تمثل القومية في إيران معياراً هويتياً لتعامل السلطة الكهنوتية مع مجموع من يفترض أنهم مواطنوها الذين تمثلهم، لكنها تحاول باستثمار الصراع الخارجي الذي تصدره باسم (الثورة الإسلامية) ليكون مصدراً لهوية جديدة يعتقد النظام أنها هوية جامعة.

لقد أصبح موضوع الهوية أحد الموضوعات المصيرية عند تناول إيران في القرن العشرين، ونتيجة لهذه الأهمية يشير بحث مسودي إلى أن أربعين بالمائة من أطروحات رسائل الماجيستير والدكتوراه في ثماني جامعات في طهران بين 1991م و 2006م[1] تؤيد هذا الادعاء بمصيرية الهوية الإيرانية.

ويشير تنوع مصادر الهوية الإيرانية إلى أن بنية الهوية الإيرانية ذات ترتيب مركب ومهجن في كل مستوياته، بحيث كانت الهوية الإيرانية محطة الجدل الدائر والاستهداف خلال حكم "الشاه" وحكم الملالي بعد ثورة (الخميني1979)، ففي عهد الشاه مثّلَ (التفريس والحداثة و "الماضوية" استعادة أمجاد الماضي عهد الساسانيين) مكونات الهوية الإيرانية، في ما بعد الثورة مثّلَ (التشيع، والأمة موحدة، والماضوية) أسس الهوية الجديدة لإيران.

وعلاوة على أسس مكونات هوية الدولة الإيرانية القديمة التي رسخت التشيع في العهد الصفوي، شرعت إيران في عهد رضا شاه في عملية التفريس مغيرًا أسماء العديد من المدن إلى أسماء فارسية، ووضع "الفارسية" اللغة الرسمية الوحيدة لإيران، وحاول أيضًا أن يمحو الكلمات والمصطلحات العربية من اللغة الفارسية كي يعيدها إلى شكلها الأصلـي وهو ما استمر حتى بعد الثورة الإيرانية. وادعى الأكاديمي الإيراني جلال الدين ميرز أن الفارسية "مثل أي شـيء آخر، انتهكها العرب وخربوها"[2]. الفرق بعد ثورة الخميني أنها استبدلت الحداثة بـ "بالماضوية الشيعية"، في محاولة لانتقام من النظام السابق الذي استخدمها لمواجهتهم لتتم إدارة الدولة بطرق القرون البائدة، مع احتفاظها بالتفريس ضمن "الماضوية" وتظهر (الأمة الموحدة) في إشارة إلى العالم الإسلامي مرتبطة باستعادة الدولة "الساسانية القديمة" التي فتحها الإسلام، لترسخ في الجيل الثالث والرابع من الثورة الإيرانية صورة غير صحيحة أن الإسلام نقيض الحداثة، لتعاد نظرة الحكم البهلوي الذي يعتقد أن الإسلام قد كان - على ما يبدو - نقيضًا للحداثة. وتم فرضه من قِبل العرب ومن ثمَّ لم يكن فارسيًّا[3]. ويضع نفسه نقيضًا لتعظيم الماضـي الزرادشتـي الوثنـي.

هذا توليد حقيقي نتيجة الهيمنة والتسليم في أنظمة الحكم الإيرانية بالآرية التي تؤمن بنقاء (الفارسية) ليؤكد ما تجادل به ساندرا جويرمان Sandra Joireman، من أن القومية هي إثنية مسيسة[4]. وهو ما تجلى على هيئة مشكلة أكثر عمقاً في إيران مع العمليات المستمرة (حتى اليوم) في عدم رغبتها في احتواء العديد من الأقليات التـي تُشكِّل مجتمعة حوالي نصف السكان، في وقت تمكنت دول مجاورة من تمتين الأنماط القومية، فشلت السلطات المتعاقبة في إيران في ذلك، وهذا بذاته يمثل زعزعة لأمن الدولة الإيرانية.

فلقد أدت تلك النوازع التي ترفع من الفارسية وتضطهد بقية القوميات الأخرى المكونة للمجتمع الإيراني إلى زعزعة أمن الدولة الإيرانية والتي حاولت جاهدة من أجل صناعة هوية خاصة بها أكثر انسجاماً، فقد أدت تلك النوازع إلى زيادة المطالبة بالحاجة إلى الانفصال أو الاستقلال الذاتي أو الانتماء لدول مجاورة تمكنت (وهي غالبًا أكثر تجانسًا) من تمتين أنماطها القومية، لشعور القوميات داخل الحدود الإيرانية بالانتماء إليها لشراكتها في بعض خصائص قوميتها.

ويؤدي هذا الاستهداف الممنهج من قبل النظام الإيراني للقوميات غير الفارسية إلى خلق نطاق واسع من مشكلات الأمن[5][6]:

·                                             كلما كانت القوميات الساعية لدولٍ بلا دول، كلما عظمت مخاطر الحرب.

·                                             كلما عملت هذه القوميات على استعادة مهاجرها القومية، وعملت على استراتيجيات إلحاقية للاستعادة، كلما عظمت مخاطر الحرب.

·                                             كلما كانت الأهداف التـي تعمل عليها إحدى القوميات متجانسة تجاه قومية أخرى، كلما عظمت مخاطر الحرب.

·                                             كلما كانت القوميات تقمع الأقليات التـي تعيش في دولها بشراسة، كلما عظمت مخاطر الحرب.

وعلى الرغم من أن تلك المشكلات الأربع المهددة للدولة القومية لم تفصل على إيران إلا أنها وبشكل أكثر مقاربة ما تواجهه الجمهورية الإيرانية بفعل مشكلات النظام.

وتُؤشِّر سياسات مثل الإصرار القومي لنظام ما بعد الثورة الإيرانية (تمامًا كما هو حال الملكيين) في جزر أبو موسـى وطنب الصغرى والكبرى والإبقاء على سياسات مثل البرنامج النووي، وتدخلاتها الخارجية على أن طهران تعكس استمرارية مع سياسات الأمن القومي السابقة لما قبل عام 1979.

لقد مثلت القومية والإسلامية خلطاً متوتراً في الهوية الإيرانية منذ عهد الدولة الصفوية وحتى اليوم، بنية الهوية القومية الإيرانية الحديثة، هذا المزيج لمفهوم "الأمة الموحدة" التي ترى "الماضوية" مصدراً للإلهام والحنين بالعودة إلى ما قبل الإسلام مرتكزةً على "كراهية الجوار"، وبالذات (العربي) بصفته حاملاً للرسالة السماوية التي فتحت بلاد فارس وأنهت أمجاد الماضي التليد، ولم يكن ليتم ذلك لولا الدور الفعَّال الذي يبذله النخب والإعلام والمثقفون والأنظمة الحكومية تعليمية أو دينية، والتي تستمر في تصوير الأمم الأخرى كـ "طامعين" و "أعداء" وصناعة ذوات وطنية "تخيلية" لتكون مصدر إلهام للشباب الإيراني في المستقبل.

لقد أسست إيران طوال القرن العشرين بنية لهوية إيرانية على مشاعر معادية للآخر (لكل ما هو غير فارسي) إلى جانب الاتجاهات السلبية تجاه دول الجوار، بدلاً من إظهار خصائص التقارب الإيجابية التي توحد الإيرانيين داخلياً وتقرب العالم إلى الدولة الإيرانية، لأن هذه القوميات الموجودة في إيران هي عادة ما تتشارك أجزاءً من هويتها مع دول مجاورة لإيران وليست منعزلة عنها، ومع ذلك دائماً ما نظرت تلك القوميات تقليدياً إلى أن الثقافة الإيرانية باعتبارها نقية ونبيلة قومياً ومعرفياً.

نصل إلى أن مأزق الهوية الإيرانية في كونها ستفشل دائماً إذا ما حاولت توسيع قاعدة هويتها الوطنية لتشمل القوميات الأخرى، والسبب بذلك ليس لأن تلك القوميات لا تستطيع أن تتوحد في إطار "الأمة الإيرانية" فعلى العكس يتقارب البلوش والعرب والأكراد وبقية الأقليات من أجل المطالبة بالحرية والحق في الحياة والمساواة لتصل إلى المطالبة بالاستقلال ودعم كل أقلية للأخرى في ذلك. لكن السبب الرئيس يرتبط باقتناع "الفرس" أنهم يشكلون هوية "خاصة" من نسيج المجتمع الإيراني في إطار قوميات أخرى مجاورة، وليست قومية مستهدفة من بقية القوميات الأخرى، وتنظر إلى (الآخر) على أنه عدو يهدد قوميتها.

سيبقى المنتمون لبقية الأقليات في مصارعة ومواجهة أن يكونوا إيرانيين إذا كان ذلك يعني أنهم سيكونون "فرساً"، وبدون أن تؤمن "الفارسية" بكل ذلك وتنفض النظام الحاكم الآن وفق تلك العناصر المكونة للهوية التي تدير الدولة، ستتفكك الدولة تدريجياً إما بالانفصال أو بإدارة حروب راغبة في الانضمام إلى دول تشاركها أجزاء من هويتها، أو المطالبة باستقلالها وهو ما يظهر غرب وشرق إيران.

 __

 المصادر

 

[1] M. Maghsoodi, “Position of Identity in Student Theses”, J. Natl. Stud 31 (2007): 81-101

[2] بين دارا والخمينـي استكشاف إشكالية الهوية القومية في إيران، علم صالح وجيمس وارل، ترجمة محمد العربي، مكتبة الإسكندرية، كراسات علمية ص21، عدد يوليو2016م.

[3] بين دارا والخمينـي استكشاف إشكالية الهوية القومية في إيران

[4] Sandra Fullerton Joireman, Nationalism and Political Identity London: Continuum,   (2003).

[5] بين دارا والخمينـي استكشاف إشكالية الهوية القومية في إيران، علم صالح وجيمس وارل، ترجمة محمد العربي، مكتبة الإسكندرية، كراسات علمية ص21، عدد يوليو2016م.

[6] Stephen van Evera, “Hypotheses on Nationalism and War”, in Nationalism and Ethnic Conflict, edited by Michael Edward Brown et al.International Security Readers) Cambridge: The MIT Press, 2001): 128-129