الكُردية باختلاف هوياتها السياسية، لا تختلف فيما بينها حول نظام الحكم. ولكن المَيل لحكم الشريعة من جانب وشراكتها مع الأحزاب القومية في المؤسسات السياسية والتشريعية، منعها من إبراز دور يمكن من خلاله استقطاب الشباب.

   يختلف الاتحاد الإسلامي الكُردستاني، وهو فرع الإخوان المسلمين في كُردستان تأسس عام ١٩٩٤، عن باقي الأحزاب الإسلامية اختلافا طفيفاً فيما يخص رؤيته وتأسيس حكم الشريعة. وخلافا للحركة الإسلامية التي نشأت في إيران ولديها جناح عسكري، نشأ الاتحاد الإسلامي الكردستاني في كردستان العراق ولم يكن لديه جناح عسكري. ومع ذلك، يعتبر الاتحاد الإسلامي الكردستاني أقل ميلاً للوضوح السياسي حول المنهج الجهادي الذي اعتمدته الحركات. لقد كان الحزب قبل تاريخ تأسيسه، عبارة عن منظمة باسم (الإغاثة الإسلامية) حيث استطاع تأسيس الحاضنة الاجتماعية والثقافية والنفسية قبل الكشف عنه نفسه كحزب سياسي، وذلك من خلال العمل الخيري والمؤسساتي.

إن فرص توحيد التيارات الثلاث، الاتحاد الإسلامي الكردستاني، والجماعة الإسلامية الكردستانية، والحركة الإسلامية الكردية، كبيرة جداً لا سيما وأنها جميعاً خرجت من رحم حركة إسلامية واحدة، وقد تكون الضغوط التي تمارس عليهم من النظام العلماني الحاكم بالإضافة إلى تجربة داعش التي جذب الكثير من الشباب الكرد باعتبارها بديلاً عن الأحزاب الإسلامية التقليدية، رغم المواقف المتشددة إزاء التنظيم الذي اجمع على فساده غالبية الإسلاميين. لكن ستبقى الأحزاب والحركات الإسلامية في كردستان العراق عالقة أمام سندان الضغوط الغربية ومطرقة الفكر التكفيري المتطرف الذي يمثله تنظيم داعش".