على الرغم من أن سن قوانين عنصرية يمثل القاعدة  في الكيان الصهيوني، إلا أن قانون حظر رفع الآذان عبر مكبرات الصوت الذي أقرته الحكومة الصهيونية مؤخرا وتستعد لتمريره في البرلمان يعد أخطر هذه القوانين على الإطلاق لأنه يدفع نحو مواجهة مباشرة بين الجماهير الفلسطينية وهذا الكيان.

فالمواجهة باتت حتمية لأن القانون يعد مسا مباشرا بمعتقدات الفلسطينيين الدينية ومجرد مناقشته تعد إهانة لمشاعرهم، فضلا عن أنه يمثل اختبارا لمدى استعدادهم للاستنفار دفاعا عن منطلقاتهم الدينية وهويتهم الوطنية والحضارية. إن تأجيل عرض القانون على البرلمان من أجل تعديله بحيث لا يتم تطبيقه على إعلان دخول السبت من خلال استخدام البوق في المدن التي يقطنها اليهود الحريديم يدلل على طابعه العنصري. فحسب هذا المنطق يحق لـ "المتدينين" اليهود استخدام البوق كشعيرة دينية، بينما يحظر استخدام مكبرات الصوت في رفع الآذان.

ومما يزيد من الشعور بالاستفزاز والغضب حيال هذا القانون حقيقة أن نتنياهو تحمس لسنه لمجرد أن نجله الأكبر يائير شعر بـ "الإزعاج" عندما كان يجلس في منزل العائلة في مدينة "قيساريا" المحتلة عندما رفع الآذان من قرية "جسر الزرقا" الفلسطينية المجاورة. فكما نقلت قناة التلفزة العاشرة الصهيونية الجمعة الماضي عن وزراء كبار في الحكومة فأن نتنياهو جاهر بدور نجله في الدفع نحو هذا المشروع. أي أن ضمان عدم شعور نجل نتنياهو بـ "الإزعاج" يستوجب خوض مواجهة مع شعب بأكمله ويمكن أن تستحيل هذه المواجهة إلى مواجهة شاملة مع أمة، في حال عمد الصهاينة إلى تطبيق القانون.

نتنياهو الذي تحمس للمشروع يرى فيه وسيلة لمغازلة قواعد اليمين الصهيوني بعدما تعاظمت التسريبات في وسائل الإعلام الصهيونية التي تربطه بعدد من قضايا الفساد وبعدما تبين التأثير الطاغ لزوجته سارة على دائرة الحكم بشكل أثار انتقادات واسعة. من هنا، فأن التغطية على هذه الواقع يتطلب فرض أجندة جديدة على الرأي العام الصهيوني من خلال طرح هذا القانون الذي يلاقي استحسان قطاعات واسعة من الجمهور الصهيوني وبكل تأكيد جمهور اليمين اليمين الذي يمثل الأغلبية الساحقة من هذا الجمهور.

لكن سرعان ما سيتبين لنتنياهو أنه أقدم على خطأ فادح واندفع نحو مغامرة غير محسوبة، لأن تمرير القانون والشروع في تطبيقه سيفضي إلى إعادة صياغة محددات الصراع مع الكيان الصهيوني ليكون حرب دينية بكل ما تعني الكلمة. ما فات نتنياهو هو حقيقة أن توقيت طرح القانون يمثل بحد ذاته أحد أهم مركبات تأجيج الصراع. فسن القانون يأتي في ظل توفر كل الظروف التي تضمن تفجر الأوضاع الأمنية وانطلاق موجة جديدة من انتفاضة القدس.

فنظرا لأن القانون يستهدف الفلسطينيين المسلمين سواء من فلسطينيي الداخل والقدس ومدن الضفة الغربية التي تجاورها مستوطنات يهودية، فأن هذا يعني الدفع بقطاعات واسعة من الجمهور الفلسطيني إلى المواجهة الحتمية. إن استنفار الفلسطينيين للمواجهة التي توشك على أن تندلع لن يقتصر على ذوي الميول الإسلامية بل أن الأمر سيتجاوز كل الأطر الأيدلوجية والحزبية والاجتماعية لأن القرار موجه بشكل ضد الهوية الجمعية للفلسطينيين. فأية محاولة لفرض القانون تعني خروج الناس لإحباط التنفيذ، مما يفتح باب المواجهة على مصراعيها ويضمن تطورها، لأن سقوط قتلى وجرحى وحدوث اعتقالات على خلفية هذه المواجهات سيمثل بحد ذاته مسوغا لتأجيج الانتفاضة.

في الوقت ذاته، فأن تطبيق القانون سيؤثر بشكل غير مسبوق على طابع العلاقة بين الكيان الصهيوني وفلسطينيي الداخل، كما سيؤثر على طابع العلاقة بين هؤلاء الفلسطينيين ومجمل المستوطنين الصهاينة الذين يضطرون للاحتكاك بهم يوميا. ومما لا شك فيه أن المخاطرة بفتح مواجهة مع هؤلاء الفلسطينيين الذين يعرفون على أنهم "مواطنون إسرائيليون" سيوسع من فضاء تأثير القرار وسيزيد من فرص نشوب صراع طويل معهم مما يولد تحديات أمنية بالغة التعقيد.

ومما لا شك فيه أن تزامن سن القانون وتطبيقه المتوقع مع تولي بدء الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب مقاليد الأمور في واشنطن سيمثل بحد ذاته مسوغا للتصعيد.  فالأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم برئاسة نتنياهو تعتبر أن فوز ترامب يعني إضفاء الشرعية على كل مشاريع الاستيطان والتهويد وحسم مصير الأرض الفلسطينية. من هنا، فأن تطبيق القانون سيمثل عاملا إضافيا لتحسين فرص تفجير الأوضاع.

وهناك ظروف أخرى تجعل تداعيات تطبيق هذا القانون بالغة الخطورة، حيث أنه يتزامن مع الحديث عن قرب مغادرة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ساحة الأحداث. فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن مغادرة عباس بدون ترتيب مسبق لأوضاع السلطة الفلسطينية يمثل بحد ذاته مسوغا لانفجار الأمور، فأن طرح مثل هذا القانون وتطبيقه سيوجه مفاعيل الفوضى التي يمكن أن تنجم بعد غياب عباس صوب الكيان الصهيوني من خلال الالتقاء على هدف يمكن أن يجسر الهوة بين الفرقاء في الساحة الفلسطينية.

لا يدلل حماس نتنياهو لمشروع حظر رفع الآذان على حكمة سياسية وبعد نظر إستراتيجي بقدر ما يشي بحمق هذا السياسي الصغير الذي أغرته أجندة وضيعة فأعمته عنصريته وتعصبه وحساباته الشخصية.

وسرعان ما يتبين أن الكيان الصهيوني سيدفع فاتورة باهظة جدا في حال أصر على تنفيذ القانون.

 وستبقى مآذن فلسطين تصدح بهذا النداء الخالد شاء الصهاينة أم أبوا.