مثَّل انعقاد المؤتمر السابع لحركة فتح حالة سياسية فلسطينية مهمة؛ ليس لها انعكاسات فقط على مستقبل أحد أبرز الأحزاب السياسية الفلسطينية، بل على مستقبل القضية بأسرها. وقبل شرح تبعات هذه الخطوة على مستقبل حركة فتح ومستقبل السلطة الفلسطينية، نود الحديث عن بعض التفاصيل في المؤتمر، إذ انتخب 1400 عضو من الحركة يمثلون كافة أقاليم فتح، 80 عضواً لتمثيلهم في المجلس الثوري للحركة الذي يعد "كونغرس" الحركة وهو من ينتخب أعضاء اللجنة المركزية الثمانية عشر، حيث صعد مروان برغوثي إلى أعلى القائمة.

أراد الرئيس الفلسطيني محمود عباس من هذه الخطوة تقزيم حركة فتح وحصرها في مجموعة شخصيات قريبة منه، وتضييق دائرة المنتمين لمراكز صناعة القرار في الحركة التي تستأثر منذ عشرات السنين بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني والسلطة الفلسطينية، والتي شئنا أم أبينا هي الممثل الوحيد في المؤسسات الدولية للشعب الفلسطيني. الشخصيات التي أخرجها عباس لدائرة صنع القرار جميعها وبلا استثناء تسير على خطه السياسي وترفض اعتبار المقاومة إحدى وسائل تحرير فلسطين، فقد اختار منذ زمن أن يجعل المفاوضات خطاً إستراتيجياً للحصول على الحق الفلسطيني، رغم أن الحكومات الصهيونية المتعاقبة رفضت هذا النهج وما تزال ترفضه.

قد يرى البعض أن تصعيد الأسير مروان البرغوثي وعدم تصعيد ياسر محمود عباس للجنة المركزية هو بمثابة وضع حائط صد أمام محمد دحلان في الضفة الغربية وتجنباً لغضب العضو الفتحاوي من الرئيس عباس. لكن باعتقادي أن ما يفكر فيه عباس ليس فقط الصراع مع دحلان بقدر ما يفكر بمستقبل حركة فتح ومستقبل مسيرة السلام مع الكيان الصهيوني ومستقبل مؤسسات السلطة الفلسطينية؛ وهو المشروع الذي تم توقيع اتفاق أوسلو بشأنه وصرف الغرب عليه مليارات الدولارات، لكونه الضمانة الوحيدة لاستقرار الكيان الصهيوني.

 الشخصيات التي صعدت لعضوية اللجنة المركزية مثل حسين الشيخ وصائب عريقات وتوفيق الطيراوي وصبري صيدم وغيرها، ترفض خط المصالحة مع حركة حماس أو إعادة إصلاح منظمة التحرير. قد يكون عباس أعاد تشكيل حركة فتح وفقاً لحساباته السياسية وعلاقته بالكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، لكنه بذلك نجح في تمزيق حركة فتح وتضخيم الصدع الموجود فيها سابقاً من خلال استبعاد كثير من الأعضاء الفتحاوية التي كان لها نفوذ كبير على مسار حركة فتح. وتابعت عبر وسائل الإعلام انعقاد المؤتمر ويملؤها كثير من الغضب على عباس وما فعله باعتباره انقلاب على النظام الأساسي للحركة، وشكل "فتح" خاصته، التي باختصار أصبحت مهمتها منذ توقيع اتفاق أوسلو ضمان استمرارية المحافظة على السلام مع الكيان الصهيوني داخل الأراضي المحتلة، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه المشروع بمقاومة الاحتلال. استبعاد محمد دحلان من اللعبة داخل حركة فتح قد يكون له علاقة بالصراع على النفوذ داخل أطر الحركة، لكنه فشل فشلاً ذريعاً في قطاع غزة عام 2006 ولا أعتقد أن تل أبيب تريد انعكاساً لنفس التجربة في الضفة المحتلة، وغير مستعدة لتحمل تكاليف فوضى أمنية قد يحدثها صراع بين أقطاب فتح في الضفة المحتلة مثلما جرى في نابلس الأسابيع الماضية.