اتجهت أمريكا هذه المرة منحاً آخر في إطار التضييق على الأقليات المسلمة بعد صعود ترامب إلى سدة الرئاسة وتزايدت ظاهرة "الإسلام فوبيا"؛ بفعل التدفق الهائل من الرسائل التي أطلقها أثناء حملاته الانتخابية حتى تحركت خلايا التطرف اليمني وانتعشت بقوة.

قال لي أحد الأمريكيين من أصول عربية، قبل أن يصعد ترامب إلى سدة السلطة: "رغم أن ظاهرة التضييق على المسلمين في أمريكا تختلف من ولاية لأخرى إلاّ أن ابتزاز المسلمين باسم (الإرهاب) تصاعد بشكل ملحوظ وأصبح المسلم محط تهمة في بعض الولايات".

الآن، وبعد أن يتسلم ترامب إدارة البيت الأبيض، لن يقدم للمسلمين وروداً؛ إذ إن حقبة بوش الابن التي أدخلت أمريكا في صراع مع المسلمين العرب في أفغانستان والعراق سيكون ترامب مكملاً لهذا التهور باعتبارهما ينتميان إلى الحزب الجمهوري الأكثر مجازفة بأمريكا في حروب خارجية مع العرب وتضييقاً على المسلمين في الداخل.

كانت هناك قاعدة تقول إن سياسة أمريكا الداخلية تختلف عن سياستها الخارجية؛ إذ لا يمكن لها أن تدخل في صراع مع المسلمين الموجودين داخل الولايات، لأن أمريكا تقوم في الأصل على الأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي، واختلال هذه الركائز يبشر بسقوط الحضارة الرأس مالية الأمريكية وتصدعها من الداخل.

المسلمون الموجودون في أمريكا يبلغ عددهم 3 ملايين فرد، ويوجد بعضهم في مفاصل الدولة الحيوية والشعبية، لكن هذا العدد المتصاعد أصبح محط تهديد من يوم لآخر بفعل التغيرات المضطربة، وليست أحداث 11 سبتمبر هي البداية ولكنْ المتطرفون العقائديون في أمريكا يستذكرون العنف ضد المسلمين في إطار حضارة إسلامية صاعدة على حساب الحضارة الرأس مالية.

إذا كان بوش الابن قبل أن يغزوَ العراق، قال :"إنها حرب صليبية"، فإن ترامب لن يُلقيَ على المسلمين السلام بل التصريحات العدائية التي أطلقها أثناء حملاته الانتخابية لا تبشر إلا بقتامة الوضع على الأقلية المسلمة في أمريكا تحديداً، واستنهاض الرهاب وبثه بين أوساط الأمريكيين ضد المسلمين.

مؤخراً، وبعد فوز ترامب، شهدت بعض الولايات - مثل نيويورك - أعمال عنف وعنصرية ضد المسلمين رغم أن هذه الولاية كانت أكثرها احتراماً للحقوق والحريات واحتراماً للمسلمين، إلاّ أن أعمال العنف ضد المسلمين وصلت الى أكثر من 328 جريمة كراهية بحسب تقارير أمريكية.

أما في ولاية كاليفورنيا، فقد سجلت التقارير عقب فوز ترمب عشرات من رسائل التهديد وصلت إلى المساجد، وبحسب زعيم الجالية المسلمة في الولاية فإن رسائل تهديد وصلت إلى ثلاثة مساجد من حركة تسمى "أمريكيون من أجل طريقة أفضل" تقول إن الرئيس ترامب سيقوم بعملية تطهير الولايات المتحدة من المسلمين، ويدعو المسلمين إلى المغادرة.

 ولا يبدو أن حالة الرُّهاب ضد المسلمين التي انتشرت بعد فوز ترامب ستتوقف ما دام أن الرجال الذين سيحيطون به والموجودين في الدائرة الضيقة في سطلته أكثر تطرفاً ومصابون برهاب ذهني تجاه الإسلام والمسلمين باندفاع جنوني يعبر عن الانحدار الخطير الذي ستؤول إليه أمريكا تجاه الأقليات المسلمة.

أن يقوم ترامب بتقديم عرض على الفريق متقاعد المتطرف "مايكل فلين" ليتبوأ منصب مستشار للأمن القومي ووضع  الجنرال "باتريوس" مرشحاً لوزارة الدفاع، هو ما سيعزز من ذهنية الإسلام فوبيا في داخل أمريكا وخارجها؛ إذ إن الأول سبق أن وصف الإسلام بالسرطان وأنه في حالة حرب معه، بينما "باتريوس" اختلف مع أوباما عندما كان ضمن فريقه بسبب مواقفه المتشددة وانتهى الأمر بعزله.

لا يمكن القول إن التوجهات المتطرفة ضد الأقلية المسلمة نابعة من شخص ترامب، فحسب، بل تعبِّر عن شرائح مجتمعية متطرفة، تجاه المسلمين، مثله، وإذا استمر بث الرهاب الإسلاموي فإنه سيساهم في تصدع المجتمع الأمريكي وتشظيه على المدى البعيد وانتهاء الحضارة التي كانت تدعي حرية الرأي والتجمع والاعتقاد.

 ولا يمكن أن يصب تنامي حالة العنف والتطرف ضد المسلمين في خانة الحلول لدى أمريكا ومشاكلها الداخلية والخارجية؛ بل سيكون العنف ضد الأقلية المسلمة في صالح التنظيمات الجهادية التي أصبحت منتشرة في أوروبا ودول الشرق الأوسط وشرق آسيا وإفريقيا، وستكسب هذه التنظيمات تعاطف المسلمين أو على الأقل التشفي بما ستواجه أمريكا من ضربات أمنية.

أمريكا تعي أنها قابلة للقسمة في حال تعرض الجانب الاقتصادي والأمني والمجتمعي للتهشم، وهذه في الأصل، هي مرتكزات الحضارة الأمريكية التي قامت عليها منذ أكثر من ثلاث مائة عام، لكن استدعاء الصراع مع الإسلام لا زالت مسيطرة على ذهنية اللوبي اليهودي الفاعل في مفاصل هذه الدولة وفي رؤوس المحافظين المتطرفين، وهو ما سيدفعها مع الأيام إلى التهور والصراع المتزايد مع محيطها حتى الاندثار.

هذه "الفوبيا" من الإسلام والمسلمين ليست حديثه بل مُحصلة لاستعداء صراع الحضارات، والصراع القديم مع الإسلام وانكسار الروم أمام الفتوحات، ورغم الركود الذي أصاب المسلمين إلا أنهم يعرفون أن الإسلام ما يزال حياً مهما أصاب المسلمين من صدأ وتكلس.

وحين تمكن المسلمون من اكتساح الولايات وازدياد عدد المسلمين الأمريكيين ومن كل الجنسيات واكتظاظ المساجد بهم أعادوا شحن المجتمع بالأكاذيب والرهاب ضد المسلمين، وسُخرت أكبر الوسائل الإعلامية مثل النيويورك نيوز والفوكس لخدمة هذا العنف ضد المسلمين، ولاقى المتطرفون ملاذاً آمناً هذه المرة أكثر بعد أن فاز ترامب بالرئاسة.

والأولى من ذلك، من الأصلح أن تتعامل إدارة ترامب مع الأقلية المسلمة كبقية الأقليات وكمواطنين أمريكيين لبقائها دولة متماسكة وعظمى، وأي استمرار للعنف والتطرف ضد المسلمين في الداخل والخارج ستتحلل كما تحللت قبلها أنظمة وقوميات كالنازية والفاشية وأخيراً الاشتراكية الشيوعية.