على الرغم من أنه لا يمكن تفسير الانحياز الأمريكي للكيان الصهيوني بمعزل عن جذور الدينية، سيما مكانة اليهود في الفكر الديني للتيار البروتستانتي، الذي ينتمي إليه معظم الأمريكيون، فإن كل الدلائل تشير إلى أن تأثير هذا العامل لم يعد طاغيا فقط، بل أنه بات يترك آثارا كبيرا على طابع الصراع مع الصهاينة.

لقد باتت الكثير من الجماعات المسيحية البروتستانتية، سيما الإنجليكانية تلعب دورا مهما في إغراء اليمين الديني اليهودي بالتطرف والعنصرية من خلال الاستنفار لمساعدة هذا اليمين ماليا ودعائيا ونفسيا لتشجيعه على المس بالفلسطينيين ومقدساتهم.

ولعل أكثر الجماعات الإنجليكانية التي باتت تسهم في توفير البيئة المناسبة لمواصلة غلاة اليمين الديني اليهودي وتشكيلاته الإرهابية عدوانهم على الشعب الفلسطيني، جماعة تطلق على نفسها "المسيحيون الصهاينة"، تضم ملايين الإنجليكانيين في أرجاء العالم.

وقد أشارت قناة التلفزة الصهيونية الثانية مؤخرا إلى أن المسيحيين الصهاينة يبادرون بانتظام إلى جمع تبرعات تصل إلى ملايين الدولارات سنويا لصالح منظمات يهودية تجاهر بالتخطيط لتدمير المسجد الأقصى بزعم التمهيد لبناء الهيكل.

ومن بين المنظمات التي تحصل على دعم المسيحيين الصهاينة منظمة "عائدون للهيكل"، التي تعد أكثر الجماعات اليهودية تطرفا في كل ما يتعلق بالموقف من مصير الحرم القدسي الشريف.

وقد دلت تحقيقات صحافية صهيونية أن المسيحيين الصهاينة يفدون بالمئات إلى المستوطنات اليهودية، التي تشتهر بشكل خاص في تنفيذ الاعتداءات على الفلسطينيين لدعم المستوطنين  وإسنادهم وقد تمثلت مظاهر الإسناد في قيام "المسيحيين الصهاينة" بأعمال "تطوعية" داخل هذه المستوطنات، إلى جانب مشاركتهم الفاعلة في الجهد الدعائي لليمين الديني الصهيوني وتفانيهم في تبرير السياسات المتطرفة التي تقدم عليها  حكومة بنيامين نتنياهو، والتي تقوم على ضم والتهويد والمصادرة.

 إن أكثر ما يدلل على التوجهات الإجرامية لعصابة "المسيحيين الصهاينة" تتمثل في أن معظم عناصرهم اختاروا الاستقرار في مستوطنة "هار برخاه"، التي تقع على قمة جبل "عيبال"، شمال نابلس، وهي المستوطنة التي خرجت معظم عناصر جماعة "شارة ثمن" اليهودية الإرهابية، المسؤولة عن شن العشرات من العمليات الإرهابية التي طالبت المواطنين الفلسطينيين والمقدسات الإسلامية والمسيحية في الضفة الغربية وداخل فلسطين 48.

 وتضم "هار برخاه"  أيضا مدرسة "عود يوسي فحاي" الدينية، التي انشغل حاخاماتها بـ "التأصيل الفقهي" لتبرير العمليات الإرهابية، حيث أن مدير المدرسة إسحاق غيزنبيرغ أفتى بأن إحراق عائلة دوابشة مثل "فريضة شرعية"، في حين أن مساعده الحاخام إسحاق شابيرا ألف "مصنفا فقهيا" لتبرير قتل الأطفال الرضع من الفلسطينيين.

ويكشف تحقيق نشرته صحيفة "هارتس" بأن "المسيحيين الصهاينة" يفدون إلى المستوطنات اليهودية " بعائلاتهم للقيام بأعمال تطوعية داخل المستوطنة، حيث تبين أن  من يقف وراء هذه الفكرة في الأساس، هما الزوجان جوشي وكييتلين، الذين قدما من مدينة "تينسي"، في الجنوب الأمريكي، عام 2004 للمستوطنة، وعملوا بعد ذلك على تنظيم رحلات للمئات من "المسيحيين الصهاينة" من جميع أرجاء العالم إلى مستوطنات الضفة الغربية.

ويقوم كل جوشي وكييتلين بتوجيه أنشطة عدد كبير من المتطوعين من "المسيحيين الصهاينة" الذين وفدوا من جميع أرجاء العالم إلى المستوطنات اليهودية، حيث أنهم يتطوعون للخدمة في حقول سيطر عليها المستوطنون بعد طرد أصحابها الفلسطينيين منها عنوة.

ويظهر دور القناعات الدينية في تحفيز المسيحيين الصهاينة على رفد العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، حيث تقول كييتلين: "عودة اليهود من الشتات مثلت معجزة، نحن نحب إسرائيل ونؤيد الإسرائيليين، ونقف إلى جانب الشعب اليهودي وندعم حقه في تقرير مصيره".

ومن أجل إظهار التضامن من المستوطنين في المستوطنة، الذين ينتمون إلى التيار الديني المتشدد، فأن الرجال من "المسيحيين الصهاينة" يرتدون نفس ملابس المتدينين اليهود، باستثناء القبعة الدينية، في حين تحافظ النساء على وضع غطاء على الرأس، على الرغم من أنهن يمارس نمط حياة علماني بعد خروجهن من المستوطنة.

 ويقر الباحث اليهودي شكيد أورباخ، المتخصص في الجماعات المسيحية الصهيونية أنه فوجئ ليس فقط من مستوى تشرب "المسيحيين الصهاينة" لدعاية اليمين الديني اليهودي، بل أيضا من قدرتهم على صياغة رسائل دعائية خاصة بهم في محاولاتهم تبرير احتفاظ الكيان الصهيوني بالضفة الغربية.

 ونقل أورباخ عن أحد قادة الجماعات المسيحية الصهيونية قوله: "لو لم تكن إسرائيل تسيطر على هذه المناطق، فأن داعش كان سيصل إلى منطقة تل أبيب"، في حين يقول زعيم آخر"في حال قررت إسرائيل التمدد فأننا سنؤيد قرارها بدون تردد"، أما غوشي فيرى بأن الكيان الصهيوني "سيعود في آخر الأيام لتمتد حدوده حتى العراق".

وعلى صعيد الاستنفار لصالح خدمة الأهداف الدعائية لإسرائيل، فقد عمدت "السفارة المسيحية الدولية"، التي تعد أكبر تجمع لـ "المسيحيين الصهاينة"، والتي ينتمي إليها ملايين المسيحييين الإنجليكانيين في جميع أرجاء العالم، لإصدار بيان يندد بقوة بقرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والتعليم (يونسكو)، الذي رفض وجود علاقة بين اليهود والمسجد الأقصى.

 ونقلت صحيفة "ميكور ريشون" اليمينية الإسرائيلية عن "السفارة" قولها إن "إنكار علاقة اليهود بجبل الهيكل (الاسم الذي يطلقه اليهود على المسجد الأقصى) هو انكار للعلاقة بين المسيحيين وهذه الأرض". وجاء في البيان الموقع من قبل يورغن بولر، مدير فرع "السفارة" في القدس المحتلة إنه تم إحاطة 130 "قنصلية" تتبع "السفارة المسيحية العالمية" في أرجاء العالم بخطورة قرار "اليونسكو" وضرورة العمل من أجل إحباطه، حيث تم التشديد على أن القرار "يعني الغاء 4000 عام من العلاقة بين اليهود و"جبل الهيكل" و2000 عام من العلاقة بين المسيحيين وهذه الأرض".