لقد زال الزيف وبانت الحقيقة وظهرت الكيان الصهيوني على حقيقته. فهذا الكيان الذي يشن الحروب غير قادر على مواجهة تبعات تقلبات الطقس والمناخ. فقد أظهرت الحرائق التي اشتعلت في أرجاء الكيان الصهيوني ومستوى تعاطي هذا الكيان معها وعجزه المثير للاستهجان على إخمادها واضطراره للاستعانة بعشرة دول في محاولة لإخمادها على البون الشاسع بين الصورة النمطية التي حاول قادته بناءها والواقع.

فهذا الكيان الذي يتباهى قادته بتقدمه التكنولوجي ومنعته الاقتصادية وتفوقه العسكري يعجز إلى هذا الحد عن مواجهة تبعات تحول مناخي محدود تعرضت له دول أخرى في المنطقة. لا يمكن التعاطي مع دعوات قادة الكيان الصهيوني لقادة العالم بمد يد العون على أنه سلوك طبيعي، حيث أن هذا الكيان اعتبر دوما أن استغنائه عن محيطه يعد أحد مقومات ردعه، وهو ما يمثل مرتكزا من مرتكزات الأمن القومي الصهيوني.

ليس هذا فحسب، بل أن العجز عن إخماد النيران فتح المجال لطرح المزيد من الأسئلة حول كيفية تعاطي الكيان الصهيوني مع كوارث أكبر حجما، وهناك من بات يطرح التساؤل التالي: كيف لو حدثت هذه الحرائق في زمن الحرب، بحيث أنه سيكون المستحيل أن تتوقع إسرائيل أن تستنفر دول أجنبية لنجدتها. وهناك في تل أبيب من يرى أن إسرائيل ستكون عندها في ورطة كبيرة جدا قد تفضي إلى دفعها ثمن عسكري ومدني غير مسبوق وغير متوقع، على اعتبار أنه سيؤثر بشكل كبير على معنويات الجمهور الصهيوني ويمس بشكل غير مسبوق بالجبهة الداخلية، ناهيك عن أنه سيشتت جهود المؤسسات المدنية والعسكرية.

لقد تبين بشكل واضح بالنسبة للكثير من النخب والرأي العام الصهيوني أن مظاهر العجز عن مواجهة موجة الحرائق نجم بشكل أساسي عن طابع الاستثمار الصهيوني، الذي يركز على بناء القوة العسكرية والمنعة الإستراتيجية ويتجاهل الاهتمام بالخدمات المدنية.

لقد فتحت الحرائق أسئلة أخرى بشأن منطقية وموضوعية الشعار الصهيوني أن الكيان الصهيوني هو المكان الأكثر أمنا لليهود. فالصهاينة طلبوا المساعدة من الدول التي يراهنون على هجرة اليهود منها ويطلبون منها المساعدة في إخماد الحرائق.

ومما يثير الاحباط لدى بعض النخب الصهيونية أن أداء القيادات السياسية زاد الأمور تعقيدا، حيث أنه على الرغم من أن كل الدلائل تشير إلى أن هذه الحرائق نجمت عن تحولات الطقس والمناخ، إلا أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وكبار وزرائه سارعوا لاتهام الفلسطينيين. فقد وجد نتنياهو في الحرائق فرصته لمحاولة التغطية على الفضيحة المتعلقة بشراء الغواصات من ألمانيا حيث تبين أن محاميه الخاص على علاقة عمل بالشركة التي تنتج الغواصات. من هنا، فأنه حاول صرف أنظار الرأي العام الإسرائيلي عن هذه الفضيحة سيما في ظل المطالبات بتشكيل لجنة تحقيق رسمية، وذلك من خلال كيل الاتهامات للفلسطينيين. ويرى بعض المعلقين في تل أبيب أنه إن كان هناك دور للفلسطينيين في الحرائق، فأن هذا الدور جاء بعد أن قام نتنياهو باتهامهم.

وقد سمحت الحرائق بنسف زيف ادعاء نتنياهو بأن هناك تحولات قد طرأت على مواقف الجمهور العربي من الكيان الصهيوني، عندما ظهرت مظاهر الاحتفاء والفرح التي عمت الشارع العربي وعبرت عنها مواقع التواصل الاجتماعي، إثر اكتساح هاشتاق "إسرائيل_تشتعل" المناشير والتغريدات. وقد أصيب نتنياهو بالحرج من هذه الظاهرة، حيث أنه كان حتى قبل وقت قصير يتباهى بأنه تمكن من التواصل مع قطاعات من الشباب العربي وأنه يحاورهم عبر الفيس. وقد وصل به الأمر إلى حد الزعم أن قطاعات من الرأي العام العربي باتت تتقبل الموقف الصهيوني من الصراع، إلى جانب الاستناد إلى هذه المزاعم في الترويج لفكرة السلام الإقليمي.

ومما لا شك فيه أن مشاركة أطراف عربية وفلسطينية وإسلامية في إخماد الحرائق لم يسهم في تهدئة حمى العنصرية التي اكتسحت الكيان الصهيوني. فبدلا من أن يشكر الصهاينة السلطة الفلسطينية على مساهمة السلطة بإخماد النيران، سيما في منطقة حيفا، نجد أن وزير التعليم الصهيوني، وبقدر كبير من الاستعلاء والفوقية، يطالب السلطة بالكف عن إسال الاطفائيات للمساعدة.

فقد عد معلقون صهاينة بارزون أن احتفاء الجماهير العربية بالحرائق التي تواصل الاشتعال في إسرائيل يدلل على "زيف" ادعاء رئي نتنياهو بحدوث تحولات إيجابية على توجهات الرأي العام تجاه إسرائيل.

وقال أرئيل سيغل، مقدم البرامج الحوارية في قناة 20 الصهيونية إن "مظاهر التعبير عن الفرح بالحرائق التي تلتهمنا يدلل على أن هناك بون شاسع وغير قابل للجسر بين مواقف الأنظمة العربية التي تجرأت على تقديم المساعدة لنا وبين الجماهير العربية التي ترى فينا عدو".

وخلال الموجة المفتوحة التي بثتها القناة ، نوه سيغل إلى أن نتنياهو "أخطأ في تقدير التحولات على مواقف الشارع العربي تجاهنا"، مشيرا إلى أن التعبير عن "الفرح والسعادة شملت مؤيدي الاتجاهات الإسلامية والعلمانيين على حد سواء".

وقد أجمع معلقو الشؤون العربية على أن مظاهر احتفاء الجماهير العربية بالحرائق كما عبرت عن ذلك مواقع التواصل الاجتماعي أكبر وأعم من مظاهرها لدى الشارع الفلسطيني.

ولفت معلق الشؤون العربية في قناة التلفزة الثانية إيهود يعاري إلى أن من أسماهم "رجال الدين الذين يتبع أحدهم عشرة ملايين متابع أو أكثر على تويتر هم من قاد مظاهر الاحتفاء بالحرائق"، منوها إلى أن مظاهر الاحتفاء اختلطت بمظاهر التحريض على المبادرة بالإحراق.

قصارى القول، لقد تبين بالدليل القاطع أن عجز الكيان الصهيوني عن مواجهة الحرائق بأنه ليس أكثر من نمر من ورق وأن الصورة النمطية التي يحاول تكريسها عن نفسه انهارت. وفي الوقت ذاته، فقد تبين أن عداء الجماهير العربية للكيان الصهيونية حالة أصيلة ومتجذرة.