تتخذ وزارة الخزانة الأمريكية من تهمة "الإرهاب" وسيلة ضغط لإرهاب وابتزاز علماء ودعاة وقادة الجماعات الإسلامية في المنطقة العربية؛ فالوزارة لديها قائمة مفتوحة تضيف إليها شخصيات بارزة بناء على معلومات مغلوطة وغير معروفة المصادر.

آخر ضحايا هذه القائمة – ونحن هنا نتحدث عن اليمن نموذجاً - هما رئيس ائتلاف الإحسان الشيخ عبدالله الأهدل، والقيادي في المقاومة الشعبية ورئيس شورى حزب الإصلاح في محافظة الجوف الشيخ الحسن أبكر، وهما من أبرز الشخصيات اليمنية التي عُرف عنهما الاعتدال والوسطية ولهما دور بارز في الدعوة والعمل الخيري والإصلاح الاجتماعي.

وقبل هذا بقرابة شهرين أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إدراج اسم شركة العمقي للصرافة، التي تملكها إحدى الشخصيات الموالية للشرعية في قائمة الإرهاب، بالإضافة إلى اسم محافظ محافظة البيضاء الشيخ نايف القيسي الذي تم تعيينه بقرار جمهوري من الرئاسة اليمنية، الأمر الذي اعتبره كثير من المتابعين استهدافاً واضحاً للشرعية اليمنية ورموزها المقاومين للتمدد الحوثي في اليمن.

كان الناس في اليمن ينتظرون أن يتم إعلان أن عبد الملك الحوثي وعلي عبد الله صالح وعدداً من القيادات الحوثية المتطرفة كشخصيات في هذه القائمة، لكن الأمر انعكس تماماً؛ فقيادات الحوثي تحظى برعاية وترحيب ولقاءات ثنائية مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في مسقط عاصمة عمان، وقيادات الشرعية تُدرَج في قوائم الإرهاب!

ولا يمكن اعتبار هذا القرارات الأمريكية إلا استهدافاً واضح للشرعية اليمنية وتقديم خدمات مجانية للحوثيين الذين يهتفون ليل نهار بالعداء لأمريكا والكيان الصهيوني، ولكنهم في واقع الحال يسوِّقون أنفسهم بأنهم حائط صد لمقاومة القاعدة وداعش في اليمن، وهو ما جعل أمريكا تتحفظ على الحسم العسكري وتمارس الضغوط على الشرعية من أجل إبقائهم مكوناً رئيسياً سياسياً وعسكرياً في المرحلة القادمة.

أصبحت الميليشيات الشيعية تصول وتجول في المنطقة العربية من العراق إلى اليمن مروراً بسوريا ولبنان، ولكن التصنيفات في قوائم الإرهاب الأمريكية تكون في الغالب من نصيب الشخصيات السنية، وهذا الأمر يكشف عن حجم الدعم الغربي للأقليات الشيعية للسيطرة على الحكم في المنطقة وتشكيل حليف شيعي أكثر خضوعاً وانصياعاً للطلبات الأمريكية بعيداً عن الشعارات الاستهلاكية التي توجه العداء ضد أمريكا والكيان الصهيوني.

ومن تناقضات هذه الإدارة الأمريكية أنها تتلقى معلوماتها في تصنيفات الإرهاب من قبل شخصيات وجهات تابعة للمليشيات الانقلابية في اليمن والأجهزة الأمنية التابعة لها، فهناك لوبي حوثي إيراني يعمل بشكل مستمر في الأروقة الدولية وتقاريرهم تحظى باستقبال وترحيب في الأمم المتحدة ومنظماتها المتفرعة والجهات الأمريكية الأمنية والدبلوماسية؛ فكيف يمكن الوثوق بمعلومات تقدَّم ضد شخص ما من قبل طرف معادٍ له؟ وهذا يؤكد مجدداً حجم التنسيق بين الحكومة الأمريكية والمنظمات الدولية وتلك المليشيات، فقد رأينا بأم أعيننا أن مسؤولي المنظمات الدولية يزورون المناطق الخاضعة للحوثي ويتجاهلون - رغم الدعوات المتكررة - زيارة تعز المحاصرة والمحافظات الأخرى المحررة.

ومن يراقب الأسماء التي وضعتها الخزانة الأمريكية في قائمة الإرهاب فسيجد أنها شخصيات مؤثرة في المجتمع ومناهضة للسياسات الأمريكية، ومن ثَمَّ يمكن اعتبار تلك القرارات مجرد ضغوط سياسة وابتزاز رخيص للجهات التي يتبعونها للحصول على مكاسب جديدة وتنازلات أكثر من الأطراف الواقعة تحت الضغط.

ومن الأسماء البارزة التي وضعتها الخزانة الأمريكية في قائمة الإرهاب الشيخ عبد الوهاب الحميقاني، وهو الأمين العام لحزب الرشاد اليمني، وصاحب توجهات إصلاحية، ولديه تطلعات سياسية كبيرة، وأسس فرع منظمة الكرامة في اليمن التي اشتغلت على ملف انتهاكات الطيران الأمريكي بلا طيار في اليمن، أما الشخص الآخر فهو الشيخ الجليل عبد المجيد الزنداني رئيس جامعة الإيمان الشهيرة في صنعاء.

سألت الخبير القانوني محمد الأحمدي عن طبيعة هذه القرارات التي تستهدف الشخصيات المؤثرة في اليمن، فأوضح "أنها جزء من السياسات الأمريكية المتخبطة في المنطقة العربية والعالم؛ فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنَّت الولايات المتحدة مجموعة كبيرة من القوانين والتشريعات والإجراءات بذريعة الحرب على الإرهاب، تنطوي على خروقات كبيرة لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان وتنتهك السيادة الوطنية للدول، وما تزال هذه القوانين والإجراءات تثير انتقادات واسعة حتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال قانون الأدلة السرية المثير للجدل".

تابع الأحمدي قائلاً: "من الملاحظ أن قرارات الخزانة الأمريكية تستهدف في الغالب الأفراد والهيئات المناهضة للسياسات الأمريكية أو أدواتها في المنطقة أو المناضلين ضد الديكتاتوريات المستبدة، وهو ما يجعلها أقرب إلى أوراق ضغط سياسية أكثر من كونها إجراء وقائياً لحماية الأمن والسلم الدوليين".