أظهر دونالد ترامب منذ وقت مبكر عداءه للاتفاق النووي مع إيران، ومنذ ما قبل بدء الانتخابات انقسم السياسيون في إيران بين جبهتين: الأولى تؤيد هيلاري كلينتون ويقودها أنصار الاتفاق النووي (روحاني وفريقه). والثانية مؤيدون لـ "ترامب" وهم فريق الفساد داخل إيران (خامنئي والحرس الثوري).

ولذلك عندما فاز الرجل المتطرف ظهر الحرس الثوري والمقربون من المرشد سعداء بفوز دونالد للتشابه في الأفكار والمعتقدات، ولكون تطرفه سيأجج تطرفهم داخلياً؛ حتى وإن كان فوزه سيضر الجمهورية الإيرانية، وسيعيد العقوبات الاقتصادية التي تسحق فقراء إيران وتزيد أرباح سلطة الملالي.

يعتبر فوز ترامب الحدث الذي كان ينقص أصحاب العمائم السود وقيادات الميليشيا الثورية، مشاعل الفساد والإفساد داخل إيران، ليشعروا بمدى صحة نظرياته وتوقعاتهم لمزيد من الاستبداد بحق الإيرانيين، فخلال الأيام الأولى لفوز ترامب ظهر كيف يمكن أن يحقق فوزه استثماراً لمؤسستهم، من خلال عدة أمور:

-         "تمزيق الاتفاق النووي" الإيراني، وبذلك يعود نفوذ الإمبراطورية المالية للمرشد والحرس الثوري، بعد أن تم تقليص شيء من نفوذها لصالح رجال أعمال جدد بعد الاتفاق.

-         يمثل فوز ترامب عودة للخطاب المتطرف داخل إيران التي تعيش العام القادم انتخابات رئاسية، وبإلغاء الاتفاق النووي سيسبب خسارة فادحة لفريق حسن روحاني الذي لم يستطع أن يفي بوعوده للناخبين في فترته الأولى، وهو ما سيعني تقليص فرصته بالفوز خلال الانتخابات القادمة التي ينوي الترشح فيها.

-         عودة "الشيطان الأكبر" إلى الواجهة كعدو "خارجي" يمكِّن نظام الملالي من السيطرة على السلطة فترة أكبر، وإيقاف أي مطالبة بالإصلاحات وتغيير النظام بمبرر أن الجمهورية في حالة حرب، كما سيكون ذلك مبرراً لفرض جبايات على الإيرانيين.

-         تبرير التوسعات الإيرانية في المحيط العربي بحجة مواجهة الخطر الأمريكي، بعد أن كان صديقاً منذ توقيع الاتفاق، ومع توقعات لتصريحات متطرفة من إدارة ترامب بما فيها الغزو فإن سلطة الملالي ستزيد من القمع وترتفع معدلات الاتهام بالعمالة و "الأمركة".

خلال السنوات التي كانت فيها إيران تعاني وطأة العقوبات، خصوصاً خلال رئاسة محمود أحمدي نجاد، بدأت المؤسسات والمنظمات المحافظة وفي مقدمتها الحرس الثوري، في الهيمنة على جميع النواحي الاقتصادية في إيران تقريباً. ووَفْقاً للخبير الاقتصادي وعضو البرلمان السابق، أحمد توكلي، فإن الحرس الثوري يتفوق على القطاع الخاص بشكل غير متكافئ، بسبب سلطتهم ونفوذهم. ومع ترسيخ خطة العمل المشتركة (الاتفاق النووي) ستتوسع التجارة مع الغرب. والنتيجة الطبيعية هي توسع القطاع الخاص الإيراني؛ وهو ما يعني خسائر للثروة التابعة للمرشد والحرس الثوري، وبعكس ذلك ستعود سطوة الحرس مجدداً.

ردة فعل إيران:

سُئل هنري كسينجر بعد فوز ترامب: كيف سيكون رد فعل إيران؟[1]، فأجاب: "ربما تستنتج إيران – وهذا صحيح – أن الاتفاقية النووية أصبحت الآن هشة أكثر من ذي قبل، ولكنها ستستمر في إصرارها - مشاريعها ومواقفها - حتى في ظل الضغوط، في الوقت الذي ستدرس فيه ترامب". لذلك سيكون الخليج العربي هو محور الدراسة وقياس ردات الفعل الأمريكية، وستتزايد التدخلات الإيرانية، وستطيل أمد الصراع في اليمن وسوريا والعراق وستفعِّل حراكاتها في البحرين والكويت وربما السعودية.

لقد صعَّد فوز المرشح الجمهوري من حَراك المتطرفين الإيرانيين (فريق بيت الإمام المرشد والحرس الثوري) كطرف مشابه يحمل جينات ترامب أثناء الحملة الانتخابية وهو ما وصفها مرتضى كاظميان بـ "الترامبية في إيران"[2]. فحسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة "كيهان" القريبة من المرشد اعتبر في مقال له الاتفاق النووي "وثيقةً غير مجدية" و "خسارة محضة"، وقال: "أي إنجاز أعظم وأكبر من تمزيق هذه الوثيقة بيد ترامب وتخليص الشعب الإيراني منها؟".

يرتبط فوز ترامب بناحية أخرى هي الانتخابات الإيرانية لعام (2017) ويستغل المتطرفون ذلك للانتقاص من سياسية حسن روحاني خاصة عند الإشارة إلى أنه خلال عام لم تتحسن الأوضاع المعيشية للإيرانيين؛ فروحاني الذي يعزم على الترشح لولاية جديدة سيقابل تياراً رافضاً خاصة إذا ما أعلن "ترامب" إلغاء الاتفاق النووي أو عودة العقوبات.

وفي ذلك نشرت مجلة "صبح صادق"[3] التابعة للحرس الثوري في افتتاحيّتها: "مع وصول ترامب إلى الرئاسة لن يبقى شيء من الاتفاق النووي بالفعل، وسيلفُّ الغموض هذا الاتفاق. بذلك يبدو أن السياسة الخارجية، خصوصاً الاتفاق النووي الذي يُعتبر مصدر القوة والورقة الرابحة للحكومة في الانتخابات في العام المقبل، ستتحول رويداً رويداً إلى كعب أخيل الحكومة".

والسبب هنا هو أن فريق روحاني ومن يوصفون بالمعتدلين غير قادرين على تبني خطاب عنتري. والنتيجة الثانوية لهذا الموقف، في ظن الحرس الثوري، هي أن هذا قد يكون مكافأة كبيرة للحرس الثوري. قد تكون نبوءة الحرس الثوري دقيقة.

لا تعطي السلطة الحاكمة في إيران ملامح عن اهتمامها بعودة العقوبات الاقتصادية على الشعب الإيراني بنقض الاتفاق النووي الذي يُظهِر كلَّ يوم عدمَ التزام طهران بما جاء فيه، وهو ما يعني عدم إمكانية الاستمرار بتنفيذه.

جيش الإسلام العالمي:

وحتى في حال عادت العقوبات بشكل أشد وطأة ستبقى إيران تتدخل وتسعى في مشاريعها، حيث كتبت "صبح صادق" أيضاً حول أهمية "إنشاء جيش الإسلام العالمي" في مواجهة "معسكر الاستكبار الذي محوره الولايات المتحدة"، واعتبرت أن: "حضور إيران في دول محور المقاومة مطابق مئة بالمئة للعرف الدولي". والمقصود بمعسكر الاستكبار (السعودية ودول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية)، كما أن المقصود بمحور المقاومة (الحوثيون في اليمن والحشد الشعبي في العراق وسوريا وحزب الله في لبنان).

قد تتلاشى الطموحات الإيرانية ويسقط النظام الإيراني بتحركات شعبية داخلية قد تؤججها العقوبات (المتوقعة) وحتى يسقط نظام الملالي سيستمر في توسعه وتهدد الأمن القومي العربي إلا في حال وجد حائطاً عربياً صلباً لمواجهته، لكن إيران لا تجد أمامها إلا حائطاً هشاً يستند إلى داعمين دوليين امتلكوا سياسة مترددة وخائفة في عهد أوباما، وسياسة حمقاء ستكون في عهد ترامب، وسيبقى العرب مذبذبين يتوقعون في أي لحظة تغيير ولاء واشنطن معهم أو ضدهم، حتى يحين ذلك الحائط العربي المتوحد تجاه تهديد واحد لقوميته.


[1] حوار في مجلة ذا اتلانتك نشر على الرابط الآتي The Lessons of Henry Kissinger:

 https://www.theatlantic.com/magazine/archive/2016/12/the-lessons-of-henry-kissinger/505868 /

[2] ترامپیزاسیون در إیران، مرتضی کاظمیان،

 http://www.bbc.com/persian/blog-viewpoints-37995059

[3] صبح صادق http://ssweekly.ir/775/