ان ما تشهده الساحة العراقية اليوم من انتفاضة شعبية مسلحة في المحافظات الست التي انتفضت سلميا قبل عام ونصف -والتي تجاهلتها الحكومة بل واستهدفتها بقوة مسلحة-، يمثل صفحة جديدة من صفحات التغيير البناء الذي يسعى الى تصحيح مسار الحياة السياسية والاجتماعية في العراق للفوضى التي جاء بها الاحتلال الامريكي، وهو بلا شك يمثل مشروع انقاذ للعرب السنة ومن خلاله انقاذ العراق من الوضع المأساوي الذي يعيشه.

ولكن ما تم تشخيصه في المشاريع السابقة أن العرب السنة يحسنون الانطلاقة وديمومتها، ولكنهم لا يحسنون اتمامها وتوظيفها النهائي سواء لأهل السنة او للعراق.

- فقد عجزت فصائل المقاومة (وهو أول مشروع للعرب السنة بعد 2003) بعد ان  نجحت في التصدي لإنهاء الاحتلال عن تطوير أدائها لتكون مشروع إنقاذ للعرب السنة، وهي اليوم تعود من جديد للمسك بالأرض لتمثل مشروع الانقاذ كما بدأته.

- لقد تقدمت المشاريع الدينية وسجلت حضورا متميزا، واستطاعت ان تحشد الجماهير وتستقطب الرأي العام وتقيم علاقات داخلية وخارجية متميزة، لكنها قصرت ان تكون مشروعا لإنقاذ العرب السنة فضلا عن انقاذ العراق.

- حاول السياسيون الذي دخلوا العملية السياسية في تخفيف معاناة اهل السنة ولكنهم لم يدفعوا عن انفسهم، فالمشروع السياسي كان فوق طاقاتهم بكثير، ولكن يجب ان لا نغفل عن تأثيرهم العشائري فالحراك انطلق بعد استهداف الوزير رافع العيساوي، والانتفاضة العشائرية قامت بعد استهداف النائب احمد العلواني.

- لقد ادى الحراك الشعبي دوره في التعبير عن معاناة اهل السنة ودام لأكثر من عام ونصف لكنه تعثّر في بلورة مشروع انقاذ أو خلاص الذي طالما صدح به قادته.

- الانتفاضة العشائرية المسلحة الاخيرة، ونتمنى ان لا تترك من غير دعم فيؤول مصيرها كسابقتها، مما يزيد مأساة العرب السنة.

والنتيجة بشكل عام  أن حال العرب السنة مؤلم وسيء وقد يزداد سوءاً مع الأيام، إن لم نبادر جميعا في دعم مشروع انقاذ العرب السنة في العراق لتغيير هذه المعادلة وهو ليس ببعيد بإذن الله تعالى ومن ثم بحسن التخطيط والتدبير.

التهديدات ونقاط الضعف

يمكن حصر التهديدات التي يتعرض لها العرب السنة في العراق (سواء على شكل تحديات خارجية أو ضعف داخلي) بالاتي:

اولا: تهديدات امنية

- ومصدرها الاجهزة الامنية التي تستهدف اهل السنة ضمن مادة (4 ارهاب) واليوم بها وبقانون الطوارئ او السلامة الوطنية كما يسميه المالكي، والميليشيات الطائفية المدعومة محليا واقليميا من قبل ايران (لاسيما الحرس الثوري وقد حضر قاسم سليماني بنفسه ليشرف على مواجهة الانتفاضة المسلحة)، وعناصر من الجماعات المتطرفة المنتسبة لأهل السنة ولاسيما ذات الاجندة الخارجية.

- قلة الدعم للعمل المسلح، وضعف الامكانيات عند العرب السنة في هذا الجانب.

- الحلف الامني المشترك (الايراني والروسي والسوري والعراقي).

- الدعم العالمي لمحاربة الارهاب (المحدد بالعرب السنة).

ثانيا: تهديدات سياسية

- السطوة السياسية للشيعة، وهم وان اختلفوا على بقاء المالكي فانهم مجمعون على بقاء الحكم بيد الشيعة حتى اصبح امرا مسلما عند المكونات الاخرى،.

- نفوذ السياسة الايرانية ضمن سياسة الخطة الخمسينية لتصدير الثورة الايرانية، مع ضعف واضح وجلي في السياسة العربية داخل العراق والمنطقة.

- التمثيل السنّي الهزيل من حيث العدد والصلاحية في العملية السياسية (برلمان- حكومة – قضاء).

- ضعف الحضور السياسي السني على المستوى الاقليمي والدولي.

- انعدام التوافق السياسي، والانسجام  بين المكونات السنية السياسية، سواء على مستوى المركز ام المحافظات،.

- ضعف العلاقة السياسية مع الطرف الكردي، وله دور في تحقيق التوازن السياسي وغيره.

- غياب التخطيط الاستراتيجي في العمل السياسي، وعدم التوافق على المشاريع السياسية المدعومة دستوريا مثل الاقاليم والتي يمكن انجازها ولو مرحليا.

- وجود شخصيات وكيانات سياسية سنية تخضع لأجندة السلطة الحاكمة المتمثلة بالمالكي وحزبه أو ايران وحرسها الثوري، وتمثل تهديدا للعرب السنة ضمن من يطلق عليهم اعلاميا (سنة المالكي).

 

ثالثا: تهديدات اجتماعية

- استهداف المؤسسات المجتمعية للعرب السنة وفي مقدمتها ديوان الوقف السني.

- استهداف الشخصية السنية المؤثرة والمبدعة والقوية، وفي المجالات كافة.

- التغير الديموغرافي للمناطق ذات الاغلبية السنية ولاسيما بغداد وحزامها وديالى.

- النفوذ الشيعي في المؤسسات التربوية والتعليمية، واستهداف الكليات الاسلامية بإدارتها ومناهجها.

- عرقلة المشاريع الخدمية في المدن السنية، ودعمها في المدن الشيعية ومنها اقامة المشاريع الكبرى كالمطارات والمحطات الكهربائية والمجمعات السكنية.

- السيطرة على الموارد الاقتصادية، وتغذيتها بما يخدم المكون الشيعي، ضمن سياسة افقار العرب السنة.

طريق التغيير

من يطالع تاريخ الدولة الاسلامية بعد عصر الخلافة الراشدة وفي آواخرها:

يجد ان الحل يكون بأحد طريقين:

- قائد متغلب يخضع بشوكته الاخرين، فينقادوا له.

- قيام مجموعة من اهل الحل والعقد ذات شوكة، بإخضاع الناس لها وتدبير شؤونهم، ومن ثم تخرج لهم قيادة لتسوسهم.

ومن تحليل الواقع واستجلاء معطياته وفي ظل الثورة المسلحة التي انطلقت لتكمل مشروع التحرير الذي بدأته في عام 2003، فان الحل الاول الان بعيد المنال عن العرب السنة، ولذا لا بد من التفكير الجاد والعملي في الخيار الثاني.

ويمكن رسم الخطوات الاجرائية لهذا الخيار بالاتي:

- ايجاد قيادة موحدة شاملة للعرب السنة في العراق (برلمان لأهل السنة).

- تشكيل مكتب تنفيذي  (حكومة ظل لأهل السنة).

- ايجاد شوكة  تخضع للقيادة، وتتولى حماية المحافظات المنتفضة(جيش مهني موحد).

- صياغة دستور وميثاق شرف لأهل السنة.

- ايجاد اقليم ولو على مستوى محافظة أو اكثر( وهو حل مرحلي انتقالي).

- تحديد المطالب الأساسية للعرب السنة ورسم سياساتهم الداخلية والخارجية.

- تحشيد الدعم شعبي من خلال تطوير الفعاليات الجماهيرية، والحرص على التواصل مع الناس وتقديم الخدمات لهم، مع الانفتاح على المكونات الأخرى، لتحييد الأخطار وتقليل دعمهم لمسار الحكومة، وقد يوظف في المستقبل في تشكيل تيار معارض.

- صناعة اعلامية موجه، تتبنى الدعاية لهذا المشروع مع توظيف الإعلام الفعال المنسَّق المتواصل.  

- تأمين موارد مالية وسياسية واعلامية للمشروع من خلال:

- العمل على كسب دعم حليف محلي (الكرد والتيارات السياسية بغض النظر عن الاتجاهات المذهبية او السياسية)، لتحييد الائتلاف الشيعي.

- العمل على كسب دعم عربي ودولي من خلال تشكيل لجنة علاقات متوازنة تحقق التحرك السنّي المشترك على الدول العربية والاسلامية وغيرها، تحمل مشروع الانقاذ السني، وتعمل على تدويل القضية السنية بلا تردد ولا خجل، وتفضح الخطر الشيعي الايراني في العراق والمنطقة.

ومن ذلك التواصل مع الولايات المتحدة الامريكية لكسب دعمها لتصحح اخطائها في العراق ولا سيما بعد تحركاتها الاخيرة مما قد يعرقل مشروع الانقاذ.

وكلا الدعمين مبني على تحقيق المصالح المشتركة، مع تذكير العرب ان اضعاف النظام السياسي في العراق سبب اضطرابا في المنطقة استثمرته ايران على حساب دول الخليج والدول العربية، وان اضعاف العرب في العراق سيؤدي الى نقل الصراع الطائفي والنفوذ الايراني الى مكة والمدينة وعمان والقاهرة، مما سيعيد رسم خارطة المنطقة برمتها، وتذكير الدول الاقليمية والدولية ان استقرار المنطقة يبدأ باستقرار العراق ولا يكون ذلك الا بتوازن سياسي حقيقي لمكوناته كافة.

الهوية والقضية

ان بناء مشروع إنقاذ العرب السنة لا بد ان يقوم على ركيزتين هما: الهوية والقضية، فيكون الاجتماع في هذا المشروع على اساس الهويّة  السنية بالمفهوم المجتمعي أو الانتماء المجتمعي وليس بالمفهوم الشرعي للمجتمع السنّي، وكذلك يجتمعون على قضية توحدهم تتمثل برفع الظلم والتهميش والإقصاء، ونيل الحقوق المشروعة كافة ومنها الاستحقاق السياسي والمشاركة في ادارة السلطة، من اجل استقرار العراق وبنائه بما يتناسب مع عمقه الحضاري ورسالته الاسلامية والعربية.

وعلى ضوء الاعتزاز بالهوية السنية والايمان بقضيتهم، يمكن ان تشمل مكونات مشروع الانقاذ  :

- فصائل المقاومة المنضبطة والمجالس العسكرية.

- التيارات والحركات الاسلامية.

- المؤسسات الشرعية كالمجمع الفقهي العراقي وهيئة علماء المسلمين ورابطة اهل السنة والجماعة، والمفتي والعلماء الكبار، ويفضل ان تكون جهات حاكمة وضابطة للمشروع.

- رموز الحراك الشعبي السني بتوجهاته كافة.

- الكيانات والشخصيات السياسية السنية كافة داخل العملية السياسية وخارجها- الا من يرفض هذا المشروع او منغمس في المشروع الايراني.

- الرموز المجتمعية والوجهاء وشيوخ العشائر الذين تحملوا مسؤولية الحفاظ على الهوية السنية.

- ضباط الجيش السابق ذوو الكفاءة والخبرة العالية.

- الشخصيات الاكاديمية والمهنية، كالاقتصاديين والاعلاميين والاساتذة الجامعيين والتجار، ومراكز الدراسات، ومنظمات المجتمع المدني المنضبطة.

مبادئ مشروع الانقاذ

لكل مشروع مبادئ عامة وان من اهم المبادئ التي ينبغي ان يعتمدها القائمون على مشروع انقاذ العرب السنة بعد الاخلاص وحسن الظن بالله والتوكل عليه:

1- مبدأ استشعار المسؤولية القائم على المراجعة والتقويم

القيادة السنية بعد هذه السنوات لابد لها في هذه المرحلة من مراجعة ما قدمت من برامج، وإعادة النظر فيما تبنت من مواقف، وتحرص على تقويم الاداء وتصحيح المسار ان وجدت فيه انحرافا، أو تثابر عليه ان رأت فيه استقامة، وان تأتي بالمزيد ان كشفت في عطائها قصورا، وأن تستبرئ لدينها ان وجدت تطاولا او تجاوزا سواء أكان على القيم التي تؤمن بها وتلتزمها؛ ام على المجتمع الذي تعيش فيه والافراد المحيطين بها، وقد تستعين ببعض ذوي الخبرة في هذه المراجعة.

2- مبدأ التكاملية

فالانفرادية لا سيما في القضايا المصيرية والاستعلاء على الشركاء في العمل والمصير واحتقار عطائهم، فضلا عن كونها مذمومة فإنها تذهب بالإنجاز كله أو اكثره، وتمحق بركة العمل الجماعي ورشده، وتضيع مضاعفة أجره، وتدفع الخصم الى النيل منا شيئا فشيء.

3- مبدأ التراكمية

ان اعتماد  فقه التراكمية من قبل قادة اهل السنة في العراق في التخطيط والتدبير، يختزل الجهد ويستثمر الوقت وينتفع به من تجارب الاخرين، وبه يرتقى في البناء، فالكل شركاء في حفظ الهوية والوطن، واذا كان من سبق يقول ان الساحة تستوعب الكل، فان الساحة السنية في العراق تحتاج الكل، لعظم الخطب وشدة الفرقاء ومن معهم تكالب.

4- مبدأ التعاون لا التنافس

ان نجاح المشروع يستلزم التحرر من نزعة التنافس المذموم التي طغت على تصرفات القيادة السنية في المرحلة السابقة، والتنافس وإن حقق لأهله نصراً أو نجاحاً، إلا أنه لا يحقق تمكيناً لهم، بل قد يسلب من النجاح بعض استحقاقاته إن لم نقل أكثرها، وثمار التعاون أكثر وأنضج من ثمار التنافس، فالانقاذ والتمكين لأهل السنة في العراق في ظل التحديات الجسيمة التي تواجههم وتهدد وجودهم وهويتهم، لا يكون إلا حينما تتمكن في قادتهم جميعاً روح التعاون المحمود لا روح المنافسة المذمومة.

وفي هذا المشروع يمكن الافادة من جهود المقاومين والسياسيين والشرعيين الذين عملوا طوال السنوات الماضية، ولا يزالون يعملون، وكذلك الذين يسعون الى جمع كلمة اهل السنة ومنها مشروع المؤتمر الوطني لسنة العراق الذي قطع شوطا طيبا، ومشروع مؤتمر الدعاة في العراق الذي يسعى الى بلورة مواقف تجمع بين فقه النصوص وفقه الواقع مع اعتماد الاجتهاد الجماعي بعد التشاور، وصياغة خطاب ديني اسلامي يواكب مشروع الانقاذ.

نسأل الله تعالى ان يحفظ العراق وأهل السنة من كل سوء، وأن ينصرهم على عدوهم وما النصر الا من عند الله.

ملاحظة: (بعض الافكار كانت بصورة جمعية من خلال المناقشات التي شارك فيها كاتب المقال في بعض المؤتمرات المتعلقة بالشأن العراقي).