الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه         

أما بعد:

فإنّ للدعاة إلى الله في عصر التقنية والثورة المعلوماتيَّة جهداً مذكوراً، وفاعليَّة حقيقيَّة، فها نحن اليوم نعيش عصراً ينجم عنه كثير من الأفكار الدعويّة العملاقة رغم العقبات والأشواك التي تُواجه الدعوة ورجالاتها ومؤسّساتها.

وقد كتب الله - تعالى - الهداية والاستقامة لفئام من الناس بسبب الجهود الدعوية المُضنية، وآتت الدعوة أُكُلَها في كثير من أقطار الأرض. حتّى أنّ الدعوة الإسلاميّة لم تكتفِ بواقع المسلمين، بل شهدناها دخلت البلاد غير الإسلاميّة فنلحظُ فيها يومياً إسلام المئات في تلك البلاد، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ دولة الإسلام ليست قائمة، وحُماة الدين من أهل العلم أقليّة، ومؤسسات الدعوة إلى الله قليلة ونادرة، وحملات التشويه والتشكيك بالإسلام أكثر من أن تُحصر، وأوضاع المسلمين الكارثيّة وكثرة الحروب والقلاقل في بلادهم، وهم يعيشون في بلادهم بأمنٍ ورخاء، ولديهم كافّة مُنتجات الحضارة العمرانية، وأدوات النهضة الصناعية والاقتصادية، ويتراجع عمران المعابد الكنسيّة من العقائد الباطلة، ومع ذلك كلّه يزداد الإقبال على الدين الإسلامي، ويزداد المرتادون للمساجد، ويكثر الطلب على المصاحف، وكتب الحديث الشريف، والفضل لله تعالى وحده.

غير أنّ من يجني الثمار في الحقل الدعوي وساحة العمل الإسلامي، سيقع لا محالة في بعض التقصير أو القصور، فهو عُرضةٌ للخطأ والزلل أثناء الممارسة الدعوية، وهذا يستدعي وجود مكاشفة ذات شفافيّة لصقل المرآة الدعويّة، وتفعيل مبدأ النُّصح؛ لأنّ النقد الداخلي، مع حمل همّ النُّصح الصادق، ابتغاء ترتيب البيت الدعوي، من لوازم البقاء والنقاء والارتقاء.

شَــهِدَ اللـه مـا انتقــدتُـك إلاّ ... طمعاً أن أراك فوق انتقادِ

وكفى المرء رفعةُ أن يعادى ... في ميادين مجده ويعادي

فالقصد النصيحة المستوحاة ممّا صحّ في الحديث عن رسول الله محمد صلّى الله عليه وسلّم، بقوله: "الدين النصيحة"، وما جاء في الحديث الحسن أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال: "المؤمن مرآة أخيه المؤمن، المؤمن أخو المؤمن حيث لَقِيَه يكُفُّ عنه ضَيْعَتَه ويَحوطه من ورائه".

فكونُه مرآته، إن رأى خطأ فيُصحّحه بالنصيحة، ملتزماً بما صحّ عن رسول الله حين ينتقد مسلماً، فيقول في ما صحّ عنه: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا".

والمؤمن يفرح بنصح أخيه ويدعو له، كما ثبت عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: (رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي)، ومن منّا يسلم من الخطأ والعيب والشطط؟

فاللهم! عفوك ومغفرتك ورحمتك وهدايتك.

لعلّ من أبرز الإشكاليات في الواقع الدعوي:

1-   ضعف التأصيل العلمي وإدراك أساليب الدعوة:

يظهر ضعف التحصيل العلمي تأصيلاً من خلال كلمات بعض المتصدّرين للدعوة في لقاءاتهم العامة، وهو ما يُحرج المُستضيفين له، خاصّة إذا قامَ بعرض الأحكام الشرعيّة بأسلوب خطابي وعظي تأثيري، غير أنّ الحكم الشرعي ليس كما يعتقده ذلك الداعية، بل قد جانب فيه الصواب!

لقد جنى على ساحة الدعوة بعض الدعاة مِمّن يرزق الواحد منهم قدرة على التأثير الشبابي، ولربّما كان مثلهم في طريقة تفكيرهم وحياتهم العامّة قبل الهداية، ولكن ينقصه الكثير من أساليب الدعوة، وهو بذاته لم يدخل أجواء صناعة الداعية الفعليّة؛ إذ لم يمتلك الزاد العلمي بالتأصيل العلمي الذي يُمكّنه من ضبط ألفاظه ومُصطلحاته وإجاباته واستشاراته، ولم يعش أجواء الدعوة سنينَ عدداً قبل تأهلّه للدعوة إلى الله، ولعلّ من أبرز ذلك شهادة أشياخه وأهل العلم له بذلك، ودوام تواصله معهم!

قد يبدأ بعض الدعاة الشباب بالتأثير على التجمُّعات الدعويَّة من خلال مُخيّمات أو مراكز أو نوادي وغيرها، ويكون لهم حظٌّ ونصيب من حفظ قرآن، ودراسة متن علمي على بعض العلماء، ثمّ يرون تعلُّق بعض الشباب بهم، وتجمُّعهم عليهم، وازدحامهم بعد الانتهاء من مُحاضراتهم وملتقياتهم، ويَعْظُم في قلبِ الواحد منهم كثرة متابعيه وجمهوره، فيُقلّل الزاد في الأخذ عن العلماء، ويستغني عن الرجوع إليهم، وسؤالهم في أعمالهم الدعويّة واستشارتهم فيها، فتحصل الجفوة والفجوة المفتعلة من أولئك الدعاة ويبتعدون رويداً عن أهل العلم.

ولا أعجب من أن يُدعى بعضهم إلى لقاء أسبوعي خلال سنة يحضرونه عند بعض أهل العلم، ليستزيد علمهم وتكثر بضاعتهم التأصيليّة، فيحضرون ثم يتقلّص العدد ويتناقص بحجّة الانشغال باللقاءات الدعويّة!

مع أنّهم لو لازموا عدداً من أهل العلم المعتبرين، لأخذوا دروساً عمليّة في حضورهم دُروسَ شيوخهم الكبار علماً وسناً، وفي هذا تربية من الشيخ لنفسه على بقاء الطلب، وتربية لطلبته على أنّ المرء لا يزال يتعلّم ما بقي حياً.

إنّ حالة الانتقاص العلمي وما يُقابلها من الازدياد الدعوي، مؤثّرة للغاية على كثرة وجود الأخطاء في مسيرة الدعوة؛ فعلى الداعية أن يعلم عمق الارتباط والصلة بين الدعوة والعلم، وهي منهجيّة لا تحتمل المُجاملة، وقد قام أهل العلم بالتنبيه عليها، ومنهم الإمام ابن القيم إذ يقول في مفتاح دار السعادة: (وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها، فهي لا تحصـل إلا بالعلـم الذي يدعو بـه وإليه، بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلـم إلى حد يصل إليه السعي) 1 / 15.

2-   ضعف علائق دعاة السُّنّة بمختلف المشارب:

من أعظم ما يُزيل الظنون السيئة بين العاملين في حقل الدعوة الإسلامية بمختلف توجّهاته: اللقاء الأخوي الإيماني؛ حيث تجتمع الكلمة، ويذوب الجليد المُصطنع بيهم، ويحزن الشيطان الذي ينزغ بينهم ويُحرِّشُ بين أفئدتهم.

إن كرة الثلج التي غطَّت بعض الدعاة عن بعض جعلت طريقة تفكير كل واحدٍ منهم محجوبة عن مرأى العين، فكَثُرَت الظنون والأوهام والتُخرّصات، وينزعه اللقاء الإيماني الأخوي النابع من حرارة اللقاء ونبع المودة، فيتضاءل حجم تلك الكرة الجليديّة!

إنّ تكافت بعض العاملين للإسلام، بحاجة لعلاج، فما أكثر انصرافهم عن الإصلاح والتغيير، والانشغال ببعضهم، فيصابون بتراجع وانصراف وتكافت، بديلاُ عن التكاتف الدعوي!

لو تعاون كل من عمل في حقل الدعوة والعمل الإسلامي في ما بينهم في إنجاح أي مشروع يدعو للبر والتقوى وهم على ثغور الدعوة، وتواصوا في ما بينهم على ذلك كما يتواصى أهل الفجور والفساد الفكري، لوجدنا خيراً عظيماً من إصلاح الحال، وتغيُّر الواقع في تحسن كثير من أوضاع مجتمعاتنا الإسلامية.

وهذا من بركات خيريّة الأمّة حين يجتمع العاملون للإسلام للعمل بما يُرضي الله تعالى، فإن عجزوا عن الانصهار داخل عمل مُوحّد، وشقّ ذلك عليهم، فبالتنسيق والتعاون والتكاتف بينهم على البر والتقوى، وهي الفريضة الغائبة في واقع العاملين في الدعوة، ليحصل من جرَّاء ذلك تعزيز ظهور روح التكامل لا التآكل، ومبدأ التنسيق لا عقليَّة التفريق.

أمتنا اليوم تعيش في أزمات متتابعة بل حرائق تشتعل في عدد من بقاعها وإن العاقل يعلم أن هذه الحرائق لا بد لها من مئات الدعاة الصادقين لإطفائها، وأن رجال المطافئ لا بد أن يتدرعوا بما يحميهم من أن تلتهمهُم الحرائق الملتهبة، ليلتقي الرجالات الدعويّة لمعالجة الأزمات، وإطفاء الحرائق، ونزع فتيل الشقاق، وتعاونهم في ما بينهم على ذلك، وهو الذي سيُفيدُ الأمّة تجاه الأحداث التي تعصف بها من كل حَدبٍ وصوب.

ومهما يمتلكُ الواحد منهم خبرة وعلماً فلن يكون قادراً على المعالجة الفردانيّة؛ إذ لن يُغيّر واقعاً تشترك الأمم على إفساده، والواجب نقله من الأُحاديّة الشخصيّة إلى الوحدويّة الدعويّة، وألا ينشغلوا ببعضهم من التراشق والتنازع والتقاطع، وهو ما يستغربه المرء من وقوع تصرفات بعض الدعاة على القنوات الفضائيَّة، إذ يتحدَّثون على القنوات بملء الفم في ما بينهم بلغة فيها طعن وإسفاف، منقلباً النقاش من كونه فكرياً أو منهجياً لشجارٍ شخصيٍ بين الطرفين بحجَّة كشف الحقيقة، وتمنيت لو قعد أولئك الأشياخ في بيوتهم؛ لأن تصريحاتهم قد صبّت الزيت على النار وزادوا الواقع تعقيداً ولم يصلحوه، وهو ما يؤثّر على المتلقي الدعوي من حيث سقوط أولئك القوم من عينه، أو تأثّره بطريقتهم في النقاش، وفي كلتي الحالتين تكمن الخسارة!

ماذا لو تنامت علائق الدعاة وقاموا بمعالجة جادّة عمليّة بعيداً عن العلاج القولي الورقي لأمراض منتشرة بينهم كـ: سوء الفهم، ضيق الأفق، التعصُّب، تضخيم الخلافات، سوء الظن، قلّة الاعتذار للمخالف، ضعف استشعار نتائج التفرُّق، البغي! إنّ كلُّ هذه الأشياء ستجتمع تحت إطار خطير للغاية وهو التفرٌّق في الدين!

مع العلم أنّ الدعاة جميعاً يعلمون أنّ الدين الإسلامي ما أتى إلاّ ليجمع الأمَّة على الحق، ولا تتفرَّق عنه إلى الباطل؛ فقد أتى بتوحيد المُرسِل، وتوحيد المُرسَل، وتوحيد كلمة أمّة الرسالة. ودين الإسلام دين اتّفاق وائتلاف، لا تفرّق واختلاف. وبهذا جاء الحثُّ على إقامة الدين، وعدمّ التفرّق فيه وعنه، فقد قال تعالى: }أن أقيموا الدين ولا تتفرَّقوا فيه{ مع أنّ الآيات والبينات ما أتت إلاَّ لتكون سبيلاً للتوحد والالتئام والالتحام ورص الصفوف وعدم تفرقتها حيث تفترق القلوب!

ها نحنُ نقرأ عن الأمم السابقة من قبلنا وهي أمم كتابيَّة آتاها الله الكتاب للهداية، لكنَّها تفرَّقت وتشظَّت وافترقت، وليت ذلك التفرق نَجَمَ عن الجهل، لهان الخطب، لكنَّه نشأ بعد العلم ومجيء البينة، ونلحظُ ذلك في عدّة آيات وسور، منها قوله تعالى: }وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ{ [البينة: 4 - 5] وقوله تعالى: }وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{ [الروم: 31-32]، ولهذا نهانا تعالى عن مشابهتهم في التفرق، فقال: }وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{ [آل عمران: 105 – 108].

إلاَّ أنَّ أمّتنا اليوم وقعت في ما وقعت به الأمم السابقة فتفرقت في دينها بعد أن عَهِدَ الله – عزَّ وجل – إليها آياته وحججه وبيّناته، وليس أسوأ من ذلك افتراق دعاتها، ومن سوء التفرُّق أنّه يؤدي في بعض الأحوال لمُفارقة الدين، أو أخذ شيء منه دون شيء. ومِمّا يُشير لذلك قوله تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ{ وقد قرأ حمزة والكسائي آية }إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ{ }فَارَقُوا{ بِالْأَلِفِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: مِنَ الْمُفَارَقَةِ وَالْفِرَاق!

ومن تأمَّل في مآلات التفرّق والاختلاف بعد العلم و البيّنة والآيات وجد أنّ أغلبها بسبب البغي الذي نتج عنه الظلم، والكبر، والحسد، والحقد، والتعدي؛ فقد قال تعالى: }وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ{ [آل عمران: 19] وقال تعالى: }وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ{ [الجاثية: 16 - 17] وقال تعالى: }وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ{ [البقرة: 213] وقال تعالى : }وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ{ [الشورى: 13 - 15].

لقد ذكر الله تعالى لنا أنموذجاً في القرآن الكريم عن أحد الأنبياء من أولي العزم من الرُّسل موسى عليه الصلاة والسلام، فقد أحبّ الخير لأخيه هارون، فشفع له حتى جعله الله نبياً، فقال تعالى عن موسى: }وكان عند الله وجيهاً{، فهلاّ استفاد الدعاة من ذلك حب الخير الدعوي لإخوانهم، وابتعدوا فيما بينهم عن التهارش والتحاشُد للتحاسد!

3-   عقبات في تأثير العظات!

من خير ما يجلو صدأ القلوب، ويُذهب أمراض النفوس، أن تتأثر أرواحنا لا أجسادنا بسياط المواعظ التي يجب أن يكون لنا منها حُصّة الأسد في زمن الغفلة.

إن الوعظ الديني من أكثر ما تحتاجه الأمَّة اليوم، لانغماسها في الدنيا، وبُعدها عن الخطاب الإيماني، واهتمامها بالقضايا الفكرية أو الثقافيّة.

ومن خير ما تُوعظ به القلوب وتُحرَّك به العقول، بعث روح القرآن في الأمة ووعظهم به؛ فالله تعالى يقول: }يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم{، والله تعالى ربط الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، فقال: }ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن{ وهذه آية جليلة "جمعت أصول الاستدلال العقلي الحق: البرهان والخطابة والجدل" كما يقول الطاهر بن عاشور، والملاحظ في الموعظة أن تكون حسنة، و "ليس كل موعظة حسنة" كما يقول الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: ٣/١٥٧

إنّ الوعظ كلمة عظيمة وموقف شريف؛ فالله تعالى يعظ الخلق فيقول: }يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين{، وقد فتح الله على الأنبياء والرسل القيام بهذه المهمّة والوظيفة سواء آمن بهم قومهم أم لم يؤمنوا، ومن حرص على وعظ قومه، قال له قومه: }سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين{، ومن تدبر سورة هودٍ وما فيها من قِصَصِ خمسة من الأنبياء والرسل بُعثوا إلى أقوامٍ لكل منهم حضارة عريقة بالدعوة إلى الله، أتت الآية في نهاية السورة لتقول: }وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين{.

وسار نبيُّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم على درب الأنبياء والرسل، وحثّه الله على الوعظ فقال: }قل إنّما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفُرادى ثمّ تتفكروا ما بصاحبكم من جِنّة{ فموعظته تحثُّ على التّفكّر، التي تستدعي مِمّن سمعها التأثُّر، كما قال تعالى: }فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً{؛ ولهذا كان يقف رسول الله مواقف الموعظة فيعظ الناس ويُذكّرهم بالله حتّى لامست موعظته قلوبهم، فقد صحّ في الحديث عن العرباض بن سارية قال: "صلى بنا رسول الله، ثم أقبل علينا بوجهه فوعظ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب".

فإذا كان ربُّ العالمين يعظ عباده، والأنبياء كذلك، والقرآن الكريم بذاته موعظة، فإنّ من قام بالوعظ فقد أوتي مهمّة شريفة جليلة القدر، ولهذا ذكر الطوفي الوعظ من علوم (القرآن) في كتابه (الإكسير في علوم التفسير) وقال: "ويصلح هذا متمسكاً للوعاظ على شرف علمهم ويؤكده فعل الأنبياء مع الأمم، والسلف الصالح في عصرهم".

غير أنّ هنالك كثيراً من الممارسات الخاطئة التي يقع فيها بعض الوعاظ وقد لا يشعرون وقد يشعرون، ومنها:

·       تصدّر الجُهّال في وعظ الناس وقلّة الأخذ على أيديهم، وهو ما يجعلهم يقولون ويتصرفون بأشياء لا تليق بمهنة الوعظ الشريفة، مع الإكثار من الكلام المُرسل الإنشائي، وتكرار الألفاظ بدون المعاني الجوهريّة، وقلّ أن يؤخذ على يد هؤلاء ولو من تعزير العلماء الربّانيين، لهذا يقول أحد أكابر الفقهاء العلاّمة الشربيني في مغني المحتاج 4/212: "ولا يأمر ولا ينهى في دقائق الأمور إلا عالم، فليس للعوام ذلك، ويُنكر على من تصدى للتدريس والفتوى والوعظ وليس هو من أهله".

·       إطالة الموعظة مع تنبيه الواعظ في بداية حديثه أنّه لن يُطيلها بل سيجعلها دقائق معدودة، فيُطيل كثيراً على الحضور، فينسحبون رويداً رويداً، وكم شاهدنا من شخص ذكر أنّ موعظته ستكون قصيرة فقاربت نصف ساعة! والذي ثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما عند أبي داود في سننه عن جابر بن سمرة قال: "كان النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هي كلمات يسيرات" ومن فقه الصحابة في عدم الإطالة على جماعة المسلمين ما قاله الصحابي الجليل عمر بن الخطّاب: "أَيُّهَا النَّاسُ لا تُبَغِّضُوا اللَّهَ إِلَى عِبَادِهِ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا لِلنَّاسِ يُصَلِّي بِهِمْ، فَلا يَزَالُ يُطَوِّلُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُبَغِّضَ إِلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ، أَوْ يَجْلِسَ قَاصًّا فَلا يَزَالُ يُطَوِّلُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُبَغِّضَ إِلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ".

·       ضعف تطبيق الواعظ لموعظته، فقد يعظ الناس بتعظيم الله، لكنه من أكثر الناس تملقاً لحُكّام السوء وتعظيمهم؛ فكيف نقبل وعظه؟ وآخر يعظ الناس بضرورة العمل بما يعلمون وهو يظلم الفقراء ويأكل حقوقهم، ويتحدث عن خطر الظلم وهو من أكثر الناس ظلماً لعمَّاله وخدمه، وآخر يتحدث عن الزهد والورع، ومن يُخالطه يعرف أنّه من أكثر الناس حباً للدنيا وتقحماً لمهالكها! لهذا كان يخشى كثير من العلماء وعظ الناس، لخشيتهم من التقصير في ما يقولون، ولهذا كتب العلاّمة الغزالي لبعضهم: أما الوعظ فلست أرى نفسي أهلاً له، لأن الوعظ زكاةٌ نصابه الاتعاظ، فمن لا نصاب له كيف يُخرج الزكاة؟ طبقات السبكي: 6/ 217

·       حاجة الواعظ لتذكر الإخلاص دائماً والعمل لمرضاة الله حتّى يلقى الناس كلامه بالتطبيق والتنفيذ؛ فالله تعالى يقول: }ولو أنّهم فعلوا ما يُوعظون به لكان خيراً لهم وأشدّ تثبيتاً وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ولهديناهم صراطاً مستقيماً{.

قال الراغب: "حق الواعظ أن يتعظ ثم يعظ ويبصر ثم يبصِّر ويهتدي ثم يهدي ولا يكون كدفتر يفيد ولا يستفيد وألا يجرح مقاله بفعاله وألا يكذب لسانه بحاله". وقال بعض السلف: "إن العالم إذا لم يرد بموعظته وجه الله زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا، وإلا فلا يزداد الناس به إلا تمادياً في الضلال". الفتاوى الكبرى للهيتمي: ١/ ٢٠٤

·       تغليب أحد جانبي الترغيب والترهيب على الآخر؛ فبعض الوعّاظ لا يتحدث إلا عن الجنّة وعظيم رحمة الله، والأجور والحسنات، وآخر عن النار، وغضبه على أهل الظلم والفجور، وخطر السيئات، وهذا ليس من منهج القرآن في شيء؛ بل القرآن في عدّة مواطن يوازن بين الترهيب والترغيب، والتذكير بالنعيم والجحيم.

·       أن تكون الموعظة صورة مثاليّة عن واقع سلفنا الصالح في العبادة والعمل الصالح، حتّى يُقدّم الواعظ للمستمع أفضل سِيَرِهم في ذلك، فتارةً لا يصدّق بعضهم ما كانوا يعملون، وتارةً يستبعدون وقوع الخطأ منهم، وتارةً يستقلُّون ما يفعلونه من عبادات تجاه ما يفعله السلف الصالح فيُصابوا بالإحباط. بل تنقل لنا بعض المواعظ بعض ما يقوم به بعض الزهّاد والعُبّاد والمتنسّكين من عبادات فيها تشديد على النفس ومبالغة تُخالف هدي النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، وكان الأولى ربطهم بهديه صلّى الله عليه وسلّم، بدلاً من أعمال تُخالف هديه.

إنّ ذكرَ سيرة السلف الصالح لتشجيع الناس على فعل الخير من المحامد بل هو مطلوب بقدره، لكنّ مجموع الوُعّاظ أنفسهم لا يستطيعون أن يكونوا في عصرنا أفضل من طريقة عبادة السلف الصالح، فليذكر الواعظ عَقِبَها للناس ما هم قادرون على فعله من الطاعات، وليُحذرّهم من طرق المعاصي ويذكر لهم الحلول والبدائل الشرعيّة وخُطوات إعانة الناس على فعل الفضائل واجتناب الرذائل.

·       يقلّ عدد الوُعّاظ من أهل العلم؛ فكيف إذا ازدانت المجالس بدخول أهل العلم في مجال الوعظ فلوقعِ كلامهم أثر في قلوب الناس وتذكيرهم بالله والدار الآخرة، فاغتنامهم لذلك معين خيرٍ لأن يكتب الله الهداية على يدهم، خاصّة إذا علمنا أنّ كثيراً من عامّة الناس يكون التزامهم بسبب موعظة أكثر من دروس علميّة، أو نقاشات فكريّة.

·       يلتزم بعض الشباب على طريق الهداية، ويستفيدون من مواعظ الوّعاظ، فعادةً لصوت الوعظ أثره في القلب، لكنّ تأثيره مرحلي، والواقع أن هنالك تقصيراً من الوعّاظ في ربط من اهتدى بأهل العلم ليتعلّم المرء منهم أمور دينه، بل يُحاولون تعويد المهتدي وتدريبه للقيام بمهمّة الوعظ من جديد، وكان الواجب أن يكون هنالك بعثاً لإفادة المهتدين الجدد بالعلم الشرعي، فالأحكام الشرعيّة بينها والوعظ صِلَةُ وعلاقة، وكثير من آيات الأحكام قد خُتِمَت بالمواعظ.

·       يتفنّن بعض الوُعّاظ بكثرة القصص حتّى تكون جوهر محاضراته دائماً، وليت ذلك يكون من قبيل القصص الثابتة، فاستخدام القصّة في الدعوة في موطنها المناسب أسلوب دعوي رائع أتى به القرآن الكريم فثلث القرآن قصص ذات عِبَر، لكن من المهم الاستفادة من منهج القرآن في إيراد القصص للتذكير. مِمّا نُقِلَ عن الإمام أحمد قوله: أكذب الناس القصاص والسؤال، وما أحوج الناس إلى قاص صادق صدوق، لأنهم يذكرون الموت وعذاب القبر. قيل له: أكنت تحضر مجالسهم؟ قال: لا.

طالما قام بعضهم فألقى كلمة أو درساً عَقِبَ الصلاة أو في تجمُّع دعوي، فيحكي قصص ذات خيالات، وحال من يستمع لها إن كانت لديه ذرّة من عِلْمٍ أن يُصاب بالوجوم والاندهاش، فأكاذيب تُروّج على أنّها حقائق، حتّى ما يُدّعى أحياناً أنّه إعجاز علمي هو في الحقيقة لا علم ولا إعجاز، وليس الاعتراض على المصطلح فالإعجاز العلمي في القرآن والسنّة حاصل، لكن هنالك غلو وقع به بعض الدعاة، حتّى روّجوا لقضايا إعجازيّة كانت عارية عن الصحّة والبرهان، بل ما صاروا يتعاملون مع الآيات والأحاديث في مُحاضراتهم إلاّ من هاته المنطلقات...

ذلك كلّه قد لا يلتفت لسلبياته عدد من الدعاة فالحضور الكثيف والجمهور العريض الواسع، يؤثّر على نفسية المُلقي، وخاصّة أنّ عامّة الناس تستروح لذكر هذه الأشياء، كما بيّن الإمام ابن قتيبة بقوله عن أولئك القُصّاص: "فإنهم يُميلون وجوهَ العوام إليهم، ويَستدِرُّون ما عندهم بالمناكير والغريب والأكاذيب من الأحاديث، ومن شأن العوام القعودُ عند القاص ما كان حديثه عجيباً خارجاً عن فِطَر العقول، أو كان رقيقاً يُحزن القلوب، ويَستغزِر العيون".

ماذا لو علم الجمهور حين يكبر سنُّه ويزداد علمه أنّ كثيراً مِمَّا قيل لا صحة له؟ وكيف سيكون ذلك الداعية في عينه بعد معرفة كثير من الأغاليط التي كانت تسوّق باسم الدعوة؟

4-   هزل الدعاة!

يرى كثير من المتابعين للبرامج الدعويّة أنّ المُزاح والمرح وغِياب الجِديّة قد غلب على كثير من العاملين في الحقل الدعوي، حتّى صارت أحاديثهم تأخذ طابع إضحاك الغير فحسب، مع وقوع بعض الدعاة بنوعُ من التنازل والتساهل وصارَ حديثهم فيه ابتذال لا يليق، بله العفويّة في طريقة حديثهم واستخدام بعض العبارات التي تحتاج لضبط وذوقٍ أياً كانت جهة التواصل!

بعض الدعاة لهم وجهة نظر أنهم يُبعدون عن أنفسهم تهمة العبوس في وجه الناس، وتقطيب الجبين، ودوام الحديث عن الترهيب فحسب، فننقلهم إلى الترغيب خاصّة مع كثرة الهجمات على الدعاة والمُصلحين، وهو ما يتطلّب أثناء مخاطبة الجمهور شيئاً من التبسّط معهم، ولعلّ كثيراً من نُقّاد الدعاة يرون الأمر مُغايراً لما يرسمونه في أذهانهم بعد حملات تشويههم!

إنّ ابتسامة الداعية، وبسط وجهه، وسماحة خُلقه، وترطيب محاضرته بموقف لطيف يُضفي على أجواء الكلمة أو المحاضرة خروجاً من الرتابة، من الأساليب النافعة، لكن لا أن يغلب على دعوته كثرة المزاح؛ فمن كثر كلامه مع مزاحه كثر غلطه، والجمهور الدعوي عادّة ما يتقلّب مزاجه بسرعة، فمن تابعّ الداعية بعاطفة مادحاً له، قد ينقلب عليه بعاطفة أخرى قادحاً فيه لكلمة لم يُحسن التعبير عنها، ولهذا فإنّ رضا الناس غاية لا تُدرك، وليس صحيحاً أنّ رضاهم غاية قد تُدرك!

على الداعية الذي أراد الخير من خلال تبسُّطه الزائد في مزاحه، أن يعيَ أن كلامه لا يؤخذ بعين الاعتبار، ولا يُنظر إلى ما يدعو إليه بجدّيّة ومسؤولية، بل يُتابع لأجل البحث عن مقاطعه الترفيهيّة فحسب، والمفترض أنّ الداعية لا يرغب أن يكون حظُّ متابعيه ذلك الأمر فقط.

5-   تسويق ينقصه التطبيق!

بعض من يقومون بالعمل الدعوي تستخدم صورته شركات إعلانيّة ليكون مادة إعلانيَّة تسويقيّة، تقدم فكرتها، ثمَّ تمارس حياتها بشكل آخر غير ما كانوا يتحدثون به في برامجهم من جماليات الأخلاق وسمو الآداب الإسلامية.

إنّهم بنظر الكثيرين قدوات في المجتمع، فيستمعون لبرامجهم، ويُتابعون حساباتهم الاجتماعيّة، وينشرون ما قاله الداعية عبر التقنيات الحديثة المعاصرة، ولكن ما قاموا به من تذكيرهم الآخرين بفضل الخلق الحسن في التعامل مع الناس، هل تُراهم يُطبّقونه في واقع حياتهم؟!

يقول بعضهم نرى داعية بطلّة بهيّة وابتسامة مشرقة، أو نرى الآخر في صورة من التأثر والزهد وسكون النفس، لكنّ أثناء التعامل معه يختلف الحال، فنرى فيه غرائب الأطباع، ونزق الخلق، ولؤم النفس، والأنانيَّة المفرطة، والغرور والتماهي مع الذات، والكِبْر، وحينما تسمع هذا قد تظنّ ذلك تحاملاً على الداعية، ولكن ما إن تسمع هذا من عدّة مصادر وأعراق وأجناس، نعلم فعلاً أنّ هنالك فجوة بين التنظير والتطبيق.

إنّها أزمة قد تجعل بعضهم يُصاب بالفتنة في دينه، حين يعدّ ذلك الشخص قدوة له وأنموذجاً في الخُلُق، وبعد أن يُعامله أو يخوض معه في قضايا خاصّة، يجد خلاف ذلك، وهو ما يؤدي ببعض الناس لاتخاذ موقف مضاد للدعاة بشكل عام، فليس الكل يستطيع الفصل بين داعية أساء وداعية أصاب، أو بين خطأ الداعية، وأصل الدعوة الدينية الإسلامية.

6-   دعوة مُترفة:

الدعوة إلى الله جهد عظيم، وشاق، ومُتعب، ومُضنٍ ومُنهك، ولهذا يتطلّب قياماً بالليل وعبادة، وانتصاباً في محراب العبوديّة، ليكون ذلك مُعيناً للداعية على القيام في النهار للدعوة إلى الله تعالى، والصبر على الأذى، وهذا يتطلبّ التحمُّل للمصاعب والمشاق والصعوبات والعراقيل التي تواجه الداعية إلى الله.

نلحظ أنّ بعض العاملين في النطاق الدعوي يعيشون حياة مُخمليّة رِخوة، تُعنى بمزيد من الترف والتلذذ بمتاع الدنيا، وطلب الكثير من الامتيازات أثناء السفر في الدعوة إلى الله، أو في المحافل الدعويّة التي يرغب حضورها، واستمراء ذلك سيجعل الدعوة عبارة عن ترقيات خاصّة، ومكاسب دنيويّة، وهو ما سيُضعف الأداء الدعوي، لحرص الداعية على المظهر لا الجوهر، والترف يُضعفُ الجهد، بل يجعلُ الشخص يتطلّب المزيد من مُتع الدنيا، بحجّة أنّه في رحلة دعوية، ومن كان كذلك، سيضعف خِطابه، ويقلّ نظره، ويتقلّصُ فكره!

ولقد لفت الإمام الشوكاني لفتة نفيسة عند قول الله – تبارك وتعالى }إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِـــم مُّقْـتَدُونَ{ فقال: }وخصص المترفين تنبيهاً على أن التنعم هو سبب إهمال النظر{.

فجدير بالمرتحِل دعوياً أن يتهيّأ للزاد الدعوي، ويأخذ ما يُعينه على ذلك، دون مُبالغة، لهذا كان من المُحتّم نظرياً وفكرياً تهيئة الرواحل الدعويّة من خلال العيش في أجواء تربويّة قبل التصدّر للدعوة، فإذا كان قد انعدم في نفس سالك طريق الدعوة العيش في الجو التربوي الشرعي، فسيتأثّر كثيراً بمغريات الحياة ومُلهياتها؛ فالجانب التربوي ينمي للداعية عدَّة نوازع خيِّرة، من قبيل الإخلاص لله، وهضم الذات، والتقليل من عرض الأنا، والتماس العذر للآخرين، وأجواء الإيثار والتسامح والإخاء، مع ما يمسّها لتُقاسي الصعوبات والمتاعب والتخشُّن والبعد عن الترّفه والتنعُّم، فالرحلة الدعويّة ليست رحلة استجمام عائليّة، بل خروج من زينة الدنيا وزخرفها إلى دعوة الناس لله والدار الآخرة، ومن أراد أن يدخل في الدعوة، فلينظر في سنن الأنبياء ومنهجهم ليعلم كيف اصطفاهم الله، حتّى يكون من المُصطفين عنده، فالله تعالى يقول: }اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ{.

إشـكـالـيــات فـي واقــع الــدعـــــاة! (2)