#أزمة_أخلاق_غربية

 

تضرب الغرب أحياناً الأعاصير فتقتل الألاف منهم، كما تصيبهم موجات من الحر الشديد أو البرد الشديد، أو يظهر فيهم فيروس جديد لم يسبق لهم معرفة به مثل فيروس الإيدز (نقص المناعة المكتسبة) إنفلونزا الطيور وآخرها فيروس زيكا، ويصاب الغرب أحياناً بالزلازل والفيضانات، وكل هذه الكوارث الطبيعة والأخطار تمثل تهديداً للمجتمع الأوروبي، غير أن الأسرع فتكاً في أوروبا وفي الأمم والحضارات والدول هو الانحدار القيمي والأخلاقي الذي يتعارض بطبيعته مع أصل الجبلَّة الإنسانية وهو ما يهدد البقاء ويسارع عجلات السقوط وهذا ما يعانيه المجتمع الغربي اليوم.

وقبل أن أدلف إلى موضوعي أذكر هنا قصتين ذكرهما صاحب كتاب (الغرب من الداخل الدكتور/ مازن صلاح مطبقاني، وأصل الكتاب دراسات للظواهر الاجتماعية في الغرب) يقول فيه: "أروي هذه القصة التي رواها لي صديق وأستـاذ فاضل يعيش في هولندا منذ أكثر من عشرين سنة.

 وملخصها أن هذا الصديق ذهب إلى محطة وقود لملء خـزان سيارته، فوجد العامل في المحـطة مهموماً مغموماً، فسأله ما بك؟ فقال له: " لقد جاءني اثنان قبل قليل وقيداني وأخذا كل ما في الصندوق". فقال له الزبون: "وما يحزنك وشركة التأمين تتكفل بدفع ما سُرِق. قال: "ليس هذا ما يهمني، ولكن لو وجد نظام عقوبات كما في السعودية لما أقدم هذان على فعلتهما".

وهذه القصة - وغيرها كثير - تدلنا على قمة الإفلاس القيمي الذي وصل إليه الغرب، وتدلنا أيضاً على مدى تعطش الناس لأخلاق وقيم الإسلام النبيلة، وإذا تأملنا حولنا فلا شك أننا سندرك البون الشاسع بين التقدم الذي وصلت إليه الدول الأوروبية وبين قيمها السياسية والإنسانية المنحطة والتي تفتك بالبشرية؛ فهم بالفعل استطاعوا الوصول إلى قمة التفوق الصناعي والتجاري والعلمي ولكنهم لا يزالون في درك ومستنقع الانحطاط القيمي، المتمثل بغزو البلدان الضعيفة وترويع أهلها وإبادة مئات الألوف منهم ونهب خيراتهم وثرواتهم وتدمير ممتلكاتهم وإحراق الأخضر واليابس في ديارهم وتجريب أعتى أنواع الأسلحة الفتاكة وأحدثها فوق رؤوس الأطفال والشيوخ والنساء، أليس هذا قمة السقوط القيمي والانحطاط الأخلاقي؟

إضافة إلى العنصرية المقيتة الذي يمارسها الغربيون بحق غيرهم من البشر ولقد تناول القرآن الكريم معتقدات أهل الكتاب وسلوكهم؛ فأوضح ما أدخلوه على كتبهم من تحريفات وتبديلات وتغييرات، كما أوضح أن سلوكهم قائم على العداوة للغير والعصيان، وهذا ما يمكـن أن نصفه بمصطلحات عصرنا "عنصريتهم وأنانيتهم وتمركزهم حول ذواتهم، لذلك قال الله على لسانهم : }وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ{ [المائدة: 18].

ولقد ظلت الكنيسة تؤيد النظام الإقطاعي، وكانت هي من أكبر المُلاك في العصور الوسطى (الأوروبية) وكان العلاقات الاجتماعية قائمة في هذا النظام؛ وهو أن للإقطاعي حقاً مقدساً يطلب بموجبه خدمات وأشياء أخرى من أتباعه.

ويعترف نيكسون بأن المحاكم الأمريكية حاولت فرض حصص تميزية على أساس العرق في القَبول في الجامعات والتوظيف والترقية، وتغاضت عن التمييز في إشغال الوظائف العامة والقطاع الخاص وإبـرام العقود مع الحكومة، وهو ما جعل الجامعات وبعض الوظائف تقبل بالأقل كفاءة لتغطية الحصص الخاصة بالأعراق.

ويقول مأمون فندي في كتاب "الجذور الثقافية للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه العرب والمسلمين" في 1996م وقد ظهرت العنصرية الغربية بوضوح في الصومال حيث مارست القوات الإيطالية والدنماركية وغيرها من القوات الأوروبية ألواناً من التعذيب ضد الصوماليين العزل ومن العجيب أن هؤلاء كانوا ضمن قوات دولية أُطلق عليها (إعادة الأمل)؛ فأي أمل كان؟

ومن الانحطاط القيمي ما يمارسه الأوربيون بحق غيرهم لا سيما السجناء في معتقلاتهم ولا تزال فضيحة سجن أبو غريب في العراق هي العنوان الأبرز لذلك الانحطاط وستبقى ذكراه صرخة مدوية وعالقة في أذهان كل المسلمين، ولا يكاد يشك أحد من المتابعين في أن هذا الانحطاط ممنهج ولم يكن صدفة من المصادفات، وقد وردت في هذا الموضوع تقارير عن حدوث ممارسات تعري قسرية في مراكز اعتقال في أفغانستان وخليج غوانتانامو في كوبا؛ إلا أن ما حدث في سجن أبو غريب كان الأكثر بشاعة وشناعة طبقاً للمقابلات التي تمت مع ضحايا تلك الأعمال المشينة ومن تقارير مجموعات لحقوق الإنسان ووفقاً لشهادات من معتقلين وجنود.

هذه بعض الدلائل التي تدل على سريان الانحطاط والفساد القيمي في المجتمع الغربي كسريان النار في الهشيم، ولو تحدثنا عن فساد القيم والأخلاق داخل المجتمعات الاوربية وحشدنا الشواهد على ذلك ونقلنا اعترافاتهم وعددنا نسب جرائم العنف القتل والخطف والاغتصاب والشذوذ والعنوسة والطلاق والاتجار بالبشر والانتحار وكل ما يدل على فساد القيم من ميل وانحراف عن الفطرة لما اتسع المجال لذلك وقد نُشرت في هذا كثير من الأبحاث والدراسات يمكن للباحث الرجوع إليها، ويكفينا لإثبات هذا الانحطاط القيمي شهادات بعض الغربيين من مفكرين وباحثين وقادة؛ فالجميع يدرك أن التقدم في الجانب المادي وحده لا يكفي للنهوض والقيام، ويقررون أنه لا بد من العودة إلى القيم والأخلاق لذلك يقول جيمس بترسون وبيتر كيم: إن 80 % مـن الأمريكيين يؤيدون تدريس المبادئ والقيم الأخلاقية في المـدارس الأمريكية، ويعتقد الكثيرون أن الانحطاط الأخلاقي هو المشكلة التي تعاني منها البلاد.

وستبقى النفوس البشرية التي تريد أن تستقر وتعيش في أمان تتوق إلى الفطرة، ولقد ارتفعت الأصوات المطالبة بتشديد العقوبات على المجرمين، في بريطانيا وأمريكا؛ فهذه نائبة بريطانية تطالب بجلد المجرمين، وعرض ذلك خلال برنامج اليانصيب الذي يشاهده أكبر عدد من الجمهور.

إذاً سيبقى التقدم والازدهار في الأمم والحضارات والدول والشعوب مرهون بالقيم السوية والأخلاق النبيلة، وفي هذا يقول الشاعر العربي:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا