أخيراً، وبعد عامين ونصف، و 45 جلسة فاشلة في البرلمان اللبناني تمكنت القوى السياسية في لبنان من اختيار رئيس جديد للبلاد بعد فراغ طويل وتعثر طال أمده، وأثر ذلك في الوضع الداخلي اللبناني وموقفه من القضايا الشائكة في المنطقة.

وقد ساهم التنازل الذي قدمه رئيس تيار المستقبل سعد الحريري بالقبول بترشيح عون رئيساً للبنان في حلحلة أزمة الرئاسة اللبنانية والتوافق على انتخاب عون رئيساً بعد تعطيل استمر مدة عامين ونصف، استمرت الخلافات حول اختيار من يحكم لبنان بين رجلين نصرانيين (ميشال عون، وسليمان فرنجية) وفقاً للدستور اللبناني الذي يقضي بأن يكون رئيس الجمهورية من الطائفة النصرانية المارونية.

قضي الأمر، إذن، سيكون العماد ميشال عون، الرئيس الثالث عشر للجمهورية اللبنانية التي لم يستطع اثنان من رؤسائها الدخول إلى القصر الجمهوري لأنهما اغتيلا وهما على بابه في ظروف معقدة ومختلفة الأسباب، متساوية في النتائج.

وتحمل سيرة العماد ميشال عون الكثير من التناقضات والمغامرات والخيبات، فهو جنرال عسكري قاد الجيش اللبناني في 23 يونيو 1984 بعد ترقيته إلى رتبة عميد وخاض حربين شرستين الأولى أطلق عليها "حرب التحرير" ضد قوات الجيش السوري في لبنان، والثانية أطلق عليها "حرب الإلغاء" ضد القوات اللبنانية التي كان يقودها سمير جعجع، وخلال تلك الحرب ترأس حكومة عسكرية في نهاية عهد الرئيس الأسبق أمين الجميل، لكنه خسر الحرب ضد قوات الجيش السوري فاضطر للانسحاب إلى السفارة الفرنسية في بيروت ومنها تم تسفيره إلى فرنسا ليصبح لاجئاً فيها من 1990 وحتى 2005م.

بعد 14 عاماً من الحياة في المنفى عاد ميشال عون إلى بيروت فاتحاً صفحة جديدة من التحالفات والرغبة السياسية الجامحة التي أصبحت تعيشه ويعيشها لدرجة أنه اليوم يقف على أبواب الـ 81 عاماً ولا يزال طامحاً لحكم لبنان لفترة رئاسية تقدَّر بست سنوات، ومن يدري، قد يطمح بالمزيد!

منذ عودة عون من المنفى عام 2005 أسس حزب التيار الوطني الحر، وترشح في الانتخابات اللبنانية وحصدت كتلته 21 مقعداً من مجموع 128 مقعداً هم عدد أعضاء البرلمان اللبناني.

وخلال الفترة من عام 2005 وحتى عام 2016 عقد ميشال عون تحالفات مختلفة مع أطراف متناقضة وخاض العديد من المعارك السياسية مع حلفاء وأعداء، وشهد ما يعرف بـ "ملف شهود الزور" المرتبط بالمحكمة الدولية المخصصة للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري.

فور عودته إلى لبنان انضم إلى تيار ما يطلق عليه "الممانعة" ووقَّع على وثيقة تفاهم مع حزب الله  في فبراير 2006 داخل كنيسة مار مخايل، وصار متحدثاً باسم "المقاومة" وأصبح منذ ذلك التاريخ أحد القوى المشكِّلة لفريق 9 آذار (حزب الله وحلفاؤه).

كانت عين الجنرال عون متوجهة نحو سوريا للإطاحة بحافظ الأسد بالتعاون مع صدام حسين وأبو عمار ياسر عرفات الذي وعد عون وقال له في أول لقاء لهما في تونس: "سنسلمك البندقية الفلسطينية في لبنان، وسنتولى دعمك والدفاع عنك في المحافل الدولية".

لكن العداء تحول إلى صداقة بعد رحيل حافظ الأسد وصعود نجله بشار إلى الرئاسة إذ دان عون بالولاء لبشار وزاره في قصره بدمشق في ديسمبر 2008م.

وخلال عامين ونصف سابقين شهدت لبنان عراكاً سياسياً على نار مشتعلة ظل فيها كرسي الرئاسة شاغراً بسبب عدم اكتمال النصاب الذي يؤهل ترشيح شخصية نصرانية للوصول إلى قصر بعبدا في بيروت، لكن إعلان سعد الحريري المفاجئ غير الأمور رأساً على عقب وفتح الآمال الكبيرة أمام الجنرال عون بعد إعلانه القبول بترشيح عون وهو ما يعني أن صفقة خفية جرت بين عون - الحريري بواسطة فرنسية، يبدو أن معالهما عودة سعد الحريري إلى رئاسة الوزراء مجدداً.

وبعد أن صعد الجنرال عون إلى كرسي الرئاسة تفاوتت أراء الشارع اللبناني والعربي حول مستقبل لبنان في ظل المواقف السابقة للجنرال عون من كثير من القضايا العربية الشائكة في المنطقة رغم أنه أعلن من أول لحظة تأديته لليمين الدستورية أنه "مع إبقاء لبنان بعيداً عن نيران النزاعات في المنطقة"، لكن السؤال: هل سيستطيع عون إقناع صديقه اللدود حسن نصر الله بأن ينأى بنفسه وقواته التي تقاتل جنباً إلى جنب مع بشار الأسد؟

وبالنظر إلى موقف السعودية المسبق الرافض لترشيح عون صديق الأسد وحزب الله رئيسياً للبنان وخيبة أملها في سعد الحريري، لم يظهر منها أي موقف واضح حتى الآن بعد صعود عون إلى الرئاسة، بينما جاء الرد من إيران على لسان مستشار خامنئي علي أكبر ولايتي بقوله "فوز عون بالرئاسة انتصار لحزب الله وأصدقاء إيران".