القارئ لطبيعة وحيثيات عمليات الاغتيالات التي نفذها الموساد طوال العقود السبعة الماضية يتوقع أن يقع أي من العلماء العرب والمسلمين ضحيةً لاغتيالٍ جديدٍ في أي لحظةٍ ودون أي مبررٍ منطقيٍ أو غير منطقيٍ. حيث يقول جابوتنسكي: (التوراة والسيف أُنزلا عينا من السماء). في حين يقول مناحيم بيغن: (أنا أحارب؛ إذن أنا موجود .. كن أخي؛ وإلا سوف أقتلك).

ومن المتوقع أن يُقدم الموساد الصهيوني على اغتيال بعض العلماء العرب في هذه الآونة على وجه الخصوص، خاصة إذا له أي علاقة بالمقاومة الفلسطينية، حيث تنشر الصحافة الصهيونية عشرات التقارير المقروءة والمرئية والمسموعة حول استعدادات المقاومة الفلسطينية وسبل مواجهتها في الجولة العسكرية القادمة، وتدعو أغلب التقارير إلى محاصرة المقاومة وتقويض عملها وقطع علاقاتها الخارجية وتجفيف منابعها حتى وإن كانت في دول غير عربية أو عربية.

العِـلم في معركة التحرير

وتدرك دولة الاحتلال أنَّ أيَّ معركة قادمة مع المقاومة الفلسطينية ستكون بمثابة "معركة كسر جماجم"، كما أنَّ العلم يلعب الدور الأبرز فيها، وهذا ما بد واضحاً من خلال تطورات المقاومة التي بدأت من الحجر والمقلاع حتى وصلت إلى صاروخ (آر 160) وطائرات الاستطلاع وغيرها. وجدير بالذكر أنَّ صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية نشرت قبل يومين تقريراً تحدثت فيها عن معاناة الجيش الصهيوني من قدرات حماس القتالية، وأضافت أنَّ حماس تمكَّـنت من جمع معلومات عن الكيان الصهيوني من خلال الجو، أي بواسطة طائرات الاستطلاع.

من المؤكد لدى المفكرين الذين كتبوا عن احتلال فلسطين والسبيل إلى تحريرها أنَّ العلم هو أحد أركان ثلاثة في منظومة التحرير التي تتضمن العمل العسكري والسياسي، فكيف السبيل إذا اشتركت الأركان الثلاثة في لدى فصيل فلسطيني مقاوم؟ في هذه الحالة سيكون لزاما على الحكومة الصهيونية أن تلجأ إلى تقويض العلم ما أمكن.

بعدما تم توقيع اتفاقيات السلام المصرية الإسرائيلية 1977 – 1979م؛ تمَّ تفكيك هيئة الحديد والصلب المصرية التي كانت تضم نحو 20 عالماً في الفيزياء والكيمياء والرياضيات. وعندما حاولت مصر صناعة طائرة مصرية في عهد مبارك؛ قامت أمريكا بقطع الطريق على مصر وزودتها بعدد من الطائرات مجاناً وبأسعار مخفضة، وكل ذلك في سبيل تقويض مسيرة العلم التي من الممكن أن تحوِّل حياة الصهاينة إلى جحيم وتجعل مستقبل دولتهم على كف عفريت.

لعل هذان المشهدان يكشفان كم يخاف الكيان الصهيوني من العلم والعلماء، وهو ما يستدعي من الحكومة الصهيونية أيضاً احتكار العلم الذري والنووي أو أي من المجالات التي تشكل تهديد وجود عليها. ولعل هذا الخوف يصل إلى مرحلة الهوس الأمني، وهذا ربما يكشف عن الأسباب الحقيقية الكامنة خلف سياسة الاغتيالات الصهيونية لمجموعة من العلماء الذين طالتهم يد البلطجة والإرهاب المنظم، ولعل أخطر ما في الأمر أن عدد من تعرضوا للاغتيال غير معلومٌ، خاصة بعد شن الحرب الأمريكية على العراق في مارس 2003، وتقول الأرقام بأنَّ أكثر من 1500 عالم عراقي باتوا مجهولي المصير.

الاغتيال بين الشريعة والقانون

ولا ينفك حاخام القيادة المركزية الصهيونية "أبراهام أفيدان" من التأكيد لجنود جيش الاحتلال على أنه "مصرَّح بل من واجبكم طبقاً للشريعة أن تقتلوا المدنيين حتى لو كانوا من الخيرين". ويعلق الدكتور نادر سليلي على هذا الأمر بالقول: لعل الأصوب أن تكون العبارة "لأنهم الخيرين". ويستطرد أفيدان مقتبساً من التلمود": "ينبغي عليك أن تقتل أفضل الأغيار".

وتعتبر عمليات الاغتيال رغم بشاعتها أمراً مشروعاً وفق القانون الصهيوني القائمة على الشريعة اليهودية المحرفة، بحق كل من يعتبرهم الصهاينة "أعداء دولة إسرائيل"، وفي أواخر سنة 1972م، صادق الكنيست بأغلبية ساحقة، على قانون يسمح بمعاقبة واغتيال أي أجنبي متهم بالعمل ضد دولة الكيان، بغض النظر عن مكان وقوع هذا العمل، جاء ذلك إثر مقتل 11 رياضياً صهيونياً في أولمبيات ميونخ.

محمد الزواري شهيداً

وقبل يومين وقع العالم التونسي/ محمد الزواري ضحية الاغتيال على يد الموساد الصهيوني، وتمَّت عملية الاغتيال يوم الخميس 15 ديسمبر/كانون الأول، بـ6 طلقات نارية مباشرة في جمجمته أثناء جلوسه في سيارته، أمام منزله في ولاية صفاقس جنوب تونس، وذلك بزعم أنَّه ساعد المقاومة الفلسطينية (وأقصد: كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس) في صناعة 3 أصناف من الطائرات العسكرية بدون طيار، واستخدمتها بالفعل في العدوان الصهيوني الأخير على غزة في صيف 2014م. ثمَّ أعلنت شبكة الجزيرة نقلاً عن مصدر بكتائب القسام أن الشهيد الزواري كان عضواً في القسام وأحد رواد مشروع طائرات بدون طيار، وبعدها أصدرت الكتائب بيان نعي للشهيد الزواري. وتشير المعلومات إلى أن الزواري انضم فعلياً لكتائب القسام منذ 10 أعوام مضت.

والشهيد الزواري هو مهندس طيران وأستاذ جامعي، يبلغ من العمر 49 عاماً، ويعمل رئيساً لجمعية الطيران في الجنوب، التي كانت تدرب الشباب التونسي على تصنيع طائرات من دون طيار، شارك مع تركيا في صناعة أول طائر استطلاع عسكرية وأول غواصة حربية تركية في ظل حكم أو رئيس مدني، كما يعد أطروحة الدكتوراه الخاصة به حول صناعة الغواصات.

علماء في قبضة الاغتيال

اغتيال الشهيد الزواري بالتأكيد يستلزم البحث مرة أخرى في عمليات الاغتيال والقتل للعلماء، ومن المعلوم بالضرورة أن تاريخ الموساد الإسرائيلي حافل بالجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية حتى وإن كانت غائبة أو مغيبة عن الوعي. ومن جملة من وقعوا ضحايا الاغتيال:

إبراهيم المقادمة: أقدمت الحكومة الصهيونية على اغتياله في مارس 2003م؛ رغم محدودية دوره العسكري في حركة حماس، وثمة من يعتقد بأنَّ الدكتور المقادمة أخطر عقلية فكرية في حركة حماس، ولم تتمكن الحركة من الحصول على شخصية بنفس المواصفات الفكرية.

أنيس الصايغ: مدير مركز الأبحاث والدراسات الفلسطينية في بيروت، جرت محاولة اغتياله في بيروت بتاريخ 19/7/1972، لكن نجا من عملية الاغتيال بأعجوبة رغم إصابته البليغة.

باسل رؤوف الكبيسي: عالم عراقي من مواليد بغداد، درس في أمريكا وحصل على شهادة الدكتوراه في القانون الدولي والعلوم السياسية. تولى عدة مسؤوليات مهمة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. تمَّ اغتياله في أحد شوارع باريس بتاريخ 6/4/1973م.

جمال حمدان: عالم مصري في الجغرافيا والعلوم الاستراتيجية، كتب عن اليهود من ناحية أنثروبولوجية، وأثبت أن صهاينة اليوم لا علاقة لهم بيهود الأمس، وله عدد من المؤلفات التي تتحدث عن مصر و الكيان الصهيوني والمنطقة العربية. ولعل مؤلفه الخاص بسيناء يعطي المقاومة الفلسطينية بصيص أمل في تحرير فلسطين من خلال سيناء.

جيرالد بول: هو عالم كندي تم اغتياله في العاصمة البلجيكية بروكسيل في 22 مارس 1990م. وشارك في مشروع لصنع مدفع كبير (مدفع بابل) أو (المدفع العملاق) لحساب العراق.

حامد ربيع: أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة، وأستاذ في جامعات؛ الخرطوم، بغداد، روما، باريس، دمشق والجزائر والكويت والإمام محمد بن سعود الإسلامية وجامعة ميتشيجان الأمريكية. قام بإنشاء مركز الدراسات الإنمائية في جامعة القاهرة وأشرف على إنشاء المعهد الدبلوماسي التابع للخارجية المصرية، ثم انتقل إلى العمل في مركز البحوث العربية في بغداد حيث أقام في العراق ما يقرب من 8 سنوات. حصل على سبع شهادات دكتوراه؛ في علم الاجتماع التاريخي، فلسفة القانون، في العلوم النقابية العلوم السياسية، في العلوم القانونية. وكان دائم التأكيد على أن "الصراع العربي  الصهيوني هو صراع وجودي وليس حدودي". وتنبأ ببعض الحروب التي وقعت في المنطقة العربية مثل اجتياح الكويت وحرب تحريرها. في 9 سبتمبر 1989 توفي حامد ربيع، بسبب إصابته ب"مغص شديد" لم يمهل المتوفى أكثر من ربع ساعة قبل أن يسلم روحه حسبما ذكرت وسائل الإعلام.

حسن كامل صبَّاح: يلقب ب"أديسون العرب"، يصل عدد ما اخترعه الدكتور صبَّاح 176 اختراعاً في من أجهزة وآلات في مجال الهندسة الكهربائية والتلفزة وهندسة الطيران والطاقة، توفي في أمريكا يوم 31 مارس 1935م، دون الكشف عن سبب الوفاة.

رمَّال حسن رمَّال: عالم لبناني، وهو أحد أهم علماء الفيزياء في هذا العصر كما وصفته مجلة لوبوان الفرنسية، وتعتبره مراكز الأبحاث في فرنسا سابع أهم 100 شخصية تصنع الملامح العلمية للقرن الواحد والعشرين. جاءت وفاته في ظروف غامضة يوم 31 مايو 1990م، حيث توفي في المختبر ووسط الأبحاث العلمية التي تحدثت عنها فرنسا، كما جاءت وفاته عقب وفاة الدكتور حسن كامل صباح.

سعيد السيد بدير: وهو خبير في أبحاث الأقمار الصناعية في جامعة ليزيزع الألمانية الغربية، ورئيس قسم الموجات بالقوات الجوية المصرية. احتل المرتبة الثالثة من أصل 13 عالما فقط في حقل تخصصه النادر في الهندسة التكنولوجية الخاصة بالصواريخ، وتوصَّل من خلال أبحاثه إلى نتائج علمية متقدمة عجَّلت من اغتياله الذي تمَّ في القاهرة يوم 8 يونيو 1988م.

سمير نجيب: دكتور في الكيمياء، وعالم ذرة مصري، تخرج من كلية العلوم بجامعة القاهرة في سن مبكرة، وتابع أبحاثه العلمية في الذرة. ولكفاءته العلمية المميزة تم ترشيحه إلى الولايات المتحدة الأمريكية في بعثة، وعمل تحت إشراف أساتذة الطبيعة النووية والفيزياء وعمره لم يتجاوز الثالثة والثلاثين. تم اغتياله في أغسطس 1967م.

سميرة موسى: هي أول عالمة ذرة مصرية عربية، جرى اغتيالها في ولاية كاليفورنيا في 15 أغسطس 1952 على يد الموساد الصهيوني بعد رفض عددٍ من العروض الأمريكية للبقاء والعمل هناك.

نبيل القليني: عالم ذرة مصري، والده محمد القليني رئيس قلم الميزانية بالقضاء العالي بالقاهرة، أوفدته كلية العلوم بجامعة القاهرة لإجراء بعض الأبحاث والدراسات في مجال الذرة، وكان عبقريا في مجال الفيزياء وتحدثت عنه أغلب الصحف التشيكية. اختفى منذ يناير 1975 بعد تلقيه مكالمة هاتفية على إثرها خرج من البيت في تشيكوسلوفاكيا ولم يتم معرفة اي شيء عنه بعد ذلك.

نـزار ريـان: أقدم الكيان الصهيوني على اغتياله بقصف بيته بطائرة إف 16 في يناير 2009م، ويُحسب للدكتور ريان أنه تنبأ بالانسحاب الصهيوني من قطاع غزة قبل أن يتمَّ بنحو 10 سنوات.

يحيي المشد: عالم ذرة مصري وأستاذ جامعي، تم اغتياله في 13 يونيو 1980م، في غرفة رقم 941 بفندق الميريديان في باريس مهشم الرأس. وكان يدير في باريس صفقة مع (مصنع سارسيل) لشراء كمية من اليورانيوم لاستخدامها في بناء المفاعل النووي العراقي، وقد استطاع الموساد الاطلاع على (تيليكسات) تذكر تفاصيل برنامج سفر المشدّ والمكان الذي سينزل فيه، ممّا سهّل عليهم وضع أجهزة تنصت في غرفته قبل وصوله

أدوات الاغتيال

ما يسترعي الانتباه هو أن عمليات اغتيال العلماء كانت تختلف اغتيال القادة السياسيين والعسكريين في أدوات ووسائل القتل، وبينما كان المسدس أو السلاح الشخصي هو الأداة الأكثر استخداماً لقتل القادة، كانت الظروف الغامضة سيدة المواقف في اغتيال العلماء، ولم تتمكن الأجهزة الأمنية من الوصول إلى سبب الوفاة، وربما كانت الأداة تتناسب مع مكانة وأهمية الشخص المُغتال.

ولعله من المفيد الإشارة إلى أن التسميم هو واحد من أخطر عمليات الاغتيالات التي تنفذها وحدة الاغتيال في الموساد المعروفة بـ "كيدون". والتسميم حسب تقرير لموقع المجد الأمني؛ هو عبارة عن مواد كيميائية لها المقدرة على إحداث الأذى والضرر، أو التوعك، أو الموت. ينشأ الأثر السمي عادة عن طريق تفاعل كيميائي يحدث إما عن طريق الاستقلاب (الأيض أو عملية التمثيل الغذائي) أو التلامس وذلك على المستوى الجزيئي.

تماماً مثل سم البولونيوم المتهم الأول بقتل الرئيس ياسر عرفات، وهو سم شديد الخطورة ويتطلب معدات خاصة وطرق صارمة للتعامل معه، وهو عنصر كيميائي في الجدول الدوري يرمز له بـ Po وعدده الذري 84 ويعد من أشباه الفلزات، وله نشاط إشعاعي نادر.

ويذكر تقرير موقع المجد أن معهد "نيس تسيونا" أو المعهد البيولوجي في مدينة "ريشون ليتسيون"، هو المسئول عن صناعة المواد السامة، ويشتغل به نحو 300 من العلماء والفنيين، ويضم عدة أقسام، كل منها يتضمن خط إنتاج محدد لإنتاج أسلحة كيماوية وبيولوجية. ومعظم هذه الأقسام يتخصص في إنتاج المواد البيولوجية ذات الاستخدام الحربي، مثل السموم التي تستخدم في عمليات الاغتيال.

وأخيراً؛ يبدو واضحاً أن اغتيال العالم الزواري قد فتح سجل الاغتيالات من جديد تفادياً لأي علاقات عمل بين المقاومة الفلسطينية والعلماء العرب، وهو ما يستلزم من العلماء أخذ تدابير السلامة الكافية.