تشكل فيلق قدس الإيراني مع ثورة الخميني عام 1979م، وبالرغم من أن الهدف المعلن عند تشكيله كان لأجل تحرير فلسطين، إلا إنه مرَّ على الوطن العربي مدمراً النسيج الاجتماعي في لبنان، وقتل أطفال حلب، وذبح أهل السنة في العراق، حتى وصل إلى اليمن أقصى آسيا، وبوابة شبه الجزيرة العربية الجنوبية، وحتى نيجيريا في إفريقيا، فأضاع طريق القدس ولم يعد يعرف إلا الدم المسلم والعربي فقط بينما علاقته تشتد ترابطاً وقوة مع الشيطان الأكبر ومع الكيان الصهيوني.

يقدر عدد قوات فيلق قدس بـ (18000) مقاتل، وتتركز مهمته حسب وثيقة سنة 1998 لاتحاد العلماء الأمريكيين: "التركيز الأساسي لفيلق القدس هو تدريب الجماعات الإرهابية الأصولية الإسلامية"، وينُص أيضاً على أن فيلق القُدس مُرتبط بمكاتب إيرانية لحركات التحرر، التي تُحافظ على بناء اتصالات مع مُنظمات المُقاومة الإسلامية تحت الأرض في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وفي يناير/ كانون الثاني 2010، وفقاً لمعهد واشنطن الأمريكي، تم توسيع مهمة فيلق القدس جنباً إلى جنب مع حزب الله حملة جديدة من الهجمات التي تشمل هيئات دولية أخرى غير الولايات المتحدة والكيان الصهيوني[1].

هذا الفيلق يتكون من عدة وحدات تتوزع مهماتهم فيها، حسب الدرجة القيادية والثقة، فهو النواة الأصلية لقوة النظام الفاشي في إيران وهو المسؤول عن تصدير الثورة الإيرانية، التي يأتي نصها في الدستور الإيراني، كمحددات السياسة الإيرانية في السياسة الخارجية، وأبرز تلك الوحدات هي الوحدة (190) المتخصصة في تهريب السلاح والتكنولوجيا لوكلاء إيران في شتى بقاع المسلمين[2] .

في عام 2011م خففت الميليشيات الشيعية في العراق من هجماتها ضد ما تبقى من القوات الأمريكية في البلاد، إلى جانب مهاجمة المدنيين السنة، كان يعتقد وقتها خوف نظام المالكي المستبد من تداعيات الربيع العربي، لكن ذلك لا يبدو صحيحاً فمعلومات تشير إلى أن فيلق القدس قام بتدريبات مستمرة في إيران ولبنان لمتطوعين شيعة، وفي منتصف (2012م) دفعت بهؤلاء في حرب طائفية في سوريا لقتال الثوار، وأبرز تلك التنظيمات الموجودة (عصائب أهل الحق) و (كتائب سيد الشهداء) و (ميليشيات حزب الله العراقي) وهذه التنظيمات يقدر عدد أفرادها في سوريا بين (1500 و 3000) مقاتل ويعتبرون من قوات النخبة فيها؛ علاوة على عشرات الآلاف من المقاتلين الإيرانيين واللبنانيين وكتائب الأفغان، ولذلك لا عجب أن تجد قائد حزب الله العراقي يتحدث عن إرسال مئات المقاتلين إلى صفوف الحوثيين في اليمن، فالتقارير من هذه الكيانات الثلاثة لا تقدم حتى إلى المرجعية الشيعية في العراق أو لحكومة بلادهم، بل تقدم إلى "فيلق قدس"، الذي يقدم تقريره إلى مجلس الخبراء عن (سوريا والعراق واليمن) كل شهرين.

وكما ينخرط الفيلق في القتال في سوريا والعراق تراه يدفع بالأسلحة إلى مناطق الصراع في آسيا وإفريقيا، دعماً لميليشياته المسلحة، التي هدمت أركان الدول ودفعتها إيران لتهديد أمن المنطقة والعالم، ولم تكن هذه الوحدة (190) وليدة لحظات من الحاجة بل تأسست مع تأسيس المشروع في الثمانينات ونسجت شبكات واسعة حتى في أمريكا اللاتينية حيث يباع السلاح وينتشر التهريب، ورغم التسريبات أن من يقودها هم فقط (20 شخصاُ) إلا أن هؤلاء أسسوا شبكات وتفريعاتها وفيها عرب وروس وأفغان وحتى يهود ونصارى، فالتقارير التي تتحدث عن نفوذ (حزب الله) جنوب الولايات المتحدة، وقدرة التنظيم وإيران على إدارة عصابات المخدرات والسلاح في الحدود الثلاثية (الأرجنتين – الباراغواي - البرازيل) تبين مدى إمكانيتهم استخراج وثائق مزورة، بتورط مسؤولين كبار.

استطاعت هذه الوحدة بطرق المراوغة والخداع إيصال الأسلحة وإدارة الحروب في (اليمن وسوريا والعراق ولبنان ونيجيريا) ونفذت إلى صناعة القرار العسكري والسياسي، وبالمال استطاعت شراء مسؤولين عرب في مصر والجزائر وحتى إرتيريا وإثيوبيا والدول في منطقة شبه الجزيرة العربية، مستهدفة العمق العربي ببشاعة منقطعة النظير. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2010، عثرت قوات الأمن النيجيرية على قاذفات صواريخ وقنابل يدوية وقذائف هاون مخبّأة في حاويات محمّلة بمواد البناء. وبعد تحقيقات موسعة، اكتشفت أنه تم تحميل الأسلحة في مرفأ بندر عباس الإيراني على متن سفينة "أم في إيفرست" المملوكة لشركة فرنسية، ومن هناك أبحرت السفينة إلى الهند ومنها إلى لاغوس، وتم اكتشاف الأسلحة قبل وصولها إلى وجهتها النهائية، التي يعتقد أنها زامبيا[3].

بعد انكشاف السلاح الإيراني القادم على متن السفن التي تحمل أعلام دول أخرى، والمرور بأكثر من نقطة لمنع الاشتباه بكونها من إيران، إلا أن الحرس الثوري لجأ مؤخراً إلى سوق السلاح السوداء وشركات تصنيع لشراء أسلحة لا تصنع في إيران ويتم إرسالها إلى ميليشياتهم في اليمن، وساهم تقاربها مع روسيا ونفوذها جنوب الولايات المتحدة في ازدهار شبكات تهريبها دولياً بشكل أسرع وأكثر أمناً.

كما أن فيلق قدس يمكنه استخدام كل مؤسسات الدولة الإيرانية بما فيها شركات الطيران والملاحة، مثل شركات "إيران إير" وشركة "ماهان" للطيران و "قزوين إير" و "معراج إير". وتم تسريب صور قيل إنها لمستودع تابع للوحدة 190 في القسم المدني بمطار طهران الدولي ويستخدم مخزناً لتهريب الأسلحة كما تمت الإشارة إلى استخدام إيران لجزر كبرى في منطقة الخليج كنقاط لشحن الأسلحة إلى مختلف مناطق الصراع بالمنطقة.

أبرز تلك الحالات التي تؤكد ضلوع إيران بتهريب الأسلحة عبر ما تطلق عليها مساعدات إغاثية يظهر أمامنا اسم «بيهنام شهرياري» المولود في 1968م في «أردبيل» شمال غرب إيران، وهو اللاعب الرئيس في الوحدة (190) وظهر اسم الرجل في سفينة إغاثة إنسانية كانت في طريقها إلى اليمن في مايو/ آيار 2015م، كما ظهر اسمه على متن الطائرة التي أرغمت على التراجع فوق مطار صنعاء الدولي في أبريل/ نيسان من العام نفسه، وهذا الرجل ذكر في عدة تقارير غربية بكونه الرجل الأول في عمليات تهريب السلاح لميليشيات حزب الله وإيصال السلاح لنظام بشار الأسد. [4]

وكما ابتكرت إيران وسائل جديدة لصناعة جماعتها في الشرق الأوسط، كما أنتجت خصوماً جدداً ينضمون للقائمة الطويلة من خصومات عريقة مع نظامها الكهنوتي، وفي كل ذلك يبقى أمن شبه الجزيرة العربية في خطر، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار حالة الاختراقات التي تدور من إيران (روسيا) لـ "مصر" و "الجزائر" و "سلطنة عمان" وغياب الرؤية العربية الموحدة، وهذه الرؤية لمواجهة إيران لا تنتج إلا بالحصول على إرادة الشعوب التي ستتدافع لحماية أمنها الإقليمي إذا ما وجدت نضجاً في رؤية تستوعب طموحاتهم وآمالهم وتطلعاتهم لمواجهة إيران. إلى جانب سحب البساط من تحت إيران التي تدعي تبني قضية القدس وتقتل العرب والمسلمين باسم هذا الفيلق، لا أن تقام المؤتمرات للارتماء بحضن "الكيان الصهيوني" كما يحدث في نيويورك وزيارات العدو، فكلاهما (النظام الإيراني - والصهاينة) مسخ من كيانات طائفية لا تريد سوى تدمير المسلمين والعبث بمستقبلهم.

 


" [1]Hizballah and the Qods Force in Iran’s shadow war with the West" http://www.washingtoninstitute.org/uploads/Documents/pubs/PolicyFocus123.pdf

[2] واحد 190 - واحد انتقال أسلحة

 http://www.vsquds.com/fa/content/%d9%88%d8%a7%d8%ad%d8%af-190-%d9%88%d8%a7%d8%ad%d8%af-%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%82%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d8%b3%d9%84%d8%ad%d9%87.html

[3] Rethinking U.S. Strategy for Intercepting Iranian Arms Transfers

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/rethinking-u.s.-strategy-for-intercepting-iranian-arms-transfers

[4] بهنام شهریاری - ژویه ۲۰۱۶

 http://www.vsquds.com/fa/content/%d8%a8%d9%87%d9%86%d8%a7%d9%85-%d8%b4%d9%87%d8%b1%db%8c%d8%a7%d8%b1%db%8c-%da%98%d9%88%db%8c%d9%87-%db%b2%db%b0%db%b1%db%b6.html