لم يكن انهيار بعض الأنظمة العربية الاستبدادية حدثاً عارضاً، وإنما كان نتاجاً لجملة من العوامل الموضوعية، حيث وصلت هذه المنظومات الحاكمة إلى حالة من التآكل وعدم القدرة على التجدد إلى الحد الذي مهَّد لانهيارها وتسارع سقوطها بشكل غير مسبوق، وهذا العامل على أهميته لم يكن كافياً لوحده للقول إن التغييرات السياسية الحاصلة قد حققت أهدافها أو تمكّنت من استكمال مساراتها الفعلية والوصول إلى غاياتها المستقرة.. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة المشهد السياسي الحاصل في دول الحراك العربي بعد مرور ما يقارب ثلاث سنوات من بدء الشرارة الأولى للتمرد الشعبي في ديسمبر 2010.

انهيار أنظمة وبدائل مفقودة

إذا أردنا بداية أن نفهم ما هي الثورة وما انطوت عليه عموماً بالنسبة للإنسان العربي ككائن سياسي وأهميتها بالنسبة للعالم الذي يعيش فيه؛ فعلينا الرجوع إلى اللحظات التاريخية الأولى حين بدت الثورة بأجلى مظاهرها واتخذت شكلاً محدداً وبدأت بنشر سحرها في عقول المواطنين بشكل مستقل تماماً عن الانتهاكات والقسوة والحرمان من الحريات والحقوق التي هي بدورها أعطت الناس السبب لأن يثوروا.

إن تيار الثورة الجبار كما يقول روبسبيار «يتصاعد باستمرار بفعل جرائم الاستبداد من جهة، وبفعل تقدم الحرية من جهة أخرى، واللذين كان يحثّ أحدهما الآخر بشكل محتم».. فالثورة بهذا المعنى تجد جوهرها بوصفها استجابة لوضع تاريخي تتحرك ضمنه الشعوب من أجل التقدم نحو ظروف أكثر إنسانية وعدلاً وحرية، فلقد برهنت الثورة الفرنسية من قبل (1789) وعلى سبيل المثال لأتباع «سان سيمون» ثم «ماركس» من بعدهم، على أن الثورة هي مرحلة من مراحل التطور التاريخي، وأن حتمية الحركة الثورية تكمن في عدم ملاءمة النظام القديم وضرورة استبداله بنظام آخر أكثر فاعلية وتعبيراً عن جماهير الشعب.

وقد تضمّنت مجريات أحداث الثورة الفرنسية إسهامات مهمة في تطوير مفهوم الثورة، حيث تطور معناها لتمثل نجاحاً منقطع النظير في القضاء على حكومة قديمة واستبدالها بحكومة أخرى جديدة أكثر رشداً، كما أنها قد شكّلت مبرراً منطقياً لأفعال كثير من الثوريين الذين بدؤوا يعتقدون أن الثورة قد أصبحت هدفاً في حد ذاته.

غير أن الذي جرى في ظل الثورات العربية هو أنها فشلت في بناء البدائل المناسبة للأنظمة المنهارة. وربما من العوامل المركزية التي جعلت الحراك الثوري يتأخر ويقع في مطبّات الفشل، جملة من الأسباب يمكن تعدادها على سبيل الذكر لا الحصر:

- سرعة تحوّل الثورات إلى مسار انتقال ديمقراطي والتعامل مع الأوضاع القائمة خارج الرؤية الثورية وإنما من خلال المصالحة الوطنية، وهو أمر لاحظناه في الثورات التونسية والمصرية وأيضاً اليمنية؛ ففي تونس بقي فؤاد المبزع، رئيس برلمان المخلوع بن علي، مصدراً للشرعية طيلة الفترة الانتقالية، أي إلى حدود انتخابات المجلس التأسيسي (23 أكتوبر 2011)، وهو الأمر الذي منح الفرصة للقوى المضادة للثورة لإعادة التشكّل وبناء ذاتها بصورة منحتها في فترة وجيزة قوة لم تكن لتحلم بها، وفي ذات الوقت دخلت القوى الثورية حالة تنازع حزبي وصراع على كعكة سلطة لم يتم استخلاصها بعد من أنياب الدولة العميقة. أما في مصر فإن الثورة التي تمت في أيام معدودة وبعدد قليل من التضحيات لم تكن في واقعها سوى انقلاباً داخل الحكم، حيث أزاح العسكر الرئيس المخلوع من أجل الحفاظ على الجزء الأهم وهو بنية المصالح الاقتصادية والنفوذ المتشعّب داخل المجتمع المصري، انتظاراً للحظة الحاسمة للانقضاض من جديد على السلطة، وهو أمر لم يحسن الوافدون الجدد على السلطة بعد الثورة التعامل معه من ناحيتين، أولاً: من جهة تصوّر أنهم في وضع ديمقراطي طبيعي يسمح بالمنافسة الانتخابية رغم أن الدولة العميقة الواقعة في حضن العسكر ما زالت تملك كل شيء. ثانياً: من حيث ظهور قوى لم تكن تؤمن يوماً بالثورة لكنها أصبحت بعدها لاعباً ضاغطاً بمطالبه ذات المنحى الضيق، ونعني هنا تحديداً حزب النور السلفي، الذي ملأ الساحة ضجيجاً وصراخاً بالحديث عن تطبيق الشريعة والصراع مع العلمانيين وكأن أمر الثورة محسوم أو أن الناس ثارت انتصاراً لخياراته الأيديولوجية، لنكتشف في النهاية أن العسكر قد أحسنوا التلاعب بالجميع وليضعوا القوى التي اشتركت لفترة في مواجهة استبداد مبارك في مواجهة بعضها بعضاً، وليتم إسدال الستار على المشهد بانقلاب عسكري بمباركة من قوى كانت تصرخ يوماً «يسقط حكم العسكر».

بقي النموذج اليمني والذي شهد خروجاً آمناً للرئيس السابق وبقاء أهله وأتباعه فاعلين في المشهد السياسي يعطلون مسيرة الإصلاح ويستمدون القوة من حلفاء إقليميين لا يريدون لثورة اليمن أن تصل إلى ما يصبو إليه الشعب اليمني من حرية وكرامة وعدل.

- هناك ثورات انزاحت إلى حرب أهلية وتمرّدات عسكرية واسعة، وهو أمر فسح المجال لتدخل أجنبي معلن مع ما يعنيه من فرضه أجنداته واشتراطاته مع ما يصحبه من خراب واسع لبنية المجتمع ذاته، وهو أمر نلحظه في الثورتين الليبية والسورية.. وإذا كان ثوار ليبيا قد حسموا الصراع مع حاكمهم، فإنهم اليوم يعانون تفجر مشاكل خامدة مثل قضايا الفيدرالية والرغبة في تفكيك ليبيا والعجز عن إيجاد حكومة مركزية قوية قادرة على السيطرة على الوضع الأمني وإعادة التماسك الاجتماعي إلى صورته الاعتيادية. أما الوضع السوري فيبدو أكثر سوءاً من حيث أن الحراك الثوري هناك قد تورط في نوع من الفصائلية والتنازع الفكري وتشتت المجموعات واختلاف الغايات والأهداف بين مسلحين في الداخل وناشطين سياسيين في الخارج، مع تدخل أجنبي واضح، إضافة إلى تفكك ليس فقط في الدولة وإنما في البنية الاجتماعية ذاتها، مع ظهور نزعات الطائفية والعرقية.. وكل هذه النتائج نجمت عن غياب الرؤية الواضحة لغايات الحراك الثوري الذي بدأ فعلاً شعبياً في الشوارع وانتهى إلى صراع مسلح يفتقر إلى البوصلة على الأقل لدى بعض الفصائل التي تقاتل على الأرض لتحقيق أجندات وخيارات أقل ما يقال عنها إنها لم تكن المحرك الفعلي للثورة في بداياتها.

- خلافاً للثورات الكبرى في التاريخ لم تأخذ الثورات العربية حتى الآن مداها الأقصى، بمعنى أن مسارعة البعض إلى تصور أن الوضع الحالي هو انتقال من الثورة إلى الدولة هو نوع من الوهم السلطوي لا يخدم غير القوى المضادة للثورة، وكما يقول هيجل: «إن خيار السلطة المستبدّة يصبح مرجحاً عندما يفشل المجتمع في استنباط نظام عمل إجماعي لإدارة شؤونه العامة»، بمعنى أن خيار العودة إلى الاستبداد قد يصبح جذّاباً في لحظة من لحظات المسار الثوري عندما تصطدم شرائح من المجتمع بالوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدهور، خاصة عندما تصاب الثورة بحالة ارتكاسية عندما لا يستطيع المجتمع تصعيد الثورة ويصبح الشعب - حتى الثوريون منهم - منهكاً ويتوق إلى الاستقرار وتسيير عجلة الاقتصاد مرة أخرى والتمتع بالأمن الشخصي. ويصف «برينتون» هذه المرحلة بأنها فترة «نقاهة ما بعد الحمى». والوصول إلى مثل هذه الحالة قد يفضي في أحيان كثيرة إلى استيلاء طرف قوي على السلطة (نابليون في النموذج الفرنسي، والبلاشفة في النموذج الروسي، والخميني في النموذج الإيراني)، كما يمكن أن تحصل ردة ويستولي أتباع النظام السابق على السلطة كما حصل في رومانيا مثلاً، أو كما تتم محاولة السيطرة المماثلة في مصر اليوم أو في تونس إلى حد ما.

الثورة.. مسارات وسياقات

يؤكد «إيريك هوبزباوم» أن لكل ثورة خصوصيتها من حيث الزمان والمكان، وليس هناك تشابه أو تطابق بين ثورتين. وفي السياق العربي فإن لكل بلد خصوصيته من التكوين الديمغرافي والطبيعة الجغرافية، حتى طبيعة المزاج الشعبي؛ فتونس تختلف بتركيبتها الديمغرافية وطبيعتها الجغرافية عن الشعوب المجاورة، ولها خصوصيتها التي تميّزها عن الآخرين. وهو ذات الأمر الذي ينطبق على باقي البلدان، دون أن يعني هذا نفياً لما يسميه هوبزباوم نفسه «نظرية انتشار العدوى»، أي امتداد الثورات جغرافياً وتأثرها ببعضها سلباً وإيجاباً. والتاريخ يذكر مدى الهزة التي أحدثتها الثورة الفرنسية في كامل المحيط الأوروبي، بل كان لها صداها المدوي في الفكر الفلسفي ذاته (موقف كانط من الثورة الفرنسية والموقف الهيجلي من الغزو النابليوني لألمانيا)، وهو أمر نجد له شبيهاً في التأثير الذي أحدثته الثورة التونسية في المنطقة العربية، الأمر الذي جعل دول الاستبداد الباقية تبذل جهدها من أجل منع انتشار الحمى الثورية وتحول الرغبة في الحرية إلى سحر جاذب يخلب لب الشعوب الطامحة لإسقاط أنظمتها المتعفّنة.

إن مسارات الثورة في البلدان العربية لم تتوقف وإن شهدت حالة من الجزر بفعل التحالف الحاصل بين قوى الثورة المضادة في الداخل والدعم الخارجي الذي يسعى إلى الإطاحة بكل نفس ديمقراطي والأدوار المخربة التي تسعى لتحويل الثورات إلى حروب أهلية دامية، وكما تقول حنة أرنت: «لا يمكننا أن نلتمس الثورة في كل حرب أهلية». وتجب الإشارة هنا إلى أن الثورة في سبيل الحرية لا تضمن بناء الديمقراطية دائماً؛ وذلك لأن عملية الديمقراطية معقّدة من الموازنة بين العام والخاص، والرقابة على السلطات، كما توجد دول تحققت فيها الديمقراطية من دون ثورة، كحالة كندا مثلاً، حيث استطاع المجتمع المدني تنظيم نفسه بنفسه في حلول سلمية ووسط مساومات مع بريطانيا، ثم استقل عنها من دون ثورة. وفي المقابل ثمة ثورات تحولت إلى كوابيس فعلية لشعوبها ولم تفضِ إلا إلى الفوضى أو إلى الاستبداد في أكثر صيغه عنفاً ودموية.

إن الثورات العربية في بلدانها المختلفة تعاني حالة تعثر في مساراتها بوصفها تحولاً جذرياً، وفي هذا الإطار أشار «هيجل» في كتابه «العقل والثورة» في تعريفه للثورة، إلى أنها «الثورة على الأوضاع القائمة، وأنها حركة تتسم برفض وإنكار ما هو قائم فعلاً، وأنها إعادة لتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس عقلاني»، وهو أمر لا يمكن أن يتم في زمن وجيز أو دون تضحيات وآلام ودماء، وهو الأمر الذي ينبغي أن تعيه القوى السياسية المختلفة، ونعني بها المؤيدة للثورة تحديداً، وأن تتوقف عن اللهاث وراء التوافقات الموهومة والمسكنات المؤقتة من أجل البقاء في سلطة مهتزة تفتقر إلى أدنى شروط الحكم الفعلي.

لقد فشلت النخبة السياسية ببلدان الثورات العربية في استيعاب ضخامة الحدث الحاصل، بما فيها القوى الإسلامية، التي تصورت أن الأمر يتعلق بمواقع سلطوية أصبحت شاغرة، بينما يتعلق الأمر بحالة تحول جوهري من بنية استبدادية تغوّلت وترسّخت أسسها طيلة عشريات من حكم الحزب الواحد أو الطائفة أو الطغمة العسكرية، الأمر الذي جعل الترتيب الفعلي للحراك الثوري ينبغي أن يبدأ من الأساس البنائي للمجتمع ذاته، وصولاً إلى تفجير بنية السلطة القهرية التي تلازمت مع شرائح اجتماعية متنفّذة، وهو أمر يستدعي بناء قاعدة شعبية عريضة تجد مصلحتها في استمرار الحراك الثوري دون الاكتفاء بالتنازع على بعض مغانم الحكم الزائلة؛ لأن الثورة الفعلية لا يمكن أن نتحدث عن اكتمالها إلا عند انتصار منظومة فكرية/ قيمية جديدة تطيح بالمنظومة القديمة وتفقدها كل أسباب الاستمرارية والبقاء.