الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله


في الذكرى الثالثة لثورة يناير.. هل ينهار الانقلاب؟

هذا السؤال: هل يسقط الانقلاب العسكري في مصر؟ لعله من أهم الأسئلة، وأكثرها صعوبة، لما يكتنفه من متغيرات لا تحصى، تجعل من توقع أي مسار محتمل للصراع في مصر، ضربا من التخمين..
بصفة عامة يمكن تقديم محاولات إطارية للإجابة على هذا السؤال من خلال 3 محاور، وهي:
- ما هي معايير سقوط الانقلاب؟.

- كيف يتخذ النظام قراراته؟

- مراحل الصراع بين الثورة والانقلاب.


1- معايير سقوط الانقلاب:

سيناريوهات انهيار الانقلاب لا ترتبط فقط بمعايير القوة المادية: الجيش والشرطة، إذ ربما تكون السيناريوهات المرتبطة بالخارج أكثر أهمية..

تتباين اجتهادات علماء السياسة حول التأثيرات المتبادلة بين الصراعات الداخلية والصراعات الخارجية، لكن بصورة عامة فإن الصراع الداخلي تنعكس تأثيراته خارجيا مع مرور الوقت، وطول أمد الصراع، ودخوله في مرحلة "اللا حسم"..

لا يمكن للإقليم أن يتحمل صراعا في دولة مركزية بداخله، فكل يوم يمر تتقدم فيه الثورة المصرية ضد الانقلاب، يؤدي إلى مزيد من الاضطراب في الإطار الإقليمي لمصر..

كل يوم ترسل هذه الثورة رسائل إلى: شعوب المنطقة، الأنظمة، الحلفاء الغربيين..

تكتسب الثورات شرعية إضافية من استمراريتها، وقدرتها على الصمود، والخطوات الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية التي قطعتها الثورة في الشهور الماضية، هي:

1- إثبات عجز الأجهزة الأمنية عن إيقاف الحراك الثوري..

2- إثبات عجز التعامل القانوني والقضائي عن سحب الشرعية من الحراك الثوري..

3- أخفقت سيناريوهات التفجيرات والاغتيالات والتصنيف الإرهابي في تقليص الفعاليات..

4- الخطوة الأهم هي إحباط النقلة النوعية التي قام بها الانقلاب بتنظيم الاستفتاء على الدستور كأول خطوة حقيقية في خارطة الطريق، فقد نجحت الثورة في تحفيز أغلبية الناخبين على المقاطعة، وهو ما دفع الانقلابيين إلى تزوير الاستفتاء بصورة فادحة، ليسقط في دوامة من فقدان الشرعية لكل ما سيترتب على الدستور المزور من مؤسسات..

الخلاصة: ليست القوة المادية لأدوات القمع هي الحاسمة في تماسك الانقلاب، فقد يصل إلى مرحلة يعجز فيها عن استخدام هذه القوة، كليا أو جزئيا، وهنا يصبح الانهيار حتميا..

2- كيف يتخذ النظام قراراته؟.

لو تتبعنا الخيارات السياسية التي اتخذها العسكر منذ 30 يونيو حتى الآن، سنجد أنها تتسم بصفتين رئيستين:

الأولى: أنها مفاجأة وصادمة..

الثانية: التشدد ..

كثيرون كانوا يستبعدون خيار الانقلاب العسكري، رغم كونه محتملا، لكن بالنظر إلى التبعات الثقيلة والتداعيات الخطيرة لهذا القرار، ظن هؤلاء أنه سيكون من الصعب على الجيش أن يتورط باتخاذه.. لكنه فعل..

عندما اشتعل الحراك الثوري ضد الانقلاب، كان مستبعدا –لدى كثيرين أيضا- أن يتورط الجيش في مذبحة كبيرة مبكرة، لكنه ارتكبها أمام نادي الحرس الجمهوري، وقتل نحو مائة شخص في ساعتين..
مناقشة احتمالات فض اعتصامي رابعة والنهضة، شغلت حيزا زمانيا كبيرا لدى قيادات التحالف، وكذلك كان كثيرون يستبعدون احتمال أن يتورط الجيش في السيناريو الأسوأ، سيناريو المجزرة..

نستخلص مما سبق، أن خيارات العسكر لها نمط ثابت، فهي: صادمة، ومتشددة ..

تكرر الأمر في التعامل مع استفتاء الدستور، وفي إصرار السيسي على الترشح رغم المعوقات..
ربما يتعذر ملاحظة هذا النمط بسبب نجاحهم في "تشويش" المشهد وجعله "ضبابيا" بصورة مستمرة..
قطعا هذا التشدد في الاختيار لا يدل – منفردا- على قوة أو سيطرة، بل هو يعكس آلية تفكير، ورؤية استراتيجية، داخلية وخارجية، كما يعكس – في اتجاه مضاد لمفهوم القوة- إدراكا من قوى الانقلاب بأنه لا مجال للحلول الوسطية، لأنها سوف تؤدي حتما إلى محاكمات وأحكام قاسية، عاجلا أو آجلا..
بمعنى أنهم حرقوا مراكبهم، ومن يفعل ذلك، ليس أمامه إلا اتخاذ القرارات المتشددة، والمضي قدما في خطته الأصلية لأنه يراها طوق نجاته الوحيد..

3- مراحل الصراع بين الثورة والانقلاب..

هناك 3 مستويات من النتائج التي يمكن لقوات أمن الانقلاب أن تستهدفها من خلال أدائها القمعي..

وهي على الترتيب:

- إيقاف الحراك الثوري..

- منع تمدد الحراك الثوري وتطوره..

- تعطيل تمدد الحراك الثوري وتطوره..

من خلال تحليل المؤشرات والمشاهدات طيلة الفترة الماضية، يمكن أن نستنتج دون عناء أن مستوى "الإيقاف" قد انتهى ولم يعد مستهدفا بصورة أساسية أو ممكنا- بفضل الله..

الآن يركز المجهود الأمني على "منع التمدد والتطور"، فهم يخشون لو تقاعسوا أو خفضوا مستوى القمع أن يقتحم الثوار الميادين وينفذوا خطة عصيان مدني إجبارية أو غيرها من فعاليات الحسم، لذا يواصلون القمع الذي يبدو في كثير من الأحيان وكأنه" قمع بلا هدف"، وهذه علامة مهمة على بلوغهم تلك المرحلة..

إذا نجح الثوار في تجاوز هذا المستوى أيضا، لن يكون أمام القوات الأمنية سوى الانسحاب، أو محاولة تعطيل تقدم الثوار مع إدراكهم بأنهم عاجزون عن المنع، أي أن الرهان سيكون على الوقت فقط..
في كل مستوى من المستويات الثلاث، يجب أن يتطور أداء الثوار بما يتناسب مع المرحلة، وفي ظني أن النقلة النوعية الرائعة التي حدثت مع اشتعال الفعاليات في الجامعات، قضت على احتمالات إيقاف الثورة..

نحتاج إلى نقلة نوعية جديدة للوصول إلى المستوى الذي تعجز فيه سلطة الانقلاب، عن منع تمدد الفعاليات وتطورها ..

لو طبقنا هذه المستويات الثلاث على ثورة يناير 2011م، سنجد أن "محاولات الإيقاف" سقطت تماما في جمعة الغضب عندما أثبت الشعب أنه لن يتراجع مهما حدث..

بعد انسحاب الداخلية- سواء كان مبرمجا أو حقيقيا- تولى الجيش مسئولية "منع التمدد وامتلاك السيطرة" من خلال حصار ميدان التحرير، ثم رعاية فعاليات موقعة الجمل، ثم حماية بعض المنشآت الحيوية..

عندما بلغ الثوار مرحلة متقدمة، وبدأوا في التحرك الجدي ناحية ماسبيرو والقصر الجمهوري وتوسعت تطبيقات العصيان المدني، حاول الجيش تعطيل هذه الخطوات ولو بإجبار مبارك على التنحي قبل أن يدخل الثوار إلى القصر الجمهوري، أو يسيطروا على وسائل الإعلام، ونجح في ذلك بالفعل ونفذ انقلابا عسكريا، واستلم السلطة قبل أن يقتطف الثوار ثمرة كفاحهم..

قياسا على ما سبق، فالثورة ضد الانقلاب تمر الآن بأهم مراحلها، وقادة الانقلاب يعلمون ذلك تماما، وهذا ما يدفعهم إلى ارتكاب ردات فعل هيستيرية لمنع الانتقال إلى المستوى الأخير، لأن عنده ستكون النهاية، وفقدان السيطرة..

هذه المحاور الثلاث تقدم لنا أطرا يمكن من خلالها تقويم مستوى التطور على الأرض، واتجاهاته المتوقعة، أو على الأقل معرفة المتغيرات التي يؤدي توفرها إلى توجه الأحداث في مسار معين ..
انهيار الانقلاب ممكن، وليس مستحيلا، قد يكون صعبا، لكن عنصر الزمن يظل هو المتغير الأكثر أهمية في هذا الصدد...