في كل ازمة من الازمات التي تمر بها الامة الاسلامية عموما والعراق خصوصا ينقسم الناس بين متزعزع تهزه الرياح يمنة ويسرة، وبين ثابت كالجبل الاشم لا تهزه الرياح العاتية, فمنهم من قضى نحبه سائرا الى الله ومنهم من ينتظر قدر الله، ومن هؤلاء العلماء الاجلاء الذين ثبتوا مع اهلهم ولم يغادروا الفلوجة فضيلة الشيخ علي البصري والذي جرح بنيران الجيش اكثر من مرة وقصف بيته ولم يغادر مدينته ام المساجد فلوجة العز والاباء.

الشيخ علي البصري إمام وخطيب جامع الحضرة المحمدية... من مواليد 1972 في الفلوجة.. عمل إمام وخطيب في عدة مساجد كان من بينها جامع البدوي في الفلوجة 1986- 1989 ثم في جامع الحسن البصري في قرية المجر 1989- 1991 ثم في جامع الشافعي في منطقة الحصي 1991- 1993 ثم في جامع الحضرة المحمدية في الفلوجة 1993- 1998 ثم في جامع علي زين العابدين في منطقة النعيمية 1998- 2013 ثم عاد إلى جامع الحضرة المحمدية  كبرى مساجد مدينة الفلوجة. حاصل على الإجازة العلمية في العلوم الشرعية العقلية والنقلية على يد كثير من مشايخ العراق منهم الشيخ خليل الفياض, ثم حصل على الإجازة العلمية من سماحة الشيخ رافع الرفاعي مفتي الديار العراقية ثم حصل على الإجازة العلمية من الشيخ محمود عبد العزيز رئيس مجلس علماء العراق ثم حصل على إجازتين في الحديث الشريف من الشيخ أحمد عواد ومن الشيخ عزيز الرحمن. التقينا الشيخ البصري في مدينة الفلوجة ودار بيننا الحوار التالي:

البيان: ان أحداث اﻻنبار انطلقت شرارتها من الرمادي ابتداءاً من ساحة الاعتصام حتى المواجهة المسلحة، لماذا انعكست على الفلوجة رغم بعدها عن الرمادي؟

الشيخ البصري: لا شك أن محافظة الأنبار هي محافظة متماسكة دينيا وعشائريا واجتماعيا, وأن ما يحصل في أي منطقة من مناطق هذه المحافظة التي تبلغ مساحتها ثلث مساحة العراق فإنه سينعكس على بقية مناطق هذه المحافظة.. ولكن لأن للفلوجة تاريخاً مجيداً في مقاومة المحتل والذود عن الوطن فإنها أصبحت رمزا في هذه المحافظة بل أصبحت رمزاً لكل المحافظات السنية ولكل العراق عموماً.. لذلك نرى أن الفلوجة مستهدفة بسكانها وبمواقفها ومساجدها وبناها التحتية.. استهدفها المحتل في السابق واستهدفتها هذه الحكومة لأنها تعرف أن الفلوجة تعني أهل السنة كلهم وأنها الحصن الحصين لأهل السنة في العراق.

البيان:  بعض العشائر اختارت المواجهة المسلحة مع الحكومة، فكيف تنظرون الى سير الأحداث داخل اﻻنبار وبرئيكم ماذا بعد المواجهة المسلحة؟

الشيخ البصري: لم يكن اختيار هذه العشائر للمواجهة المسلحة بإرادتها أبدا.. بل إن الحكومة هي من جعلت هذه العشائر تضطر إلى حمل السلاح والدفاع عن نفسها وأرضها وأموالها.. هذه الحكومة لا تعرف إلا لغة القوة.. لا تعرف كيف تتفاوض ولا تعرف كيف تُرجع الحق لأهله.. وقد تعودنا منها أنها لا تفي بتعهداتها والتزاماتها تجاه الشعب.. وقد فعلت ما فعلت في الفلوجة في جمعة لا تراجع وكذا في الحويجة ثم في مسجد سارية وفي الموصل وبغداد.. وقد شاهدنا عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي كيف تقوم القوات التابعة لهذه الحكومة بالقتل والسحل والحرق.. ورأينا كيف تم اقتحام ساحات الاعتصام في الرمادي بعد أن كان هناك مفاوضات حول فض هذه الساحات بطريقة سلمية.. لذلك اضطرت هذه العشائر للدفاع عن نفسها لأنها لا تثق بوعود الحكومة التي لا تحترم وعودها.. هذه الحكومة أقرت على لسان رئيس وزرائها بأن المطالب التي خرجت بها المحافظات المنتفضة هي مطالب مشروعة وكان المفروض بهذه الحكومة أن تنفذ هذه المطالب منذ أكثر من سنة.. لكن مع ذلك لم نر منهم استجابة لأي مطلب منها.. ولذلك فإن المحافظات المنتفضة لا تعوّل أبداً على وعود الحكومة لأنها حكومة فاقدة لمصداقيتها.  أما بالنسبة لسؤالكم ماذا بعد المواجهة فأعتقد أن على قادة أهل السنة من علماء دين ومن وجهاء وشيوخ عشائر وسياسيين أعتقد أن عليهم أن يسارعوا في عقد مؤتمر ينسون فيه خلافاتهم ويضعون لأهل السنة مشروعا واضح المعالم يضمن الخلاص لأهل السنة.. لأن هذه الحرب لن تنتهي بفائز وخاسر بل الكل فيها خاسر.. لا بد من العقل مع القوة لكي يحصل أهل السنة على حقوقهم.. ومن هنا أطالب كل الفاعلين على الساحة السنية بالإسراع إلى عقد هذا المؤتمر ووضع حل وحد للدماء التي تراق وللحرمات التي تنتهك.

البيان:  لماذا استهداف الفلوجة والتركيز اﻻعلامي عليها، هل هذا برأيكم ﻻنها وقفت بوجه الإحتلال اﻻمريكي فكان ﻻبد من اﻻنتقام منها؟

الشيخ البصري: مثلما أخبرتك سالفا أخي الكريم فإن الفلوجة صارت رمزا لأنها رفضت الاحتلال في السابق ورفضت الظلم والطغيان حاليا, ولذلك يعمد الظالمون والطغاة إلى معاقبتها عبر القصف والقتل والتهجير وتدمير البنى التحتية.. لا لشيء إلا لأن أهل الفلوجة رفضوا أن يخضعوا للأجندة المشبوهة التي أتى بها المحتل ولأنها رفضت أن تنحي وتذل لغير الله.

البيان: هل فعلاً الفلوجة تشكل خطراً على حكومة بغداد، او على اﻻقل أصبحت رقما صعبا في المعادلة السياسية؟

الشيخ البصري: قبل كل شيء علينا أن  نعرف أن أهل الفلوجة لم يكونوا في يوم من الأيام دعاة فتنة ولم يكونوا طلاب دماء وثارات.. بل إن أهل الفلوجة هم طلاب حق.. خرجوا حالهم حال بقية المحافظات من أجل المطالبة بالحقوق المسلوبة.. وقد كانت الحكومة قادرة على تنفيذ مطالبهم، لكن الحكومة هي التي أوصلت البلاد إلى هذه الحال المزرية من تمزق للنسيج العراقي ومن قتل وقصف وتهجير من أجل أجندتها الانتخابية والحصول على المناصب.. أما بالنسبة للمعادلة السياسية وأثر الفلوجة فيها.. فلا شك أن الفلوجة هي رقم صعب لأنها رغم صغر حجمها إلا أن لها رمزية عظيمة ولا يمكن لأحد أن يتجاوز الفلوجة أبدا، أو أن يهمشها.  

البيان:  من خلال تواجدكم في مدينة الفلوجة من هم المتواجدون اﻻن فيها، هل لازالت فيها عوائل لحد اﻻن؟

الشيخ البصري: هذا القصف الهمجي أدى إلى نزوح معظم عوائل الفلوجة عنها.. وحتى العوائل التي تفكر بالرجوع فإنها لن تستطيع ذلك إلا بصعوبة بسبب القصف المتواصل والخناق والحصار الذي يمارسه الجيش على مدينة الفلوجة.. لا تزال هناك عوائل صامدة في داخل المدينة.. ولا تزال بعض الأسواق عامرة فيها.. مع أن المتواجدين الآن في الفلوجة غالبيتهم العظمى من الفقراء الذين لا يجدون مكانا بديلا وليس عندهم الإمكانية الكافية للخروج.. وأنا أعتبر بقاء الفقراء علامة على النصر والفرج بإذن الله لأنه ورد في الحديث الصحيح: (وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ) .

 البيان:  اذا كان استهداف الجيش للبيوت الآمنة داخل الفلوجة وبطريقة ممنهجة لماذا لم تغادرها الى مكان آخر أكثر امانا؟ وهل لعلماء الفلوجة دور في تثبيت الناس والشدة من عزيمتهم في هذه المحنة؟

الشيخ البصري: للعلماء دور كبير في المحن.. وقد حفظ لنا التاريخ مواقف مشرفة للعلماء في صمودهم وثباتهم ووقوفهم مع أهلهم أوقات المحن.. من أمثال الإمام أحمد والعز بن عبد السلام وابن تيمية وغيرهم.. ولا بد لهذا التاريخ من أن يتجدد فأمتنا الأسلامية أمة عريقة ولودة وليست بعقيم.. على العالم أن يتحمل مسؤوليته أمام الله وأمام الناس.. وعليه أن يعرف عظم الأمانة الملقاة عليه.. فالإمام لا يكون إلا في الأمام.. ولن أخرج من مدينتي إلا إذا كان هناك مسوغ شرعي أو حدثت فتنة عظيمة لا سمح الله.. وإن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.. فهو عليه الصلاة والسلام لم يغادر مكة إلا بعد أن غادرها كل المسلمين وكان عليه الصلاة والسلام آخرهم هجرة.. لقد تم استهداف بيتي القديم في النعيمية ثم استهدافي بقذيفة مدفع أدت إلى إصابتي واستهداف مسجدي (الحضرة المحمدية) وكذلك استهدف بيتي الذي انتقلت إليه في الفلوجة.. ومع ذلك فإني أرى اللطف من الله محيطاً بي من كل جانب.. فأنا أعيش بين الابتلاء واللطف.. وأنتظر الفرج والنصر لهذه المدينة الصابرة ولكل مظلوم في هذا الوطن.

ولذلك لعلماء الفلوجة دورا  كبير في تثبيت الناس ومواساتهم والمسح على جراحاتهم.. الناس ينظرون إلى العالم وقت الشدائد.. هم يستبشرون إذا رأوا ابتسامته.. يفرحون لفرحه ويحزنون لحزنه.. فالعالم هو البوصلة التي توجه المجتمع عندما تختلط الأمور.. وعندما يتخلى العالم عن مسؤوليته فإن ذلك سيؤدي إلى أن يكثر الهرج والنزاع بين الناس.. وسيؤدي بالنتيجة إلى أن يتصدر الجاهل والرويبضة فينسحب البساط من تحت أرجل الأخيار لمصلحة من لا يرعى في المسلمين إلاً ولا ذمة.

البيان : ماهي رسالتكم الى اهلكم في اﻻنبار وباقي المحافظات المنتفضة؟

الشيخ البصري: رسالتي لأهل السنة جميعا أن يكونوا يداً واحدة وأن يعتصموا بحبل الله جميعا.. وأن يحرصوا على هويتهم السنية.. وأن يتعاونوا فيما بينهم على الأصعدة كافة.. وأن يكونوا كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).. ورسالتي إلى أهل الأنبار, أقول لهم: يعز علينا والله ما يصيبكم يا أهلنا.. فلله دركم لقد أثبتّم أنكم الرجال في زمن عز فيه الرجال.. اصبروا يا أهلنا على ما ابتليتم به فإن الله سيجعل لضيقكم مخرجا ولهمكم فرجا.. عليكم بالدعاء والالتجاء إلى الله والمصابرة على الاصطفاف مع الحق, فتلك هي عناصر النصر الحقيقية.. ولا تبتئسوا بمن خذلكم فإن الله سبحانه يقول: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ).

 كلمة اخيرة أقول: للمظلومين في كل مكان لا بأس عليكم.. وإن الله بالمرصاد لمن ظلمكم.. ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون.. لا بد من أن يأتي يوم نرى فيه المظلوم وهو ينتصف من ظالمه ونرى فيه البسمة تعود إلى وجوه المحزونين والفرحة تعود إلى قلوب الثكالى.. وتلك هي عادة الله في خلقه.. فإن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.