لم تكن سياسة تعديل المناهج العلمية التي أقدمت عليها وزارة التربية والتعليم الاردنية مؤخراً والتي أثارت جدلاً واسعاً في الشارع الأولى من نوعها، لأن خطوة كهذه غالباً ما تأتي في سياق خطة حكومية تم وضعها مسبقاً ويتم تطبيقها بشكل متدرج تجنباً لضغط الرأي العام الذي من الطبيعي أن يعترض على تغيير هويته التاريخية والدينية، خاصةً وأن المملكة الاردنية ليست سوى جزء مكمل للدول العربية والاسلامية التي وقعت تحت ضغط الخارج لتغيير هويتها الاسلامية.

مع بداية شهر سبتمبر 2014 أظهرت الحكومة الاردنية تجاوباً ملحوظاً أمام الضغوط الغربية التي نجحت في إرغامها على محو جزء من تاريخها وتعديل الكثير من مناهجها الدراسية، لكن ما تم إدخاله من تعديلات حينها تم بشكل سري ودون الافصاح عنه من قبل وزارة التربية والتعليم الاردنية، التي شطبت بدورها تلك الوحدات المتعلقة بالشهيد الطيار فراس العجلوني - أول طيار وضابط عربي يسجل اختراقا للأجواء الصهيونية، ويدمر بطائرته العديد من طائرات جيش الكيان- من منهاج اللغة العربية للمراحل الابتدائية.

كانت فلسطين ضحية ذلك التعديل حينما شُطبت هي الأخرى من بعض الخرائط التوضيحية بمادة الجغرافيا للصفوف الإعدادية، واستبدالها بكلمة "إسرائيل"، ورُغم جملة الاعتراضات، إلا أن التعديلات شملت إدخال مفاهيم السلام والإرهاب، وإفراد صفحات عديدة في مساقات مختلفة عن نبذ العنف والتطرف وهو ما دافعت عنه الجهات المسؤولة بمبررات واهية من خلال التذرع بأنها تهدف إلى تقديم نماذج جديدة على حد زعمها.

يبدو أن تلك التعديلات سالفة الذكر وما سبقها خلال العقدين الماضيين، على المناهج الدراسية في الاردن لم تتوقف عند هذا الحد، فثمة إصرار حكومي على المضي قُدماً في هذه السياسية، لتشمل كافة المناهج الدراسية فمناهج التاريخ والجغرافيا الدراسية لم تكن مستهدفه دون غيرها، لأن ما جرى من تعديلات خلال الأيام القليلة الماضية شمل الكثير من الآيات القرآنية وبعض الاحاديث النبوية بالإضافة إلى إلغاء نصوص تحث على التمسك بحقوق عربية في مقدمتها الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لكن الأمر الذي يدعو إلى الريبة، عبر الشارع الأردني وأولياء الأمور عنه  حينما نظموا وقفات احتجاجية سجلوا خلالها الكثير من الاعتراضات والتساؤلات التي تجاهلتها الحكومة الأردنية ولم تكلف نفسها عناء الإجابة عليها، ولعل أهمها ذلك المتعلق بتأثير تعديل المناهج على الشريعة الاسلامية التي يجري تهميشها وإبعاد طلبة المدارس عنها، فاستمرار عملية التعديل وتركيزها على المناهج المتعلقة بالدين الاسلامي، قابلها أولياء الأمور بتوجيه رسالة جماعية للحكومة الأردنية أكدوا خلالها على أن الاستمرار في هذه السياسة  من شأنه أن يجعل وجود الآيات القرآنية والحديث النبوي الشريف في المناهج العلمية شيءً من الماضي.

بالموازاة مع تلك الخطوات المنظمة التي تتبعها الحكومة الاردنية تجاه أجزاء بعينها من المناهج العلمية، لم تسلم الصور التوضيحية التي تُعبر عن تلك الدروس من بطش وزارة التربية والتعليم الاردنية، التي استبدلت صور المحجبات من الكتب الدراسية بصور غير المحجبات! حتى الإذاعة المدرسية "الطابور الصباحي" أصبح خالي الدسم وتم تفريغه من مضمونه، فجرى التعميم على مدراء المدارس ليقتصر فقط على بعض العبارات والاناشيد التي تدعوا إلى الانتماء للوطن واحترام النظام الملكي.

رُغم تقليل الحكومة الاردنية من حجم المخاوف التي كانت تساور الشارع الاردني في وقت سابق، ونفيها لتلك الاتهامات التي وجهت لها بتنفيذ إملاءات غربية، إلا أن الحملة الوطنية من أجل حقوق الطلبة كانت قد أعربت عن مخاوفها من ذلك التعديل غير المعلن للمناهج الدراسية الذي جرى خلال عام 2014، واستحضرت حينها الاتفاقية التي وقعت في ديسمبر2013 بين وزارة التربية والتعليم الاردنية والوكالة الأميركية، والتي بموجبها تلقت الأردن منحة تمويل لتطوير التعليم للسنوات الخمس المقبلة، بقيمة إجمالية بلغت 235 مليون دولار أميركي.

في هذه الأثناء لم تخفي الحكومة البريطانية دورها نحو تطوير قطاع التعليم في الاردن بما يتناسب وأهدافها الرامية إلى التخلص من الهوية الاسلامية للشعب الاردني عبر تقديمها مزيداً من الدعم المالي بناءً على خطط -  تم الاتفاق عليها بين السلطات الاردنية والمملكة المتحدة في أغسطس الماضي، كانت كفيلة بإقناع وزارة التربية والتعليم الاردنية بتغيير الكثير من المناهج العلمية لمراحل دراسية مختلفة.

الملاحظة الجديرة بالاهتمام في هذا الصدد هي، أن تلك الخطوة لم تأتي إلا بعد توقيع الحكومة الاردنية لمجموعة من الاتفاقيات مع حكومات المملكة المتحدة والولايات المتحدة وسويسرا والنرويج، وقد وصل إجمالي المنح التي قدمتها هذه الدول لقطاع التعليم في الاردن من خلال اتفاقيات المنح تلك إلى نحو 97.5 مليون دولار أمريكي، وذلك وفقاً لتصريحات سفير المملكة المتحدة في العاصمة عمان.

من الواضح إذاً أن قطاع التعليم في الاردن بات يمثل أحد أهم أولويات حكومة المملكة المتحدة خلال الأشهر الأخيرة، فالمتتبع لاهتمامها بالتعليم في الاردن يشعر بأنها باتت معنية بهذا القطاع المهم أكثر من الحكومة الأردنية ذاتها! لأن منحة دعم التعليم في الاردن التي قدمتها المملكة المتحدة في أغسطس الماضي كانت الثانية خلال هذا العام، فـ منتصف شهر مارس الماضي كان قد شهد أيضاً منحة بريطانية لدعم التعليم الاردني وصلت قيمتها إلى 60 مليون جنية استرليني.

لكن المنحة الأخيرة كانت الأكبر من نوعها، وبموجبها قدمت المملكة المتحدة مطلع أغسطس الماضي نحو 80 مليون جنية استرليني بهدف تطوير هذا القطاع وبحجة استيعاب اللاجئين السوريين اللذين شكلوا عامل ضغط على التعليم الاردني.

أمام هذا الاهتمام والكرم الغربي الزائد عن الحد نحو التعليم الاردني، رجحت الحملة الوطنية للدفاع عن المناهج المدرسية أن تكون الضغوط التي تُمارسها الجمعيات والسفارات للدول المانحة، هي من تقف خلف تعديل المناهج العلمية، مؤكده على "أن هذه التعديلات ممنهجة وتسير وفق مخطط مدروس لتمييع الأجيال الناشئة وسلخها عن قيمها ومبادئها وثوابتها.

مثل هذه الشكوك والاتهامات سرعان ما أكدتها تصريحات نائب رئيس الوزراء الأردني للشؤون الاقتصادية ووزير الصناعة والتجارة والتموين د. جواد العناني خلال حديثة لصحيفة البيان الاماراتية في 19 سبتمبر الماضي، حين أكد على أن الحكومة الأردنية ليست خجلة من تعديل المناهج،  وأن التعديل جاء بسبب اكتشاف أن في بعضها ما يحفز على الإرهاب، مشدداً على أن المناهج يجب أن تعلم «الطلبة الحب والتجانس لا أن يحمل السيف ويبدأ بالقتل"، وهي تصريحات تنسجم  تماماً مع الأهداف الغربية المُعلنة تجاه الأردن والعالم الاسلامي عموماً.

   قناة البيان المرئية