ظلّت توقعات الخبراء والمحللين السياسيين في أغلب دول العالم تشير إلى أن المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون ستفوز بالانتخابات الرئاسية التي جرت في يوم الثلاثاء 8نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، ولم ينل المرشح الجمهوري دونالد ترامب إلا نسبة ضئيلة من التوقعات التي تشير إلى إمكانية فوزه؛ وهذا ما يفسر عدم كثافة التصريحات الأوروبية المحذرة من فوز دونالد ترامب، رغم المخاطر التي كان من الواضح أنها ستكون حقيقية في حال فوزه برئاسة القوة الأولى في العالم.

لكن الأمر اختلف تماما بعد إعلان ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، فقد توالت ردود الأفعال والتصريحات الأوروبية القوية، والمحذرة من مستقبل العلاقات الدولية عموما، والأوروبية خصوصا، بعد فوز ترامب، وكانت التصريحات الألمانية تشكل علامة فارقة بين كل التصريحات العالمية، وتستحق الوقوف عندها؛ من أجل قراءة تقديرية لمستقبل العلاقات الأوروبية الأمريكية، والتي سيكون لنتائجها تداعيات كبيرة على أزمة أوكرانيا وسوريا.

غضب الدبلوماسية الألمانية من فوز ترامب:

في برلين رفض وزير خارجية ألمانيا فالتر شتاينماير تهنئة ترامب، رغم العلاقات الوثيقة بين ألمانيا وأمريكا، وكرر تصريحاته الرافضة لفكرة فوز ترامب، ومن النادر أن يصرح الدبلوماسيون الألمان بتصريحات متتالية في يوم واحد، لكن هذا الحدث الخطير بالنسبة لهم جعلهم يخرجون عن المألوف، فقد صرح شتاينماير بعد إعلان فوز ترامب بعدة تصريحات أهمّها: " إنّ فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية ليس على هوى معظم الألمان" ، وأضاف في تصريح مشابه للأول، يؤكد غضب الألمان من صعود ترامب لسدة الرئاسة الأمريكية: "لا يمكن التقليل من شأن النتيجة، هي مختلفة عمّا كان يرغبه مختلف الألمان".

 يعتبر شتاينماير الذي يقود حاليا الدبلوماسية الأوروبية في مختلف المحافل الدولية، ويمسك بين يديه الملف الأوكراني والسوري، أعرف الدبلوماسيين الأوروبيين بما يمكن أن يحدث في الساحة الأوروبية من انقسامات واضطرابات، في حال تغير الموقف الأمريكي من التغوّل الروسي على الحافة الأوروبية، لذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار بتصريحاته في هذا الشأن وفي المرحلة المقبلة.

ولم تشذ وزيرة الدفاع الألمانية عن غيرها من الوزراء فقد صرّحت بعد إعلان ترامب رئيسا لأمريكا: " إن فوز دونالد ترامب برئاسة أمريكا يعتبر صدمة كبرى"، وأضافت: " ألمانيا مثل البلدان الأوروبية غاضبة من تصريحات ترامب خلال حملته الانتخابية"، وجاء تصريحها الأخير شديد التحذير للأمريكيين بقولها: " أعتقد أن دونالد ترامب يعلم أن هذا التصويت ليس له، ولكن ضد واشنطن وضد المؤسسة الأمريكية"؛ لهذا تعتبر تصريحات المسؤولين الألمان بمثابة الموقف الأوروبي الرسمي لأوروبا حيال فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ لما لألمانيا من تأثير اقتصادي ومالي وسياسي بالغ على بقية أعضاء الاتحاد الأوروبي، لهذا كان أخذها بعين الاعتبار عنصرا هاما ومساعدا على معرفة المواقف التي ستتخذها أوروبا، في حال جسد دونالد ترامب أفكاره التي روج لها في الحملة الانتخابية التي انتهت بفوزه.

فرنسا تستنفر أوروبا لمواجهة مرحلة ترامب:

أما الدولة الثانية من ناحية التأثير في القرار الأوروبي، فهي فرنسا، والتي دخلت في صراع قوي مع روسيا، بسبب الأزمة الأوكرانية، لم تبد أي تردد في المضي قدما في مسيرة عزل روسيا وإضعافها اقتصاديا؛ من أجل الكف من خطورتها على الساحة الأوروبية، بعد أن أظهر الروس شهية كبيرة لتقسيم أوروبا، والتهام المزيد من الأراضي بعد أوسيتيا الجنوبية، ثم جزيرة القرم الأوكرانية، ثم الدونباس شرق أوكرانيا، وشن هجمات دموية وحشية في سوريا؛ لإرغام المزيد من اللاجئين على الهروب نحو أوروبا، وبث الفوضى في دولها، فقد ألغت صفقة عسكرية ضخمة مع روسيا، تخلت بموجبها عن شراء بارجتين حربيتين فاقت قيمتها مليار ونصف مليار يورو، كما شارك الفرنسيون في اتفاقية مينسك ليلة 12 من شهر فيفري 2015 ببلاروسيا، وهدد الفرنسيون الروس في حال إفشالهم المفاوضات التي استمرت 12 ساعة متواصلة، بفرض قطيعة أوروبية دبلوماسية، وعقوبات إضافية شديدة ضد روسيا، كما وقف الفرنسيون ضد روسيا في مجلس الأمن، متهمين روسيا بالوحشية وزعزعة استقرار العالم من خلال تدخلهم في سوريا وأوكرانيا، ووصل الأمر إلى إلغاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زيارته إلى باريس شهر أكتوبر الماضي، بعد ليلة عاصفة في مجلس الأمن، حاولت فرنسا فيها تمرير مشروع فرنسي يخص سوريا، وأرسلت وزير خارجيتها بنفسه ليدافع عنه، لكن القرار الذي نجح في الحصول على موافقة الكثير من الدول اصطدم بالفيتو الروسي، الذي جعل الفرنسيين يصعدون لهجتهم ضد روسيا.

ومما  سبق يظهر سبب الغضب الفرنسي من فوز ترامب بسدة الحكم، إذ يعتبرون تصريحاته التي يستفاد منها عدم اعتراضه على السياسات الروسية، بمثابة ضوء أخضر لإطلاق يدها في أوروبا، وهو ما يرفضه الأوروبيون، الذين يعتبرون صديق عدوهم عدوّهم أيضا، خاصة أن الأمر لا يقتصر على الجانب السياسي فقط. لهذا صدرت تصريحات فرنسية قوية بعد فوز دونالد ترامب بالرئاسيات الأمريكية، تدعو الأوروبيين إلى توحيد الجهود في الشأن السياسي خاصة، بعد دخول العلاقات الأوروبية مع نظيرتها الأمريكية مرحلة الغموض على حد وصف الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند.

أوروبا مهددة بالشلل التجاري في عهد ترامب:

تشير التصريحات الأوروبية إلى مخاوفها من تأثر التجارة بين الاتحاد الأوروبي وبين الولايات المتحدة الأمريكية، ولعل أبرز تصريح أوروبي لمسؤول صناعي تجاري بأوروبا كان لأورليش غريللو، رئيس الصناعات الألمانية، الأربعاء 9نوفمبر/تشرين الثاني، الذي  حذّر الرئيس الأمريكي الجديد من عزل الاقتصاد الأمريكي. وقال غريللو في برلين: "يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية مواصلة الاعتماد على الأسواق المفتوحة .. أي شيء آخر سيكون سُمّا بالنسبة للاقتصاد الأمريكي"، وسبب هذا التحذير الشديد، دعوة ترامب أثناء حملته الانتخابية إلى مراجعة اتفاقية التجارة الحرة مع أوروبا، والمعروفة باسم: " الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي"، بل هددا بنسفها تماما، بعد أن روج إلى فكرة مفادها: أن سبب البطالة والضعف الذي تعاني منه الطبقة المتوسطة في أمريكا يرجع إلى الاتفاقيات التجارية الدولية؛ لذلك يفسر هبوط أسهم البورصات الأوروبية بعد فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية. وفي حال جسد ترامب وعوده في هذا الشأن فإنا صداما قويا سيحدث بين أوروبا وأمريكا على المستوى التجاري، غير أن ترامب غير مطلع بشكل جيد على هذا الملف، ويمكن أن يتخلى عن وعوده هذه، أو يخفف منها، خاصة أن جماعات المصالح والضغط لن تقبل أي خسارة لمصالحها المالية والتجارية، وهذا ما ستبينه الأيام القادمة.

هكذا سيرد الأوروبيون على فوز ترامب:

يدرك الأوروبيون -بقيادة ألمانيا وفرنسا- جيدا أن سبب قوة موقفهم من الخطر الروسي يكمن في اتحادهم، بعد أن كان الاختبار الروسي أقوى اختبار لتماسك الاتحاد الأوروبي، كما يلحظون جيدا الحرص الروسي على تفكيك الاتحاد الأوروبي، الذي نجح ككتلة سياسية واحدة وموحدة في فرض عقوبات شديدة ضد قطاع المال والاقتصاد ضد روسيا، التي افتعلت صراعا دمويا داخل القارة الأوروبية، راح ضحيته 10 آلاف من الأوكران، ومئات الأوروبيين -الذين قتلوا جراء إسقاط طائرة ركاب ماليزية فوق أوكرانيا، كانت تقل أغلبية أوروبية، وانتهت التحقيقات أخيرا إلى اتهام روسيا بالوقوف وراء هذه المأساة- واتهامها بزعزعة استقرار وأمن أوروبا، ومحاولة تدمير مبادئ القانون الدولي التي ترسخت بعد الحرب العالمية الثانية، مع السعي إلى تغيير الحدود الدولية -التي أقرت بعد الحرب العالمية الثانية- لأول مرة بعد ظهور عصبة الأمم.

هذا النزاع مع روسيا يعني كل دول الاتحاد الأوروبي، التي تبنت سلسلة عقوبات اقتصادية ومالية وسياسية قاسية ضد روسيا، حتّى أن الاتحاد الأوروبي تحمّل خسائر سنوية تفوق 50 مليار يورو، جراء مقاطعة روسيا البضائع الأوروبية، خاصة الغذائية والزراعية منها، إضافة إلى رؤيتهم للخطر الذي أصبح يأتي من اليمين المتطرف الذي تشجعه روسيا، ومحاولتها أيضا إغراق أوروبا باللاجئين السوريين.

لذلك فإن المزيد من التوحد والتماسك بين دول الاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا وألمانيا هو ما سنشهده في الفترة المقبلة، إذا ما نفذ ترامب تعهداته للروس، ومنها أن يتخلى عن دعم أوكرانيا، وبالتالي التخلي عن الأوروبيين في صراعهم مع الروس. وهذا ما صرح به الرئيس الفرنسي، الذي قال: " إن انتصار ترامب يبين حاجة فرنسا لأن تصبح أقوى وأوروبا لأن تصبح موحدة"، وهو تصريح يحمل دلالات واضحة على أن أوروبا القوية اقتصاديا، والضعيفة سياسيا بسبب الهيمنة الامريكية على القرار السياسي الأوروبي، قد تغير وضعها السياسي، وتتبنى سياسات شبه مستقلة في بعض القضايا، خاصة في صراعها مع روسيا بوتين؛ لهذا فإنها لن تترك روسيا تفعل ما تشاء في الجوار الإقليمي لها وفي أوروبا. ما ينذر باشتعال أزمات دبلوماسية بين هذه الأطراف قد تكون لها تداعيات غير متوقعة على المشهد الأوكراني والسوري خاصة.