خرج قادة اليمين الديني والعلماني في الكيان الصهيوني عن طورهم في احتفالهم بفوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، على اعتبار أن هذا التطور يعني توفير الأرضية اللازمة لتطبيق الخط الأيدلوجي لليمين بدون مواربة.

فقد استندت نخب اليمين الحاكم في تل أبيب في تقييمها هذا إلى ما نسب إلى ترامب وكبار مستشاريه أثناء الحملة الانتخابية، حيث أن ترامب لم يدافع فقط عن المشروع الاستيطاني، بل أن العديد من كبار مستشاريه تجاوزوا أيضا اليمين الديني المتطرف في تل أبيب عندما قالوا إن الظروف مواتية لضم المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية للكيان الصهيوني مرة وللأبد.

 ليس هذا فحسب، بل أن اليهودي دفيد فريدمان أبرز مستشاري ترامب السياسيين وصل إلى حد أن حاول أن يثبت أن ضم المستوطنات اليهودي للكيان الصهيوني لن يؤثر على التفوق الديموغرافي لليهود بين نهر الأردن وحوض البحر المتوسط.

من هنا، لم يكن مستهجنا أن يخرج وزير التعليم الصهيوني نفتالي بنات، الذي يتزعم حزب "البيت اليهودي"، الذي يمثل التيار الديني الصهيوني والمتدينين الصهاينة ليعلن بشكل واضح وصريح أن فوز ترامب يعني "إسدال الستار على فكرة الدولة الفلسطينية".

لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل أن كلا من مجلس المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وبلدية الاحتلال في القدس المحتلة قد أفرجا بعد فوز ترامب عن خطط لبناء عشرات الآلاف من الوحدات السكنية من أجل إحداث تغيير جذري على الواقع الديموغرافي والسياسي في الضفة الغربية من أجل جعل الحديث عن دولة فلسطينية ضرب من الخيال.

ليس هذا فحسب، بل أن الجماعات اليهودية الدينية التي تجاهر برغبتها في تدمير الحرم القدسي الشريف وتستعد بشكل معلن لبناء الهيكل المزعوم تشعر بالتشجيع، حيث أن هذه المنظمات تعمل بشكل وثيق مع دوائر في الحكومة والبرلمان.

 وقد عقد اجتماع في البرلمان شارك فيه وزراء ونواب وقادة هذه الجماعات للاتفاق على الخطوة القادمة بشأن مخططات العدوان على الحرم.

وقد كان لافتا أن عددا من كبار الوزراء في الائتلاف الحاكم، ومن بينهم وزير الأمن الداخلي الليكودي جلعاد أردان  والوزير الليكودي زئيف إلكين، ووزير الاستيطان والزراعة أوري أرئيل ونائب وزير الحرب إيلي بن دهان قد شاركوا في الاجتماع ودعوا بشكل صريح لتغيير الوضع القائم في الحرم وبأقصى سرعة.

ولم يكتف الوزراء والنواب وقادة الجماعات اليهودية بتغيير الواقع في الحرم، بل أنهم طالبوا بشكل واضح وصريح بأن يتم الشروع في مخططات التقسيم الزماني كمرحلة أولى على الأقل على أن تكون الخطوة التي تليها التقسيم المكاني، مع كل ما يعنيه الأمر من تهويد للحرم القدسي.

لكن الكثير من محافل التقدير الإستراتيجي والخبراء والمعلقين في تل أبيب يحذرون من أن وفاء ترامب بالتعهدات التي قطعها للكيان الصهيوني خلال الحملة الانتخابية تحمل في طياتها تهديدا ولا تمثل بالضرورة فرصة إستراتيجية.

 وترى هذه المحافل والمعلقون أن احتفاء اليمين الصهيوني بشقيه الديني والعلماني بفوز ترامب لا يدلل على بصيرة سياسية وتعقل، حيث يحذون من أن الكيان الصهيوني سيدفع ثمنا باهظا في أعقاب فوز ترامب تحديدا.

ويرى هؤلاء أن الأحداث في المستقبل قد تثبت أن الكيان الصهيوني سيدفع ثمن باهظا بسبب الافتراض بأن فوز ترامب يعني منح الكيان الصهيوني الضوء الأخضر لتطبيق كل خطط التهويد والاستيطان والضم.

 وكما يرى عاموس هارئيل المعلق العسكري لصحيفة "هارتس" فان فوز ترامب سيوفر البيئة السياسية لاندلاع انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية، على اعتبار أن كثافة المشاريع الاستيطانية والتهويدية، سيما تلك التي تمس الحرم القدسي الشريف ستستفز الفلسطينيين بشكل خاص وتدفع نحو هبة هائلة ستتحول إلى انتفاضة غير مسبوقة في "عنفها".

 ويحذر "مركز الأبحاث السياسية" التابع لوزارة الخارجية الصهيونية حيث أن انجراف اليمين الصهيوني في أعقاب فوز ترامب سيوفر الأرضية ليس فقط لاندلاع انتفاضة ثالثة، بل أنه سيسدل الستار أيضا على أية محاولة لترتيب مسألة خلافة عباس، التي تدعي مصادر صهيونية أن وضعه الصحي صعب وأن مسألة مغادرته المشهد السياسي تقترب بشكل كبير.

ويرى الجنرال جادي شماني، قائد المنطقة الوسطى السابق في جيش الاحتلال أن غياب عباس في الوقت الذي تشتعل فيه الأوضاع الأمنية يعني أن الفلسطينيين لن يسمحوا بأن يتولى مقاليد القيادة في رم الله إلا شخصية "متطرفة تنقلب على تراث عباس السياسي".

من هنا، فقد برز بشكل لافت حقيقة أن نتنياهو لا يشاطر زملاءه في الحكومة حالة النشوة بفوز ترامب رغم أنه حاول أن يبدو مبتهجا بالفوز، بل أن هناك من المعلقين الصهاينة من دلل على أن نتنياهو كان يفضل فوز المرشحة الديموقراطية هيلاري كلنتون، حيث أنه يخشى أن يفقد القدرة على المناورة في مواجهة بقية الوزراء المتحمسين للتهويد والاستيطان والضم.

وكما ينقل عنه الصحافي براك رفيد، فأن نتنياهو يعي أن الاستجابة لمطالب زملائه يعني اندلاع إحداث تحول خطير على البيئة الأمنية في الضفة الغربية، مشيرا إلى أنه "يفزع" من هذا السيناريو على اعتبار أنه يتزامن مع وجود مؤشرات على بدء تفكك السلطة الفلسطينية.

 لكن على كل الأحوال، فأن مشكلة نتنياهو تكمن في أنه في ظل وجود ترامب رئيسا، فلن يكون بوسعه التحجج بالمعارضة الأمريكية لكي يصد محاولات وزرائه المتحمسين للتهويد والضم، وهذا سر معضلته.

وحتى على صعيد مواجهة إيران وتعهدات ترامب بالغاء الاتفاق النووي معها، فأن هناك في تل أبيب من يرى أن العلاقة القوية التي تربط ترامب بالرئيس الروسي فلادمير بوتين، حليف إيران ستسهل فرص التوصل لاتفاق وتسوية بين طهران والإدارة الأمريكية الجديدة، سيما وأنه لا يوجد ما يدلل على أن إيران معنية بالحصول على سلاح نووي، حيث أنها تركز حاليا على التوسع الإقليمي، وهو ما لا تعارضه تل أبيب بشكل خاص.