7- شهوة الشهرة، وكثرة الأتباع!

الانصباب إلى الشُّهرة العلنيّة، محرقة في أتون الشهوّة الخفيّة.

من أحبّ الشُّهرة نالته من الناس نُفرة!

حبّ الظهور يقصم الظهور!

إنّ الجاهُ والشهرة، والتصدُّر، والظهور، أمراض أثّرت في غرس بعض الدعاة ففسد زرعهم، لأجل شهوة خفيّة مُندسّة في النفس يُذكي أوارها الإعلام المعاصر، وما أسرع تقلّب القلوب، وأضعفها عند ملاقاة الناس، فلربما وقع أحدُنا في تطلّب المزيد من المُشتركين في حساباته ولقاءاته، ويتطلّع لعدد المُعجبين، ويقيس نجاحه لأجل ذلك، وكثرة من معه ويُتابعه ويُلاحقه، وقد يُغري نفسه أنّ ذلك لأجل الدعوة ونشر الخير، ولكنّ نفسه تُغويه وتُضِلُّه وتُزيّن له سوء عمله، وتنقلب النوايا إلى مطالب دنيويّة أو مكاسب شخصيّة.

إنّ القلوب كالقدور تغلي مراجلها، وكم كان مُراد المرء إخبار الآخرين لما يفعله، لا لأجل تشجيعهم على الخير، بل لإظهار الذات وإبرازها، لعلّ الناس يرضون، وماذا سينفع ذلك كلّه إن لم يرض الله عن تلك الأعمال؟

إنّ من أسرار شهرة كثير من أهل الخير، صدقهم مع الله وإقبالهم عليه، فكتب الله لهم القبول في السماء والأرض، ونحسب أنّ من أبرزهم إمام أهل السنّة والجماعة أحمد بن حنبل – رضي الله عنه – فقد جاء في سيرته رغبة عن الناس ونأياً عن الانخداع بتجمُّعهم عليه، حتّى نقل عنه المروزي أنّه قال: "إني أرجو أن يكون يُدعى لك في الأمصار فقال: يا أبا بكر! إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس".

إنّ أيّ عمل أتقنه المرء ولم يكن هدفه منه سوى (الشُّهرة) و (السُّمعة) و (المفاخرة) أمام الناس وعند المجتمع، قد ينال بُغيته منه، لكن ستنطفئ شعلته بعد زمن قليل، ولا يذكره أحد في حياته، وفي الأغلب أنَّه سيموت ذكره بعد موته.

وكلُّ عمل صالح مُتقن قصد فيه المرء ربَّ العالمين، فإنَّ الله تعالى يُيسِّر له من يذكرُ عمله، ولو بعد موته بمئات السنين، فتلك الزيادة الربَّانية لعمله في الدنيا، عدا الأجر الذي سيناله الشخص في الآخرة، وتأمَّل قوله تبارك وتعالى: }من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب{.

إنّ مقياس النجاح الدعوي الصدق والإخلاص ومطابقة المتابعة لسنّة رسول الله، وليس مقياس نجاح الداعية إلى الله كثرة عدد الحاضرين له، أو المادحين له، أو المُتابعين له في حسابات التواصل الاجتماعي، وإن كان ذلك بالطبع سيُحفّزه على فعل الخير دوماً، لكنّ المقياس الحقيقي: ماذا فعلت الدعوة بقلبه؟ وهل وجد طعم الراحة وشعر بحلاوة الإيمان وذاق الحياة الطيبة، وعاش الأنس بالله بعد ذلك؟ وهل شعر أنّه بذاته قد تأثّر من دعوته التي يدعو بها إلى الله؟ وهل كانت أعماله الدعويّة الكثيرة التي يقوم بها لأجل الدعوة إلى الله أم الدعوة إلى النفس؟

دونكَ هذا الموقف العظيم الذي يتحدّث فيه الإمام عبد الرحمن بن مهدي، إذ يقول: كنت أجلس يوم الجمعة في مسجد الجامع فيجلس إليَّ الناس فإذا كانوا كثيراً فرحت وإذا قلوا حزنت، فسألت بشر بن منصور فقال : هذا مجلس سوء لا تعد إليه. قال فما عدت إليه! فما أجمل تعاهده لقلبه، والتزامه بنصح شيخه.

صحّ في الحديث عند أحمد والحاكم عن أبي الدرداء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما طلعت الشمس قط إلا وبجنبتيها ملكان يناديان، يُسمعان من على الأرض غير الثقلين: أيها الناس: هلموا إلى ربكم، ما قل وكفى، خير مما كثر وألهى".

وكم في القلّة كفاية، وكم في الكثرة لهو حسرة!

وحري بكل داعية إلى الله أن يقف مع سورة التكاثر، حيث قال تعالى: }ألهاكم التكاثر * حتّى زرتم المقابر{ فمن كثرة الانشغال بالتكاثر قلّ العمل، وأتى الأجل، فحانت ساعة الدفن في المقابر!

لهذا يُنبّه الإمام ابن القيم على خطورة الانشغال بالكثرة فيقول: "التكاثر في كل شيء، فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية، فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال، ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثراً أو تفاخراً، وهذا أسوأ حالاً عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابهما".

إنّ كثرة الناس حول الداعية الصادق، تدعوه للمزيد من تجريد الإخلاص لله، ومن ثَمّ إحسان العمل وإتقانه أمام الناس، ولا يغتبط بالكثرة؛ فكم من داعية لم يجتمع حوله إلاّ قلّة، تراه قد سَبَقَ من اجتمعت حوله الجماهير! فالله مُطّلع على النفوس، ويعلم تفاضل ما في القلوب، وإذا كان يقع بين الأفاضل ممّن يسبق ذكرهم عملهم، فقد يقع لبعضهم قلّة في المعين والناصر، إمّا لفساد قلوب أولئك المدعوين، حيث لم يُرسل لهم إلاّ الداعية الصّبور على أذاهم، وإمّا لحكمة يُريدها الله تعالى في عدم هدايتهم، ولهذا نلحظ أن نبيّ الله نوحاً عليه الصلاة والسلام، كان من أولي العزم من الرُّسل، وقال تعالى عن دعوته وأتباعه: }وما آمن معه إلاّ قليل{ بينما القرية التي أرسل لها نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام، آمنت بعد أن ظنّ استحالة إيمانهم، وقد كانوا كثرة جداً في ذلك الوقت، فقد قال تعالى: }وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتّعناهم إلى حين{.

إنّ المؤشّر الاستفادة من ذلك أنّ من هداهم الله تعالى على يد الداعية لا يعني أنّه أفضل من داعية لم يهدِ الله على يديه إلاّ قلّة، أو أنّ من هُدي على يده قلّة لم ينجح في دعوته؛ فالله تعالى هو المُطّلع على القلوب، ويعلم من هو الأفضل في القُربِ إليه والتزام طاعته، وإن كانوا جميعاً من أهل الفضل والمنازل العالية، ومن جميل ما يُمكن ذكره في هذا الموطن ما قاله الإمام ابن تيمية :"فإن الأعمال لا تتفاضل بالكثرة، وإنما تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل" مجموع الفتاوى 25/282.

8- انكفاء عن واقع الناس!

بعد إخفاق كثير من الثورات العربيّة، صارت هنالك حالة انطواء عن مخالطة الناس ودعوتهم، في كثير من الدول العربيّة، وصار عدد من الدعاة المهتمين علمياً يكتفون بالجلوس في ما بينهم باجتماعات ومجموعات خاصّة، وينصرفون عن معايشة الهمّ العام الجماهيري، وتوجيهه بحجّة الانشغال بالدعوة الالكترونية، ولربّما تأثراً بالأحوال السياسيّة والظروف المتاخمة لها..

وعلى كلّ حال فالاكتفاء بالدعوة الالكترونية، والإعلام الجديد على أهميّته، ليست من طموحات العمل الدعوي المُعاصر، فلئن كانت الدعوة في الواقع الافتراضي مهمّة، فإنّ ترتيب مجالسة الناس ومخالطتهم والتأثير عليهم قدر الإمكان وبما يُحقّقُ حماية الحضور الدعوي من بذل الأسباب النافعة، أفضل من مُجرّد الاكتفاء بهذه الوسائل التقنيّة، التي قد تكون وسائل تخديريّة للداعيّة فيكتفي بها عن مخالطة الناس، ودعوتهم، وخاصّة أنّ هذه الوسائل لا تنقل سوى المكتوب أو المرئي، مع أنّ هنالك ما هو أعمق أثراً، من تلاقي الأرواح ومجالسة الناس بعضهم بعضاً بأجسادهم.

إنّ الإدراك للحراك الدعوي بين مجتمعات الناس ومنتدياتهم على أرض الواقع، مؤثّر للغاية، ويفوق ما يتصوره بعض الدعاة من تقنيات التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائيّة؛ فالتوسُّع الدعوي بسببها سيصل للكم الأكثري من مُسْتَقْبِلِيْ الخطاب الدعوي، لكنّ الكيف الدعوي والكُنه الذي يستشعر حقيقة التأثير على القاعدة الدعويّة ويفهم معانيها، لن يصل إلا بالتواصل الروحي الحقيقي فتأثيره ونتائجه أعظم من تأثيرات التواصل الاجتماعي، فذبذبات النفس وتلقائيّة اللقاء، والجانب الحي الروحي في ما بين الطرفين، سيؤثر تأثيراً أكثر من التواصل الرمزي الافتراضي؛ فكيف إذا اجتمع مع العمل الدعوي عمل تربوي وتعليمي ؟

ولا يغيب عن الذهن كذلك أنّ نمذجة مواقع التواصل الاجتماعي وأصل تأسيسها لإبراز ما يخطر في ذهن الشخص ليتواصل مع الآخرين شعورياً واجتماعياً، أكثر من كون الناس تستقبل أو تستفيد مِمّا فيها، وصار مدى الكم الهائل من المنشورات يجعلهم يعيشون سُرعة العرض لا الأناة في التلقي والتقبل، وهذا بخلاف الدعوة الفرديّة، أو الدعوية التربوية، أو الدعوة الجماهيريّة التي يلتقي فيها الناس مع بعضهم، ويستفيدون في أجواء مُخصّصة لذلك بعيداً عن المُلهيات الأخرى.

إنّ مشهد الدعوة الرسالي الذي قام به الأنبياء، وما كان عليه الجيل الأول والرعيل الذي قام بنشر رسالة النُّبوّة من الصحابة والتابعين، يجمع بين العزلة والخلطة، فهم يخلون مع أنفسهم ويعتزلون الخلق لتأديب النفس وتهذيبها، كما يقول عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه – :"خُذوا بِحظّكم من العُزلة" (رواه وكيع في الزهد) إلاّ أنّهم يعلمون أنّ دين الإسلام دين حَرَكِيٌّ عملي يكره السكون والكمون والانطواء والانزواء، فكما فهم الصحابة الأخذ بالعزلة أحياناً، فقد فهموا ضرورة الاختلاط بالناس لتعليمهم ودعوتهم وإعانتهم مع التوقي والتحفظ أثناء مخالطتهم، كما كان يقول ابن مسعود رضي الله عنه : "خالطوا الناس وزايلوهم وصافحوهم ودينكم لا تَكْلِمُوه".

9- كسل العمل وتقاعس النفس:

يُختار بعضهم للعمل الدعوي فضل الوقت لا أفضله، مُكثرين من الأمل تقديماً على العمل، مُسوّغين الكسل لسوء المحل الدعوي، وانتظار الفرج، وعقليّة الترقب والانتظار لجديد قادم تنفرج به الأمور بعد مصاعب الظروف التي تعيشها الأمّة المسلمة حالياً، حتّى أنّ بعضهم يُصرّح أنّه قد يأس من الإصلاح، وأصيب بإحباط بعد الظروف التي عاشتها الأمّة، فانكفأ على مشاريعه الخاصّة!

غير أنّ حركة النفس الدعوية الجادة ترى أفضل واقع لها في مجال الدعوة، هو واقع العوائق والعقابيل التي تُواجه الدعوة إلى الله؛ فمن الأزمات يحسن التخطيط للعمل القائم على صدق المنهج والصبر على الطريق ودوام الثبات بهمّة ذات إقدام وحركة أقدام؛ فالنفس العاجزة المترددة لا تصنع للواقع الدعوي شيئاً، والنفس الساكنة الكامنة لن تُغيّر من سلبيات الحاضر، بل ستضيف له سلبيات أخرى بدعوة ذات فكر ساكن قائم على التوهق لا التوثق!

وآخرون يُحبّون الدعوة لكنّهم يعدُّون العمل للدين شيئاً تحسينياً تكميلياً على حسب الراحة والفراغ، فإن حصل ذلك قاموا به، وهذا يحصل كثيراً مِمّن يمتلك بعض الأدوار الدعويّة التوجيّهية المؤثّرة، فتراه لا يتحرّك للعمل الدعوي إلاّ بدفع ورفع ونصائح من حوله لبذل النفع، فروح المُبادرة لديه مفقودة، ولربّما حصلت له مواقف أثّرت على شخصيّته أثناء دعوته فانطفأ سراجه، وانكفأ على نفسه.

ولربّما لا يتحرّك إلا من خلال الجماعة أو الحزب أو الحركة التي ينضوي تحت خافق رايتها، فإن تحرّكت تحرّك وبحرقة، وإن سكتوا سكت ونظر لغيره أنّ عطاءه لا يُثمر، وبرّر الجلوس والسكوت والضعف، مع أنّ بإمكانه العمل الدعوي الفردي، وتنمية التربيّة الشبابيّة بعدّة صور وأشكال، فطرق الدعوة وأشكالها لا تنتهي حتّى الموت، بل الداعية يحسن به العمل حتّى لما بعد الموت لمن أحسن التخطيط في العمل لآخرته وقدّم مشروعاً ناجحاً لدنيا الناس، وبينما هو مع الأجداث الميتة قد بَلت عظامه تتساقط بحار الحسنات من أعماله الصالحة تصيب روحه بِبِلالِها!

إنّ منطلق العمل الدعوي القيام بروح المبادرة فهو عامل التغيير، وهو الذي يُكسب الداعية الفرصة، حتّى لا يكون الواقع الذي يُعايشه يتعامل معه بالانفعال أو ردود الأفعال، أو يكون واقعاً مفعولاً به من الحركات الدعويّة الهدّامة، بدلاً من أن يكون هو به فاعل، وهذا يقتضي أن يزرع الداعية روح الفأل في داخله، ويُثمّرها مع الأيام، ويبتعد عن كل ما يدعو إلى التشاؤم، بل يأخذ قبساً من روح المُبادرة والإرادة والعزيمة من قصص الأنبياء والمرسلين، بل من قصص الصالحين المُناصرين لدين ربّ العالمين، كما في قوله تعالى: }وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ{ [يس: 2] فالسعي فيه معنى المسارعة والمسابقة، ومن يُريد القيام بالدعوة فهو من أهل الخير، فتراهم سبّاقين لغيرهم في مسارعتهم كما قال تعالى: }أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون{، ومن تطّلب من الناس تغييراً من الحال وهو بذاته لم يتغيّر دعويًاً بأي حال فكيف سينصلح الحال؟ لهذا فإن عمل الآخرون عملاً باطلاً، فليُظهر لهم الداعية العمل الصالح، ويصدح بذلك، ولو خالفوا عمله، وسوف تكون نتائج ذلك مختلفة عمّا يتوقعه الناس: }وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ{ [هود: 93].

10- تقزيم التفكير في العمل الجماعي:

من المفاهيم الدعوية الصحيحة القول بـ: (ضرورة العمل الجماعي) إلاَّ أنَّ قصر هذا المفهوم على كونِه داخل جماعة معروفة أو حزب إسلامي مُعيَّن فحسب، واعتبار ما عداه من عمل جماعي لا ينتمي للحركات أو الجماعات الإسلاميَّة الكبرى وتصويره بأنَّه عمل مصيره الحرث في البحر، أو الكتابة في الهواء، فهذا المفهوم فيه تضييق بل تسطيح لمفهوم العمل الجماعي.

مفهوم العمل الجماعي يكمن في اجتماع عدد من المُصلحين على غاية شريفة لتحقيقها في أرض الواقع، التزاماً بقوله تعالى: }وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان{، وكل من كان كذلك فإنَّه يقوم بالعمل الجماعي.

وقد يكون العمل الجماعي داخل مؤسسة أو مركز أو جمعية أو إذاعة أو قناة فضائية أو مجلة أو بنك أو صحيفة أو منظمّة وغيرها، فكل ذلك عمل جماعي فضيل، فليس من شرط العمل الجماعي دوام كونه في منظومة حزبية معروفة منذ زمن، فاجتماع عدد من أهل الفضل والدعوة على الخير عمل جماعي، قد يؤتي ثماراً يانعة.

لقد تعاظمَ دورُ الأجهزة الأمنيّة الغاشمة، وصارت تُحاكم كثيراً من العاملين للإسلام بجماعاتهم وأحزابهم، وهذا يستدعي تغيير مسار التحرُّك في العمل الدعوي، فالحزب الدعوي أو الجماعة الدعوية ليست في النهاية قبيلة عائليّة يستحيل انفكاك الشخص عنها لأنّه يجحد أصله، بل تيكَ إطارات تجمع وتحوي عموم المنضوين فيها، وهي وسيلة لغاية الدعوة إلى الله تعالى، فإذا سِيمت بخطّة خسف، فليس من واجب العمل للدين البقاء تحت ذلك المسمّى الذي عُرفت به، بل من الواجب دراسة التجربة وتعديلها وتصحيحها، ودراسة الأخطاء الفكرية والشرعيّة التي وقعت بها، فالله تعالى لم يتعبّدنا بطريقة أو باسمِ جماعة للعمل لهذا الدين بل طلب من عباده أن يعملوا بما يُحقق المصالح ويزيل المفاسد.

11- بزنس الدعوة!

في عصر سُعار التسوُّق، والإقبال على الاستهلاك، وتغوُّل الرأسماليّة في تفاصيل كثير من حياتنا، دخلت ساحة العمل الديني، حتّى أنّ الكاتب الفرنسي "باتريك ميشيل" جعلها علاقة استهلاكية رأسمالية بالدين!

وبِحقٍ فالأوساط الدعوية بحاجة لوقفة مراجعة جادة فقد دبّ فيها شيء من هذه التنميطات، حتّى صارت الدعوة لدى بعضهم عبارة عن مشروعات شخصيّة، عرض وطلب، وبيع وشراء، وتجارة واستثمار، وتصير الكلمة الدعويّة ممتزجة بالطعم المادي، وقد يتربّح منها بعضهم مبالغ طائلة، تجعل الفقير منهم بعد سنين غنياً!

وكم ضعفت نفوس كثير من الخلق أمام المال إلاّ من عصمه الله، فتكون مهنة تجلب لهم الكثير من الربح والمال الوفير، ولو كان هذا تفرغاً منه لتقديم البرامج النافعة، وبقدر مُحدد يكفيه حاجته، لاختلف الحال إن على الموقف الفقهي أو المستوى العُرفي الدعوي.

ومن تتبع سير الأنبياء والمرسلين وجد أنّ عدم سؤال الأجر، يقرنونها مع حثّ المدعوين على عبادة الله وحده، وعدم سؤالهم الأجر منهم، لكي لا يشعر المدعو أنّ الداعية يتكسّب من خلف دعوته! لهذا يقول تعالى: }أم تسألهم أجراً فهم من مَغرمٍ مُثقلون{ والآية استفهام بمعنى النفي، فمحمدٌ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يسأل من يدعوهم إلى الله ويُبلّغهم رسالته الأجر، لأنّه لو فعل ذلك فسيُعرضون عن دعوته، فهم من أي شيء يتبرّمون ولا يرغبون أن يتحمّلوا أي تكلفة لسماع صوت الدعوة.

وهذا مبدأ يحسن بالدعاة العلماء مراعاته، فخطوط الفتوى مدفوعة الأجر، ونشر آيات وأحاديث وأدعية بصوت الداعية بمقابل مادي، واختلاف الدعاة مع بعض القنوات حين يعلمون أنّ آخر يأخذ أكثر منهم، أو حصريّة دعوة الداعية في قناة لقاء مقابل مادي، ورفض بعضهم تلبية الدعوة لعدم جمال المكان وفخامته، أو إعراضه عن المُحاضرة إن علم قلّة الحضور، أو مطالبته بأفضل خدمات السفر من حيث الدرجة الأولى، والفندق الأفضل، وغيرها من الأشياء...

هذه الأشياء وغيرها، ستؤثر قطعاً في قبول الناس لدعوة الدعاة، خاصّة إذا ارتبطت الدعوة بمصالح الداعية الشخصيّة، فسيؤثر على سمعته، فالتعفّف من أموال الناس مبدأ الدعوة الإسلاميّة، وهو ديدن الأنبياء والرسل، وهو الذي جعل دعوتهم تنتشر، بل إنّ الدعوة انتشرت في كثير من مصاقع البلاد، بسبب حسن خلق التجار، وبذلهم الخير من أموالهم للناس، لا طلبها منهم.

إنّ تملُّك قلوب الناس يكون بالزهد في دنياهم، وما أجمل الحكمة النبوية التي قالها رسول الله في حديث حسن الإسناد: (ازهد بالدنيا يُحبُّك الله وازهد بما في أيدي الناس يُحبّك الناس) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فإذا شعر الحضور أنّ الداعية يقوم بتسليع الدين ويتكسّب من الأموال حتّى تتكدس عنده، فسيُضعف ثقتهم به، بل يعدمها إن شعروا أنّه يتكسّب ويجمع ثروة من دعوته.

ومن أراد العمل في الدعوة فقد دخل في أعظم سوق تجاري، يربح المرء منه ما لا يُعدُّ ولا يُحصى من الأجور بالقراريط، وقد ورد عند الدارمي وابن أبي شيبة بسند صحيح أنّ ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا أَلْبَسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ وَيَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً؟ فَإِنْ غُيِّرَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ" قَالُوا: مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: "إِذَا كَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ".

وقد أدرك العلماء الربّانيون ذلك تربوياً وتطبيقياً فقد قال فُضيل بن عياض: "لأَن آكل الدُّنيا بِالطَّبل والمزمار أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَنْ آكُلُهَا بِديني".

وأدركوه فقهياً فجمهور أهل العلم على عدم جواز الاستئجار على القُرب الدينيّة، ولهذا يقول ابن تيمية: "والفقهاء متفقون على الفرق بين الاستئجار على القرب وبين رزق أهلها، فرزق المقاتلة والقضاة والمؤذنين والأئمة جائز بلا نزاع وأما الاستئجار فلا يجوز عند أكثرهم" مجموع الفتاوى ٣٠/٢٠٦.

وما دامت الدعوة والفتيا من القُرَبِ فإنّها مناصب ذات تبليغ عن الله ورسوله، فلا تجوز المعاوضة عليها.

وقد يغفل بعض الدعاة إبّان دعوتهم في أجواء التكسُّب المادي، عن سريان الضعف في عرض مبادئ الدين وعقيدته فيضعفون عن مواقف الثبات والصلابة في الدعاية إلى الدين، والتركيز على عرض الدين كقِيَم ومُثُل وأفكار، يُمكن أن يأخذ المستمع منها ما يُريد بحسب بُغيته ليُطبّق ما هو مقتنع به لا بما يجب عليه أن ينضبط به ويستسلم له، مع الترويج الدائم بين كل فقرة وأخرى بعبارات الوسطية، والتسامح، والتيسير، والحريّة، والإفادة من الحالة الفردانيّة في عمليّة نصرة الدين، فإذا أردنا النصر فلنصلي الفجر، وإذا أردنا مقاومة المحتل فلنصم، وإذا أردنا أن نتعامل مع مآسي المسلمين فليس إلاّ الدعاء...!

وليس المراد من ذلك التقليل من الاهتمام بالصلاة والصيام والدعاء، لكنّ عرض منظومة الإسلام، كحالة شعائريّة مظهريّة تعبُّديّة، بعيداً عن الحديث الجاد للنهوض بالأمّة بسائر أنواع النهوض الجماعي والتغيير التربوي والإصلاح السياسي والمقاومة الجهادية، كل ذلك سيُحدث حالة من التدين الخاص مِمّا سيتيح المجال لتمدد الأفكار العلمانية...!

قال ابن القيم رحمه الله: "كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه في خبره، وإلزامه، لأن أحكام الرب - سبحانه - كثيراً ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيما أهل الرياسة، والذين يتبعون الشبهات، فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق، ودفعه كثيراً فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات، لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق، ولا سيما إذا قامت له شبهة، فتتفق الشبهة والشهوة، ويثور الهوى، فيخفى الصواب، وينطمس وجه الحق، وان كان الحق ظاهراً لا خفاء به، وقال لي مخرج بالتوبة وفي هؤلاء وأشباههم قال: }فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات{.

12- قلّة اكتفاء الدعاة معيشياً !

هنالك عدد من أهل الدعوة الذي جمع الله لهم شيئاً من التأصيل العلمي وسداد المنهج وحُسن التأثير، لكنّهم لا يستطيعون القيام بالعبء الدعوي لقلّة ذات اليد، وهو ما يستدعي منهم الإقبال على طلب الرزق للاكتفاء الذاتي مالياً ومعيشياً، وبما أنَّ الدعوة العلميّة بحاجة ماسَّة لنوع من التفرغ، للابتعاد عن التشتت الذهني والشّعث النفسي، فكان من الواجب على المُحسنين الصالحين، أن يُفرّغوا الدعاة للعمل الدعوي، أو أن يندرجوا في مؤسسات تقومُ برعاية مشروعات دعوية، ويُساهم من خلالها الداعية بالعمل مع راتبٍ يكفيه ذاتياً عن القيام بأعمال تستغرق وقته كلّه.

فكم من أعمال دنيويّة استغرقت أوقات الدعاة، هذا مع قلّتهم في واقعهم، وقد يكون مقابلها ضئيلاً وهو ما يتطّلب منه أن يعمل عملاً آخر للاستقلال المادي، وبهذه الحالة لن يتبقى للدعوة سوى فضول الوقت، ولا يُكلّف الله نفساً إلا وسعها، وسعي الأثرياء في سداد عيش الدعاة بما يُمكِّنهم من العمل الدعوي وحسن اختيار الدعاة الصادقين في ذلك، وشهود مشروعاتهم لهم بما يقومون به، خيرُ يُقدّمه الداعية والثري لخدمة الأمّة وليس لخدمة واحدٍ منهما الآخر، ففي ذلك القيام ببناء الأمم.

13- فساد التربية الدعوية بالوجهة السياسيّة:

تحكيم الشريعة في واقع المسلمين عقيدة، ولا يتمُّ ذلك إلاّ بواسطة إمامة المسلمين بسُلطة ذات سياسة شرعيّة، فعلى المسلمين القيام بكل ما من شأنه إعادة السيادة للدولة الإسلامية المُستقلة بقراراتها، حتّى يكون الدين كلّه لله.

لكنّ التربية الدعوية التي تُؤسس هدفاً في عقل المُتربي يدورُ غالب كلامهم عليه، وهو قصد الوصول إلى البرلمان أو الحكم السياسي والسعي إلى الانتخابات، ستنتهي لحركة سياسية فحسب، وتتقاصر بها الهمم لاحقاً في الدعوة والعلم والتربية الإيمانيّة.

وطالما وجدنا كثرة منهم قد استغرقت مجالسهم الأحاديث السياسيّة، فبدلاً من التوازن في ذلك، صارت متابعة الأخبار السياسيّة، تأخذ نصيباً كبيراً من وقتهم، ويؤثّرُ ذلك أكثر حينما يدخل عدد من الدعاة المؤثّرين على الساحة الدعويّة في سلك العمل السياسي المُعاصر، وليس لديهم خبرة سياسية كافية، ومعرفة بدهاليزها وأسرارها، فترى عملهم الدعوي يخفت كثيراً، ولا يكون هنالك أداء حقيقي.

والقصدُ هنا الدعوة إلى التمايز بين العمل الدعوي والعمل السياسي، لكي لا يؤثِّر على الدعوة وكأنّها دعوة تسعى لمناصب سياسية فحسب، ولا يأخذ ذلك العمل من وقت الدعاة المؤثّرين، أو أن يتحدّثوا في أشياء لا يعرفون طبائعها ونظامها وليسوا من أهل تخصصها، وحفظاً للمُكتسبات الدعويّة حتّى إن حصلت هنالك ضربة أمنية قاصمة لا يُودع أغلبهم السجون، وتخلو الساحة للجهال والمتملقين.

نعم! من الضرورات الدعوية أن يُشارك العالِمُ والداعيةُ هموم المسلمين، ويتحدَّث عن قضاياهم الاجتماعية والسياسيَّة، وإن كان لديه عمق في التحليل السياسي، والبعد الاستشرافي لمستقبل الأمَّة، فعليه ألاَّ يبخل بذلك.

لكنّ مجال أهل العلم والدعوة ليس بخوض المعترك السياسي بأنفسهم، والقبول بالمناصب السياسيَّة، خصوصاً مع قلَة العلماء والدعاة في كثير من الدول العربيّة والإسلامية فبلادهم بحاجة إلى علمهم ودعوتهم، وقد تتأثَّر الدعوة بوجودهم في تلك المناصب السياسيَّة، ويتقزَّم أثر الدعوة، ويقل نشر العلم!

فليخض العمل السياسي بعض طلابهم النجباء ممن لديهم خلفية دينية ومعرفة سياسية، وليستفيدوا من رأي العلماء الذين جمعوا بين المطالعة الشرعية والفكر السياسي.

لكنَّ تفرُّغ العلماء والدعاة للدعوة والتعليم والتوجيه وإفتاء الناس، ومعايشة هموم الناس بكل تجلياتها أفضل من دخولهم لمستنقع السياسة الذي لا يُبقي ولا يذر من وقتهم شيئاً للدعوة والتعليم، وحديثُ كثير منهم عن الواقع السياسي وترك الكثير من المواقع التي تحتاج لكلمة ومعالجة فيه تجنٍ على مستقبل الأمّة، والسياسة من الدين لكنّها ليست كُلّ الدين، فهنالك أشياءُ كثيرة تحتاجها الأمّة المسلمة علماً وتعليماً وتربية ورباطاً وجهاداً في سبيل الله، ومعها التوعية السياسيّة، يحصل بذلك التوازن والتكامل والشموليّة.

14- ضعف العناصر الإدارية:

من مشكلاتنا الدعويَّة التي نُعاني منها: (ضعف العناصر الإداريَّة) وقلَّة القدرة على القيام بأعمال دعوية وتربوية قد خُطِّط لها تخطيطاً جيداً ونافعاً ومستمراً بعيداً عن الفوضى والعشوائيَّة...

والعمل الدعوي الذي يُراد منه التوسع والانتشار في مجتمعاتنا، مع المثابرة والحرص والمراقبة والمحاسبة والمتابعة الإدارية... لا بدَّ أن يقوم به أناس من أهل الفضل والاستقامة، لديهم قدرة إدارية، لا أن يقوم بذلك المشايخ والدعاة أنفسهم، وهو ما يشغلهم عن حمل الهمّ الدعوي، ويُفرّق التفكير، وقد تحصل أخطاء إدارية لقلّة الخبرة، وضعف الكفاءة، والأصل أنّ من يقوم بذلك يكون له صلة مع أهل العلم والدعوة، لاستشارتهم ومعرفة خُططهم الدعويّة.

وهنالك مجالات مفيدة، لو أقبل عليها كثير من العاملين دعوياً لأعانوا الدعاة من أهل العلم على تحقيق الكثير من مشروعاتهم، بعمل أقل، وعطاء أكثر، من قبيل (إدارة المؤسسات) أو (تخطيط وتنمية)، ويُمكن بعد ذلك الإفادة من الإدارة الدعوية في مقاومة حملات الغزاة والطغاة والغواة الذين يُفسدون واقع المسلمين، فبحسن الإدارة الدعويّة يعظم دور الإرادة النفسيّة، وحين ضعفت الأمّة وتغوّل الباطنية قام الوزير نظام الملك، بتأسيس مدارس شافعية للتعليم الشرعي، حتى قال الذهبي: هو أول من بنى المدارس في الإسلام، وكان لهذه المدارس أثر بارز في التصدي للأعداء، والتعاون على نشر الفضيلة، بعمل مؤسسي إداري كتبت عنه كتب السّير والتراجم شيئاً مُفيداً.

وختاماً: فالساحة الدعويّة بحاجة دائمة لتقويم التجربة الدعوية، عوامل نجاح الداعية الصادق، أن يقوم بجردٍ لما قام به من أعمال دعوية، وإحصاءٍ للمُهمّات التي قام بها، ودراسة جوانب النجاح، ونقاط الإخفاق، وسؤال الصادقين ممن هم حوله، واستشارة من هو أعلم منه وأسبق بالعمل الدعوي، وكتابة خُطط المستقبل لأداء دعوي أفضل.

وكما أسلفنا سابقاً فإنّ كثيراً من الناس يقيسون مُعدّل النجاح على كثرة المُريدين والأتباع، ومستوى الإخفاق على قلّة المستفيدين، وهذه المسألة قد تؤثر على نفسيّة الداعية، وقد يكون لها حظُ من النظر الصحيح، لكنّها ليست الأداة المعياريّة المقياسيّة لنجاح العمل أو فشله.

بل قد يكون قلّة الحضور سبب لمراجعة الداعية لنيّته، وطرحه، ومكان دعوته، وأساليبها، وقلّة خبرته، وسوء تنظيمه وتخطيطه، وعدم ثباته على منهجية الدعوة، ومزاجيته أحياناً، وكونه قُدوة في فعله، مُحاولاً تطبيق ما يتكلّم به، وقد كان عبد الواحد بن زياد يقول: "ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه وإذا نهاهم عن شيء كان أبعدهم منه".

وعلى الداعية بعد مراجعته لعمله، وتقويمه لأدائه، أن يتفطّن لشيء هو من تمام علمه بالخلق دعوياً إن قُدّر لأكثرهم الضلال، فلا يعجب من عدم هدايتهم، ولا يحزن كثيراً، ولتدبر قوله تعالى: }ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين{، فليُحاول أن يجعل حرصه على دعوتهم موزوناً بميزان الاعتدال حتّى لا يتجاوز حرصه عليهم، ليصل حد الإكراه لهم على قبول الهداية، فإنّ الله هادي القلوب ومُوفّقها ودليل حيرتها، وقد جاء في كتاب الله تعالى: }ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين{.

إنّ المشروع الدعوي مشروع أمّة، لا مشروع دولة، ولا جماعة، ولا أفراد، وكلّ من قام بالمساهمة فيه ولو بقدر يسير بنيّة خالصة وعمل صالح، فلن يُخيّب الله ظنّه بحسنات في آخرته، وبركاته في دنياه، فليُكثر من الدعاء بالقبول من الله تعالى.

والمُرتجى أن يزرع الدعاة إلى الله في قلوب الناس الود والحب، فحين يقع في مساقط قلوب الناس حُبّهم، تراهم يقتنعون بهم ويحترمون أقوالهم، فضلاً عن نُصرتهم، والدفاع عنهم، وتقديم النصح لا الفضح، ويتعاونون وإيّاهم على نشر الخير، ودفع الضر، فيكونون من البقيّة الذين امتدحهم الله تعالى في سورة هود؛ إذ يقول سبحانه : }فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ{ [هود: 116].

والله ولي التوفيق

إشـكـالـيــات فـي واقــع الــدعـــــاة! (1)