لا يخلو أي مرشح للرئاسة الأمريكية أو البرلمان أو مجلس الشيوخ من تقديم الضمانات الكافية والمطمئنة للكيان الصهيوني قبل أن يقدِّم أوراقَ اعتماده في الانتخابات، فضلاً عن تجنبه لأي تصريحات أو وجود في مناطق تثير الريبة بدعمه لأطراف مناهضة للاحتلال.

الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة التي فاز بها المرشح الجمهوري دونالد ترامب، والتي قلبت كل التوقعات كان لها الحضور الكبير أيضاً في دعم هذا الكيان والالتزام بالحفاظ على مصالحه وتقديم الوعود بمساعدته في مواصلة الاستيطان.

ولعلِّي أشير في هذه العجالة إلى الوعود التي قطعها الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب ونائبه مايك بينس والتي تركزت حول استمرار دعم السلام "للكيان الصهيوني" والتأكيد على أحقية الاحتلال بالعاصة القدس ووعود باستمرار تقديم الدعم غير المحدود.

ترامب قال إنه عندما يفوز بالرئاسة سينهي التعامل مع اليهود كمواطنين درجة ثانية، وأنه لن يسمح لأطفال فلسطين بقتل اليهود، وهو هنا يثير السخرية؛ فكيف بإمكان طفل أعزل أن يقتل عسكرياً مجهزاً بكافة التجهيزات العسكرية الحديثة، كما أن ترامب يريد أن ينهيَ الكراهية الفلسطينية للاحتلال الصهيوني عن طريق دعم أفعال تزيد من حدة تلك الكراهية والعداء للكيان الاستيطاني.

وأجرأ وعد قطعه ترامب لليهود في حال فوزه بالانتخابات، هو اتخاذ قرار صارم بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، للتأكيد على أن القدس عاصمة لـ "إسرائيل"، وهو الأمر الذي رفضه السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور، مؤكداً على أن ذلك يعد خرقاً لقرار مجلس الأمن والجمعية العامة الذي صاغته الولايات المتحدة الأمريكية.

أما نائب ترامب فقد كان أكثر مدحاً للكيان الصهيوني وأكثر حرصاً على استعطافه، وفي الوقت نفسه أكثر هجوماً على أهل القضية وأهل الأرض رجال وأطفال ونساء فلسطين المحتلة.

وعرضت الحملة الانتخابية لترامب فيديو تم إعداده بشكل مرتب ومنسق وبكلمات أكثر دقة ووصفاً لمايك بينس وهو يفتتح حديثه بالقول نصاً: "مرحباً أيها الجمهور الإسرائيلي، أنا مايك بينس، إنه لشرف عظيم لي ولترامب أن نقف بجانبكم الليلة دعماً لإسرائيل، وأشعر بالتواضع الشديد في التحدث إليكم في هذا الوقت التاريخي بينما جميعكم هناك في القدس المباركة الوطن الأزلي للشعب اليهودي".

وأضاف مايك وهو يبرر الدعم القوي الذي يقدمه للكيان الصهيوني: "سألني العديد خلال الحملة عن سبب دعمي القوي لإسرائيل؟ أنا وترامب نقف بجانبها لأن كفاح إسرائيل هو كفاحنا، ولأن قضية إسرائيل هي قضيتنا نقف بجانب إسرائيل لأن قضيتها عادلة ولأن قيمها هي قيمنا ولأن مصيرها هو مصيرنا".

وعزز مايك كلمته بقوله: "إسرائيل لا تعتبر فقط حليفتنا الأقوى في المنطقة بل هي أعز حلفائنا في العالم". بل إنه اتهم الفلسطينيين أهل الأرض منذ قدم التاريخ بأنهم يمثلون تهديداً للسعي لمسح "إسرائيل" من على خريطة العالم.

ويواصل مايك تقديم الصورة الناعمة للكيان الصهيوني بقوله: "أنا وترامب نتفهم أن إسرائيل ليست مكروهة من أعدائنا بسبب ما تفعله من أخطاء بل بما تفعله من صواب مثل الولايات المتحدة"، وهو هنا يضع حقيقة جوهرية بدون قصد تعبر عن مدى كراهية الشعوب لهذا الكيان المغتصب.

وبدأ نائب ترامب في الكلمة نفسها بتبريراته للجرائم والانتهاكات التي يمارسها الكيان الصهيوني أمام الشعب الفلسطيني الأعزال حيث قال: "لن نتملص من دعم إسرائيل، فهي تدافع عن نفسها عبر جيش من جنود مدنيين يدافعون في معارك أمتهم بأخلاق وإنسانية".

واختتم بقوله: "فلتأخذوا كلمتي هذه من القدس العاصمة الأبدية والموحدة للشعب اليهودي والدولة اليهودية بأنني وترامب نفتخر بوقوفنا بجانب إسرائيل وبأن الشعب الأمريكي يفتخر بوقوفه بجانب إسرائيل".

تصريحات ترامب وكلمة نائبه مايك وتصريحات أغلب المرشحين للرئاسة الأمريكية وكذلك أعضاء البرلمان ومجلس الشيوخ الأمريكي كلها تصب في الخانة نفسها؛ وهي طلب ود الكيان الصهيوني الصغير الذي تحميه أمريكا وتقويه داخل المجتمع العربي الإسلامي الكبير.

كما أن تلك الوعود التي قطعها ترامب ونائبه للكيان الصهيوني تأتي في سياق التأثير الكبير الذي تمارسه قوى النفوذ اليهودية في المجتمع الأمريكي، والتي استطاعت تغيير توجهات الساسة وقائمة أولوياتهم وأثرت على السياسة الخارجية الأمريكية بشكل عام.

هذا التأثير وهذا النفوذ ليس بسبب قوة ذلك التيار اليهودي في المجتمع الأمريكي فقط، بل بسبب رغبة ساسة وقادة الولايات المتحدة الأمريكية مهما اختلفت توجهاتهم الفكرية والسياسية في دعم الكيان المغتصب للأرض الفلسطينية.

وتثبت تلك التصريحات مدى العنصرية التي يمارسها ساسة أمريكا والتطرف في دعم هذا السرطان الخبيث في قلب كيان الأمة العربية، ويثبت مدى أكذوبة العدالة الغربية وحرية الشعوب ودعاوى حقوق الإنسان، فقد تحول الفلسطيني الذي يدافع عن أرضه إلى مدان أمام الغاصب الصهيوني المحتل.