بدا الفرح بادياً على العاصمة الإيرانية طهران وعلى ميليشياتها المنتشرة في العواصم العربية، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، بعد إقرار الكونجرس الأمريكي لقانون العدالة ضد الإرهاب، أو ما أطلق عليه اختصاراً بقانون "جاستا" والذي يسمح لعائلات ضحايا 11 سبتمبر 2001 بمقاضاة السعودية.

على المستوى الرسمي الإيراني لم يصدر أي تصريح للحديث عن هذا القانون السيء السمعة، ولم نسمع صوتاً إيرانياً معارضاً للقانون، وكأنها في موقف المتشفي من السعودية بعد الحديث عن أن هذا القانون قد صمم خصيصاً لاستهداف المملكة العربية السعودية.

وفي اتجاه آخر يعلم الجميع أن إيران وضعت على القائمة الأمريكية في دعم الإرهاب، وهي مدانة من قبل ذلك، وبالتالي من الطبيعي أن تكون من أول المتضررين من هذا القانون، فبإمكان المحكمة إصدار حكماً ضد إيران بحسب نصوص قانون "جاستا" ومن الصعوبة على الرئيس الأمريكي استخدام "الفيتو" ويصبح القرار نافذاً في تقديم التعويضات، على عكس لو رفعت دعوى ضد السعودية فإن القانون يسمح للنائب العام أو وزير الخارجية الحق في وقف الدعوى المنظورة إذا كان لها مصالح استراتيجية مع الولايات المتحدة.

ورغم أن الكثير من الدول سواء كانت عربية أو غربية قد أدانت هذا القانون باعتباره يناقض قوانين الأمم المتحدة والحصانة السيادية للدول ويؤدي إلى إحداث شرخ في العلاقات الدولية ، إلا أن إيران اكتفت بالصمت إزاء هذا القانون رغم معرفتها أنها من أول المتضررين من هذا القانون، وكأن لسان حالها طالما أن القانون موجه على السعودية فلا بأس حتى لو كان هناك بعض الأضرار على إيران.

هذا الصمت الإيراني يأتي من نظرة قاصرة وعدائية، إذ تنظر طهران إلى أن القانون موجه فقط ضد المملكة العربية السعودية، خصوصاً مع عودة حالة الود بين الأمريكان وإيران وإطلاق مبالغ مالية كبيرة كانت محتجزة في البنوك الأمريكية لإيران.

ولعل صمت إيران من نقد هذا القانون يأتي في سياق تجنيد أدواتها لصناعة أعمال إرهابية داخل العمق الأمريكي وتوجيه التهم للمملكة العربية السعودية من أجل تشويه صورة المملكة ودفع المزيد من التعويضات، فهي راعية للإرهاب منذ زمن كما حدث في مدينة الخبر السعودية عام 1996 عندما احتضنت طهران منفذي التفجير الذي استهدف مجمع سكني يقطن فيه عسكريون أمريكيون في منطقة الخبر واعتراف موقوف سعودي ببقائه مع المنفذين للعملية تحت حماية الاستخبارات الإيرانية بين الفترة من 1996 إلى 2010، وكانت إيران ترسل الأموال لأسر المتورطين في التفجير وذلك عبر سعوديين جندتهم طهران للتجسس على السعودية.

ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا قضية «هالفيش» الشهيرة والتي حكم فيها بنيويورك ضد الحكومة الإيرانية بتهمة التورط في أحداث 11 سبتمبر 2001، واتهمت مرشد إيران علي خامنئي بشكل مباشر بالضلوع شخصياً مع ستة من كبار معاونيه إلى جانب حزب الله. وصدر الحكم من قبل المحكمة الفدرالية في منتصف مارس 2016 وألزم طهران بدفع أكثر من 10,5 مليار دولار من التعويضات لعائلات الأشخاص الذين قتلوا في 11 سبتمبر الشهيرة.

وبما أن السحر ينقلب أحيانا على السحر، فقد كانت إيران المتشفية بالسعودية هي أول من تم رفع دعوى قضائية ضدها على أساس قانون "جاستا" من قبل صحفي أمريكي.

وتقول التفاصيل إن مراسل صحيفة واشنطن بوست في طهران جيسون رضائيان رفع دعوى قضائية ضد الحكومة الإيرانية بعد سجنه لمدة 18 شهراً وتعرضه للإيذاء البدني والعقلي.

وقال رضائيان لوسائل الإعلام إنه “أول أمريكي يرفع دعوى قضائية ضد الحكومة الإيرانية التي قامت باعتقاله في 22 يوليو من عام 2014 مع زوجته الصحفية يكانه صالحي”، مضيفاً إن “الدعاوى التي رفعها ضد الحكومة الإيرانية أصبحت مسجلة في العاصمة واشنطن”.

وأضاف رضائيان الذي يحمل الجنسيتين الإيرانية والأمريكية، أن “هدف طهران من اعتقاله واتهامه بالتجسس كان للتأثير على المفاوضات النووية مع الغرب من أجل التوصل إلى الاتفاق النووي والحصول على امتيازات من الدول الغربية”.

وقد وصف الكاتب السياسي الفلسطيني حالة التشفي الإيرانية بهذا القرار رغم معرفتها مسبقاً بأنها المتضرر الأول بـ"الجنون الطائفي الذي لم يبق مكاناً للعقل" كونهم المتضرر من جاستا أكثر من غيرهم.

ومن خلال نظرة سريعة على الإعلام الإيراني أو الممول من إيران سواء في الضاحية الجنوبية وفي صنعاء وبغداد وسوريا كان واضحاً لغة والفرحة المتسترة بعد إقرار هذا القانون من قبل الكونجرس الأمريكي، فقد عنونت وكالة أنباء فارس الإيرانية مقالاً من عدة أجزاء لأحد كتابها بما يلي ("الجاستا الأمريكية" ومقدمة كنس النظام السعودي) واستطرد فيه الكاتب إلى ما أسماه نهاية حكم آل سعود للمملكة وكنسها من الجغرافية الأرضية.

أما في اليمن فقد هللت مليشيات الحوثي وكبرت بعد إصدار هذا القانون واعتبرته مقدمة في انهيار الاقتصاد السعودي وأداة للابتزاز الأمريكي للسعودية، ومثلهم كتاب وصحفيون موالون لإيران في دمشق ولبنان.

وبشكل عام فإن إيران بقدر ما هي قلقة من تأثير هذا القانون عليها باعتبارها مدانة بالإرهاب في قضايا عدة، فإنها في نفس الوقت فرحة في استهداف الأمريكان للسعودية واستخدام هذا القانون لابتزاز المملكة لتحقيق فرص أكثر وإبقاء المملكة تحت دائرة التأثير الأمريكي.