- لو اتفقت رؤية سياسيي أهل السنة ومواقفهم لاستطاعوا أن يحققوا من المكاسب لمكونهم.

- الخلاف المذهبي قائم بين المدارس الفقهية والعقدية منذ ظهورها، لكنه بعد احتلال العراق، نخر جسم الدولة.

- نصرة علماء العراق مسؤولية الأمة جميعاً.


العراق بحكم موقعه الجغرافي، وعمقه التاريخي وإرثه الحضاري قبل الإسلام وبعده، شكل الحارس الأمين للأمتين العربية والإسلامية من اختراقات الريح الشعوبية والصفوية، وقاتل في حقب متعددة نيابة عن الأمة وقدم التضحيات للحفاظ على هويتها، وفي كل حقبة يكون للعلماء دور إيجابي وفاعل في الحفاظ على هوية الأمة الإسلامية، وبعد احتلال العراق في عام 2003م ظهرت مؤسسات شرعية كانت خيمة للعلماء ليمارسوا دورهم الإصلاحي الشرعي، معتمدين الاجتهاد الجماعي والتشاور لمواجهة النوازل والمستجدات وبناء منظومة من السياسة الشرعية جمعت بين مقاصد الشريعة في حفظ الضرورات وقراءة دقيقة للواقع والمرحلة التي يعيشها العراق، ومن تلك الواجهات الشرعية يأتي المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء للدعوة والإفتاء الذي اتخذ من جامع الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله في قلب بغداد مقراً عاماً له، ليمثل مرجعية شرعية لأهل السنة في العراق، وهي بلا شك مسؤولية عظيمة في ظل التحديات الكبيرة والمتجددة التي تشهدها الساحة العراقية عموماً وأهل السنة على وجه الخصوص.

وفي ظل التصعيد الطائفي الذي شهدته محافظة ديالى، كان لمجلة البيان هذا الحوار مع الشيخ الدكتور عبد الوهاب أحمد السامرائي المتحدث الإعلامي للمجمع الفقهي العراقي.

البيان: يشهد العراق صراعاً طائفياً منذ دخول قوات الاحتلال وحتى الآن، كيف تقيمون وضع أهل السنة في المرحلة الراهنة؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فشكراً لمجلة البيان على اهتمامها بالشأن العراقي وفتحها ملفات حيوية تتعلق بهذا الشأن، وكذلك لإتاحتها فرصة لنا في تعريف الأمة الإسلامية بما يدور في الساحة العراقية.

وفي ما يتعلق بسؤالكم، لقد كان من مفرزات الاحتلال الأمريكي تعميق النفرة الطائفية وإقامة النظام السياسي على هذا الأساس، فكانت بذرة لما تلاها من صراعات طائفية مذهبية أضعفت النسيج الاجتماعي وشرخت تماسكه.

أما أهل السنة فقد كان تمثيلهم السياسي ضعيفاً، وهو ما جعل تأثير السياسيين السنة ضعيفاً غير متماسك.

ولو اتفقت رؤية سياسيي أهل السنة ومواقفهم لاستطاعوا أن يحققوا من المكاسب لمكونهم ما يدفع عنهم كثيراً من الأضرار والمفاسد، وما زال عند أهل السنة من عوامل القوة ما يمكنهم أن يكونوا طرفاً مؤثراً في المرحلة القادمة.

البيان: شهدت الساحة العراقية العديد من المبادرات لتعزيز السلم وحقن الدماء، هل حققت هذه الخطوات نتائج إيجابية؟

استجابة لقوله - تعالى: }إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم{ مازالت الأطراف كافة تحتاج إلى إصلاح في العلاقة والنفوس والبناء وأما ما ذكر في السؤال عن المبادرات، فقد افتقرت غالبها إلى دعم الحكومة تارة وإلى متابعة تنفيذ قراراتها أخرى، وقد وُلِدَ بعضها ميتاً لأنها كانت تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية هزيلة، ثم كان جُلهّا لا يملك عوامل النجاح لأنها كانت تهمل الأطراف المؤثرة وتبعدها.

البيان: يعتبر المجمع الفقهي العراقي مرجعية شرعية لأهل السنة، ما الدور الذي يقوم به تجاه الأزمات المتواصلة لمحافظات العرب السنة وما تشهده من وضع خطير؟

لقد اضطلع المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء بمهام جسيمة في هذه المرحلة العصيبة ومن أهم أدواره:

- جمع طلاب العلم والدعاة ورصِّ صفوفهم تحت مظلة أبوية تجمع ولا تفرق وتتلطف ولا تعنف.

- تهيئة جيل من العلماء والتدريسيين والمفتين من خلال تكثيف الجهد العلمي والتدريب المتواصل.

- التحرك المستمر لمعالجة مشاكل أهل السنة من خلال اللقاءات مع الجهات الرسمية والوجوه المجتمعية وكذلك القيام بأعمال الإغاثة ومساعدة المحتاجين وإن كان ذلك ليس من صميم عمل المجمع.

- سعى المجمع وما يزال لجمع الجهد السني السياسي والشرعي لتتكامل المساعي وتتوحد في سبيل الخروج من هذه المحنة والأزمة التي تعصف بالبلد عامة وبأهل السنة بوجه خاص.

البيان: يتمتع العراق بجوار عربي وإسلامي؛ فهل من دور لهذه الدول في معالجة الصراع الراهن؟

بإمكان دول الجوار العراقي أن تلعب دوراً إيجابياً فاعلاً لو أرادت، ولكن للأسف فبسبب ضعف العراق وتراجع دوره بعد الاحتلال كان لبعض دول الجوار أثر سلبي في عدم استقراره وهدوئه.

والمرجو من دول الجوار أن تسعى لحفظ وحدة هذا البلد وتعايشه وأمنه لأنه ما لم يأمن العراق فلن تبقى الدول المحيطة به آمنة، فقد أصبح الأمن الإقليمي يرتبط ببعضه، ويتأثر بعضه ببعض.

وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فعلى الدول كافة أن تسعى لأمن العراق واستقراره وحقن دماء أبنائه، كما تسعى في هذا تجاه بلدانها.

البيان: ما طبيعة الصراع الطائفي القائم في العراق اليوم؟

الخلاف المذهبي قائم بين المدارس الفقهية والعقدية منذ ظهورها، دون أن يكون لهذا الخلاف العلمي أثر في الجوانب الاجتماعية والسياسية والأمنية؛ فالعراق يعجّ بالأفكار والفرق والمذاهب منذ مئات السنين لكن لم يكن المذهب يوماً من الأيام سبباً في تسّنم الوظائف والمناصب، لكنه أخذ شكلاً مغايراً بعد احتلال العراق، فقد نخرت الطائفية والمذهبية جسم الدولة، حتى أصبحت المناصب الإدارية والوظائف والوزارات والوكالات تُقسم وَفق المحاصصة الطائفية، دون مراعاة للكفاءة والخبرة.

وهو ما جعل الولاء في نهاية المطاف للمذهب والطائفة وإن كان ذلك يضر بمصلحة البلد عموماً.

ومما يؤسَف له أنه تم خداع عامة الشعب من البسطاء واستغلال عواطفهم وزجهم في هذه الصراعات لتحقيق مكاسب لتلك الأحزاب السياسية، التي تتبنى الخطاب الديني الطائفي المحرّض.

البيان: تشهد بعض المدن مثل المقدادية والفلوجة أوضاعاً إنسانية صعبة، ما الدور المطلوب من المنظمات الدولية لتخفيف المعاناة الحاصلة بين المدنيين؟

نعم لقد عانت كثير من المدن العراقية السنية والشيعية على حد سواء من سيطرة الخارجين على القانون وما تبع ذلك من أعمال عسكرية أهلكت الحرث والنسل، ومن هذه المدن مدينة الفلوجة التي صار معظم أهلها رهائن بيد الجماعات المسلحة التكفيرية بعد أن هرب من استطاع ترك المدينة.

فانهالت على أهلها القذائف والصواريخ بحجة ضرب الإرهاب وهو ما تسبب في استشهاد كثير من أهلها المدنيين بلا ذنب ولا جرم.

أما في المقدادية فالوضع على العكس من ذلك حيث وقعت المدينة ضحية الميليشيات القاتلة الطائفية التي سلطت نيرانها على عباد الله وبيوت الله تعالى، واستهداف أهل السنة فيها بشكل خاص أصبح واضحاً.

أما الدور المطلوب من المنظمات الدولية فهو ذو شقين:

الأول: الضغط على الحكومة لإعادة النازحين والمهجرين إلى ديارهم وقراهم بدل أن يبقوا يعانون البرد القارص والحر اللاهب في مخيمات المهانة والعار، وكذلك حث الحكومة على تجنب ضرب المدنيين الآمنين الذين عجزوا عن الخروج من بيوتهم ومدنهم.

الثاني: إسعاف هؤلاء النازحين والمهجرين من خلال تخفيف معاناتهم في البرد الشديد ببناء (الكرفانات) أو البيوت الخشبية الجاهزة وتوفير ما يحتاجونه من دواء وغذاء على وجه السرعة ففي كل يوم هناك من يموت تحت هذه الظروف القاسية.

ولا ننسى الضغط السياسي الذي يمكن ان تضطلع به الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية لدفع الحكومة العراقية لتحمُّل مسؤوليتها في حفظ أرواح الأبرياء وردع الميليشيات المسلحة مهما كان انتماؤها.

البيان: تتناقل وسائل الإعلام أخباراً وافرة عن اعتقال عدد من الأئمة والخطباء بتهم الإرهاب والتحريض، هل هناك تطمينات حكومية بهذا الشأن؟

يُعد الإمام والخطيب من أهم الرموز المجتمعية والواجهات المحترمة، وكذلك تعد هذه الشريحة من أضعف الشرائح، وأكثرها استهدافاً في خضم هذه الصراعات، فالجهات المغالية والمتطرفة تنظر إليها على أنها موالية للحكومة ومن ثَمَّ تكفرها وتستهدفها. أما الميليشيات وبعض الأجهزة الحكومية فتستهدف الإمام والخطيب بتهم واهية وبسبب المخبر السري.

وقد سعى المجمع الفقهي العراقي ومن باب المسؤولية الشرعية في لقاءاته مع كافة الجهات الحكومية والرسمية إلى إطلاق سراح الأئمة والخطباء والمعتقلين والمختطفين.

وقد وعدت الجهات الحكومية مراراً بالاهتمام بهذا الشأن وتتبع الموضوع ولكن دون نتيجة، علماً أننا زودنا السيد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء بمجموعة من القوائم التي تضم العلماء والخطباء المخطوفين والمعتقلين ولم نتمكن من الإفراج عن أحد منهم.

ونتمنى أن تأخذ المنظمات الإسلامية الدولية دورها في دعمنا لإطلاق سراح العلماء والأئمة والخطباء، وفي دعم برامج تطوير الأئمة والخطباء في العراق، فالعلماء ورثة الأنبياء وكل من يقصر في نصرتهم فإن الله تعالى سيؤاخذه على ذلك.