يدلل الاحتفاء الصهيوني بعوائد مشروع قناة البحرين الذي تم التوقيع على اتفاق مع الأردن بشأنه أواخر الأسبوع قبل الماضي على التداعيات بالغة الخطورة لمشاريع البنى التحتية المشتركة التي يروج لها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ويتم تقديمها على أساس أنها دليل على الأهمية الكبرى لـ "السلام الإقليمي".

إن أخطر ما في الاتفاق يتمثل في أن المرحلة الأولى من المشروع تتضمن تدشين محطة تحلية مياه في العقبة بتمويل دولي، يحصل الكيان الصهيوني وحده على 50% من المياه العذبة التي سيتم إنتاجها، في حين يتقاسم الأردن والسلطة الفلسطينية الباقي.

والمفارقة أن الكيان الصهيوني أعلن مسبقاً أن الماء الذي سيحصل عليه سيستخدمه في تطوير المشروع الاستيطاني التهويدي في الضفة الغربية.

وحتى لا يتهمنا أحد بتبني مواقف مسبقة من مشروع قناة البحرين الذي تم الاتفاق بين الحكومة والأردنية والكيان الصهيوني على الشروع فيه أواخر عام  2018، فإننا نقتبس ما قاله رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو خلال جلسة الحكومة الصهيونية الأخيرة إذ أوضح أن الحكومة ستستغل المياه العذبة التي ستحصل عليها من محطة تحلية المياه العذبة التي تَقرر تدشينها في مدينة العقبة كما نص الاتفاق، في تطوير التجمع الاستيطاني اليهودي في منطقة "غور الأردن" التي تشكل حوالي 28%  من مساحة الضفة الغربية.

تصريحات نتنياهو التي نقلتها وسائل الإعلام الصهيونية والأجنبية والعربية لم تُثر اهتمام أحد، لكنها خطيرة جداً ويفترَض أن تسبب حرجاً كبيراً للأردن، على اعتبار أن نتنياهو يعلن مسبقاً وقبل أن يتم الشروع في المشروع المشترك مع المملكة أن هدف المشروع الأساسي بالنسبة للكيان الصهيوني هو تطوير المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.

ويفترض أن تمثل إشارة نتنياهو تحديداً إلى دور المشروع العتيد في تهويد منطقة "غور الأردن" تحديداً معضلة للحكومة الأردنية؛ لأن هذا يعني إسدال الستار على أية فرصة سياسية لحل الصراع. صحيح أن كل سلوك تُقْدِم عليه حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب يدلل على أنها ماضية في تهويد الأراضي الفلسطينية، لكن مما لا شك فيه أنه عندما يعلن نتنياهو مقدماً أن أهم عوائد مشروع قناة البحرين هو تعزيز المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، فإن هذا يعني أن السماح بإنجاز هذا المشروع يمثل إسهاماً في مساعدة الصهاينة على إنفاذ مخططاتهم.

وإن كان لدى أحد شكٌّ في تداعيات المشروع الكارثية فليستمع إلى ما يقوله زعماء المستوطنين الصهاينة في الضفة الذين امتدحوا هذا المشروع وأطنبوا في تناول دوره المرتقب في تعزيز المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.

فقد قال دفيد ليفي، رئيس التجمع الاستيطاني في منطقة "غور الأردن"، إن المستوطنات في التجمع الذي يرأسه ستكون الأكثر الاستفادة من هذا المشروع، منوهاً إلى أن المشروع سيعمل على تطوير المشروع الاستيطاني في المنطقة وتعزيزه.

ونوه ليفي إلى أن المشروع لن يسمح فقط للمستوطنين باستغلال الأراضي المنطقة وزراعتها "بل إنه سيمكِّن من توسيع المستوطنات القائمة لاستيعاب المزيد من المستوطنين في هذه المستوطنات".

وقد عدت دراسة صهيونية مشروع "قناة البحرين" دليلاً على أن الطريق المسدود التي انتهت إليه الجهود لحل الصراع مع الفلسطينيين لا يؤثر سلباً على تطبيع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الأردن.

ونوهت الدراسة إلى أن مشروع قناة البحرين ينضم إلى قائمة من الشراكات الاقتصادية مع الأردن، مشيرة إلى الاتفاق الذي وُقِّع في 26 أيلول الماضي، والذي بموجبه سيشرع الكيان الصهيوني في نهاية عام 2019 بتزويد الأردن بالغاز على مدى 15 عاماً، مقابل عشرة مليارات دولار.

 ونوهت الدراسة أيضاً إلى أن صفقة الغاز مع الأردن تسهم بشكل جذري في تطوير حقول الغاز العربية والفلسطينية التي سيطرت عليها تل أبيب، منوهة إلى أن مجمع الشركات التي تنقب على الغاز ستستغل عوائد الصفقة مع الأردن في تمويل المرحلة الأولى من تطوير حقل "ليفيتان".

 وعدت الدراسة تطوُّر الشراكات الاقتصادية ومظاهر التطبيع بين الكيان الصهيوني والأردن دليلاً على عدم تأثير المعارضة التي يبديها البرلمان والشارع الأردني على رغبة الحكومة في عمان في تواصل التعاون مع تل أبيب.

لا يمكن للمرء أن يتحرر من الإحساس السلبي المتمثل في أن محطة تحلية المياه التي ستحتضنها مدينة العقبة الأردنية العربية ستكون مصدر المياه الذي يتم توظيفه لتعزيز قدرة المستوطنات اليهودية في غور الأردن والضفة الغربية بشكل عام على الازدهار والنمو.

إلى جانب ذلك، فإن الكيان الصهيوني يوظف هذا المشروع بشكل صريح وواضح وبدون مواربة في التدليل على أن سياسة الاستخفاف القائمة على نظرية عنصرية استشراقية التي تتبعها حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب في مواجهة العالم العربي تؤتي ثمارها.

ولا حاجة للقول: إن الكيان الصهيوني يروج لمشاريع البنى التحتية المشتركة مع الدول العربية لتكون بديلاً عن تسوية الصراع مع الشعب الفلسطيني التي تتطلب قدراً من الانسحاب من الضفة الغربية.

من حق الأردن وحق أية دولة عربية أن تسعى إلى تحقيق مصالحها الاقتصادية وتأمينها؛ لكن يتوجب توخي الحذر عندما يكون الشريك في هذه المشاريع كيان يجاهر بأنه سيوظف هذه المشاريع في تكريس احتلاله لأرض عربية.