أحاديث الفضائل والمناقب يكثر فيها الضعيف والموضوع وقد تساهل أهل العلم في روايتها لأنه لا يترتب عليها في غالب الأحوال حكم تكليفي عملي، وقد ورد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضائل مصر من رواية عمرو بن العاص قال حدثني عمر أمير المؤمنين، أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم، يقول: "إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة" وهذا الحديث قد ورد في عدد من المراجع التاريخية والحديثية وكل رواياته مدارها على عبد الله بن لهيعة وقد تحدث أهل العلم في صحة إسناده من أجل ابن لهيعة وبعض شيوخه، والرأي عندهم ضعف هذا السند.

 وهذا لا يمنع من ورود أحاديث أخر في فضل مصر إسنادها صحيح.

 وإذا انتهينا من الحديث عن سند الحديث فإنا نود ألقاء نظرة على متنه، فقد استدل كثير من الإعلاميين والمفكرين وبعض أهل العلم بهذا الحديث على أفضلية الجيش المصري، لكن لنا أن نورد على هؤلاء ما يلي: هل تلك الأفضلية لذلك الجيش كانت في الزمن الأول الذي قيل فيه هذا الحديث أم أنها أفضلية على مدار التاريخ، وإذا كانت تلك الأفضلية على مدار التاريخ فهل استحقوها بعمل منهم يقدمونه أم بمجرد الانتساب؟

من المعلوم أن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الإنسان عمله كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهما: أن هلم إلى الأرض المقدسة فكتب إليه: إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الإنسان عمله، وقال ابن تيمية في تقرير هذه الحقيقة: " وكون الأرض دار كفر ودار إيمان أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها؛ بل هي صفة عارضة بحسب سكانها فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت فإن سكنها غير ما ذكرنا وتبدلت بغيرهم فهي دارهم" فالأرض تكتسب صفتها من صفات أهلها فمكة قبل الفتح كانت دار كفر وصارت بعد الفتح دار إيمان ومكة كبلد هي هي لم تتغير وإنما الذي تغير صفات أهلها وحيث إن الجيش ليس جمادا وعتادا فقط وإنما أحياء من البشر فيجوز عليهم التغير والتقلب فلا أفضلية للجيش المصري ولا لغير الجيش بمجرد الانتساب وإنما يكون ذلك بالعمل ومن ثم فلا يكون هذا الحديث تزكية للجيش المصري ولا غيره في كل آن وحين وإنما ترتبط التزكية بأفعالهم وصفاتهم.

 وكلمة أجناد ليس معناها الوحيد ما يفهمه العوام من أنها الجيوش فقط وإنما أجناد لها معنيان أحدها الجند: العسكر والأَعوان والأَنصار والجمع أجناد.

وثانيها الجند المدينة، وجمعها أَجناد أيضا، وخص أَبو عبيدة به مدن الشام، وأَجناد الشام خمس كور؛ هي: دِمَشْق وحِمْص وقِنَّسْرِين والأُرْدُنُّ وفِلَسْطِين، يقال لكل مدينة منها جند... وفي حديث عمر: أَنه خرج إِلى الشام فلقيه أُمراء الأَجناد، وهي هذه الخمسة أَماكن، كل واحد منها يسمى جُنْداً أَي المقيمين بها من المسلمين المقاتلين، فجند وجمعها أجناد لا تنصرف إلى الجيش فقط ولكن من معانيها كما مر المدينة وجمعها المدن، والاستعمال القرآني استعمل لفظ جنود في الدلالة على الجمع ولم يستخدم لفظ أجناد، فمعنى الحديث على تفسير الجند بالعسكر: اتخذوا في مصر عسكرا كثيرا أي اجعلوا أو رتبوا فيها عسكرا كثيرا فهو خير عساكر الأرض، ومعنى الحديث على تفسير الجند بالمدينة اتخذوا فيها عسكرا كثيرا فتلك المدينة خير مدن الأرض، ويكون لفظ جند استعمل بالمعنيين اللفظ الأول في الحديث بمعنى العسكر والثاني بمعنى المدينة لكن الأظهر من سياق الحديث أن المراد بالجند والأجناد فيه العسكر أو الجيش.

 ولفظ الحديث المتحدث عنه جاء في كل رواياته بلفظ " فاتخذوا فيها جندا كثيفا" ولم يقل "منها" فكأن معنى الحديث اجعلوا في مصر جندا كثيرا لأن ذلك الجند خير أجناد الأرض، أو لأن تلك المدينة خير مدن الأرض فعبوها بالعسكر والجنود ويستوي في ذلك أن يكون الجنود من أصل مصري أو غير مصري لأن الرواية "اتخذوا فيها" وليس "اتخذوا منها"، وقد استفصل أبو بكر رضي الله تعالى عنه عن سبب هذه الخيرية لم يكون ذلك الجند خير أجناد الأرض فكان الرد المباشر والواضح أن السبب في ذلك العمل وليس الانتساب إلى الأرض حيث قال: "لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة" فكان ذلك هو سبب الخيرية ومن ثم فلا ينبغي لأحد أن يحتج بهذا الحديث على أفضلية أو خيرية الجيش المصري إذا كان لا يباشر سبب الخيرية الواردة في الحديث وهي المرابطة هم وأزواجهم فضلا عن أن يفعل ما يناقضها فخيرية الجيش بسبب مرابطته في سبيل الله فإذا كان الجيش لا يرابط في سبيل الله فقد أضاع السبب الذي استحق به الخيرية، وإذا لم يقتصر على ترك المرابطة في سبيل الله وإنما أضاف لها المرابطة في سبيل الشيطان وحرب الإسلام والمسلمين تنفيذا لأغراض أعداء المسلمين من اليهود والنصارى فذلك أقطع وأبعد لكل خير وهو ظلمات بعضها فوق بعض وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .