عزفت جميع فصائل التيار الإسلامي قبل 25 يناير عن المشاركة السياسية ما عدا جماعة الإخوان المسلمين فقد كانت تشارك وكان لها تمثيل جيد في انتخابات مجلس الشعب لعام 2005، وبقيام ثورة 25 يناير وما تلا ذلك من تغييرات على أرض الواقع أغرت الكثيرين بالمشاركة فنزلت تقريبا جميع فصائل التيار الإسلامي لأثُّون السياسة وممن نزل شطر من السلفيين وهم المعروفون بالدعوة السلفية المتمركزة في الإسكندرية كمدينة المنشأ وفروعها في سائر أنحاء الجمهورية، وقد كنت سعيدا مسرورا بمشاركتهم ومشجعا على أساس أن مشاركتهمستكون صمام أمان ضابط يمنع من انزلاق الآخرين في تنازلات السياسة على أساس أن تمسكهم بالمنهج السلفي القائم على العمل بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح سوف يجعل أي فصيل إسلامي يحجم عن التساهل في التنازلات حرصا على شعبيته.

جرت الانتخابات وحل حزب النور الذراع السياسية للدعوة السلفية ثانيا بعد حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين وحصل حزب النور على قريب من ربع مقاعد مجلس الشعب، ومع الحراك السياسي بدأت تظهر من حزب النور ومن قيادته الدينية أو السياسية، بعض المواقف التي لم تكن مقبولة عندي اعتبرتها في ذلك الوقت أخطاء لا بد منها نظرا لحداثة التجربة بالنسبة لهم وامتنعت عن التعليق على أي موقف رأيته خطأ من وجهة نظري، لكن مع مرور الأيام وتوالي المواقف بدأ الخلل واضحا يدرك من الوهلة الأولى وبدا أنه ليس مجرد خطأ في اجتهاد فقهي ولكن الرؤية السياسية وما يترتب عليها من مواقف فيها عوار كبير، ومضى الحزب في طريقه الذي اختطه لنفسه لا يلوي على شيء مما بَعُد به وانحرف عن نقطة النهاية المأمولة

بداية عند قيام الثورة دعا د/ياسر والمهندس الشحاتقواعدهم لعدم المشاركة فيها ونهى د/ياسرمن استفتاه عن المشاركة فيها، وقال المهندس الشحات عن المشاركين فيها شباب أهوج يحركهم الانترنت، وهذا موقف يمكن تفسيره من خلال عدم ثقتهما في نجاح الثورة ومن ثم تعرض الدعوة السلفية للعقوبة نتيجة هذا الموقفلكن الأمر لم يقف عند حد بدايات الثورة (ومع امتداد الفترة الزمنية التي عمل فيها حزب النور بالسياسة ومع مواقفه المتعددة التي تنبئ أن وراء الأكمة ما وراءها يمكن النظر إلى مواقف الحزب السابقة نظرة مغايرة أشمل وأقوى إحاطة)ومع استمرار الثورة بعد 25 يناير وتمددها وازدياد المشاركين وظهور ترنح النظام شارك بعض أتباع الدعوة فيها بمبادرة شخصية، وبعدما خلع رأس النظاموتولي المجلس العسكري إدارة البلاد بادرت الدعوة السلفية-كما بادر غيرها-بتأسيس حزب النور وبدأت الدعوة تدخل على خط السياسة

وسوف لا أقف عند كل نقطة أفصل وأحلل واستشهد فهذا يحتاج إلى ملازم كثيرة ولكنني سأكتفي برؤوس أقلام كي ألم بغالبية المشهد في وجازة واختصار أتمنى أن لا يكون مخلا ولا مملا

أول علامة استفهام استوقفتني في مواقف حزب النور موقفه من المرشح الرئاسي الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل الرجل ذو التوجه الإسلامي الصحيح الناصعصاحب الشعبية الطاغية، فقد خرجت منهم كلمات مثل أنه ليس سلفيا بل إخواني صميم، (ولننظر الأن بمن قبلوا؟ لقد قبلوا بمن ليس إسلاميا بالمرة)وقالوا عن الشيخ حازم: إنه تصادمي بناء على تقرير الطبيب النفسي، إلى غير ذلك من الأقوال التي لا دليل عليها وليتهم ذكروا الشروط الواجب وجودها في شخص الإمام أو الرئيس وبينوا عدم وجودها أو عدم وجود بعضها المؤثر في صلاحيته لهذا المنصب، حتى يكون موقفهم معبر عن موقف سلفي حقا، وقالوا: إن التحالف معه غير وارد،ومعلوم للجميع أن الشيخ حازم كان مبغضا من المجلس العسكري داخليا ومن أمريكا خارجيا فهل كان موقف حزب النور وقياداته من الشيخ حازم له علاقة بذلك؟، في ذلك الوقت المبكر لم يكن أحد يجرؤ على ذكر ذلك الكلام لكن الأيام أثبتت أن هناك اتصال وتشاور مع العسكر باعتراف الشيخ ياسر نفسه فقد صرح أن اللواء عبد الفتاح السيسي-و(كان وقتها مدير المخابرات وعضو المجلس العسكري)-قال له تضمن الإخوان فأجابه لا "ماضمنش الإخوان"وهذا دليل على الاتصال والتفاهم والتحاور، وسوف يتبين أن منهج حزب النور وشيوخه من خلال مواقفه المتعددة هو الانفصال عن جسم التيار الإسلامي والحرص على إظهار التميز عنهم والاقتراب من النظام العسكري الحاكم

علامة الاستفهام الثانية عند الانتخابات الرئاسية أيد حزب النور المرشح الرئاسي د/عبد المنعم أبو الفتوح مع أن أبا الفتوح كلامه وأفكاره يتناقض بصورة جذرية مع السلفية حيث صرح بأنه مرشح الأزهر ومرشح الكنيسة ومرشح اليسار ومرشح الليبراليين فما الذي حملهم على تأييد شخص بهذه المثابة؟؟ هل كان هناك توجيه من الجيش بذلك كما يقول البعض؟ لا أدري أم هل كان بغضهم للإخوان أو منافستهم وصلت لهذه الدرجة خاصة وأن مناكفة الإخوان ظلت معلما بارزا في جل مواقف الحزب وقد ذكر الشيخ ياسر في أحد مقاطع الفيديو أن طلاب الإخوان في الجامعة أيام كان طالبا حملوه وأخرجوه من المسجد وقال أنا مش ناسيهالهم.

قام د/ياسر بزيارة الفريق شفيق في بيتهليلة إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية وعندما نوقش في ذلك من وائل الابراشي أصر على أنه كان هناك اتصال تليفوني، ثم اضطر في النهاية إلى الاعتراف بالزيارة فما الحامل على ذلك؟ وقد فسر فيما بعد استخدامه للمعاريض هنا أنه كانت هناك أطراف حضرت معه لم يستأذنهاوأنه الآن استأذنها ومن ثم يجهر أنه قابل الفريق شفيق في بيته مع أنه عندما قال ذلك لم يذكر من كان معه في اللقاء.

علامة الاستفهام الثالثة التقاء ممثلي الحزب مع جبهة الإنقاذ مع أنها جبهة علمانية لا علاقة لها بالشريعة فيما قيل وقته عن هذا اللقاء إنه قبلة الحياة للجبهة بعدما ذبلت وقارب أمرها على الانحلال، وكأنهم لا يريدون للدكتور مرسي أن يتفرغ لقيادة البلد بل يريدون استمرار المشكلات كي يفسدوا أمره وأوضح دليل على ذلك تصريح الأستاذ نادر بكار بخصوص احتجاجات 30/6حيث قال" لا نريد لاحتجاجات 30 يونيو أن تفشل تماماً، لأنها إذا فشلت فإن الإخوان سيصبحون وحشاً كبيرا لا يملك أحد توقيفه، كما أننا لا نريد فوضى"، وهذا يشعر أن حزب النور قد مشى في مشوار القطيعة مع الإخوان حتى منتهاه.

العلامة الأكبر والأبرز من كل ما مضى مشاركته في الانقلاب وتأييده له رغم مخالفة ذلك لكل مقررات الفقه السلفي والاحتجاج بأشياء هم أول من يعلم أنها لا تدل على جواز الانقلاب على الرئيس وهو ما يعني التنكر لكل تراثهم الفقهي،ومحاولة تحميل الإخوان كل الجرائم التي ترتبت على ذلك الانقلاب تحت عبارات مثل نصحناهم حذرناهم ولم يستجيبوا، وكأن الإخوان السبب في الانقلاب وما ترتب عليه، رغم تكشف الأمور وظهور أن الانقلاب كان يُرتب له منذ وقت ليس بالقصير، ولم تكن الحملة الإعلامية الشرسة التي شنتها الفضائيات الخاصة على الإخوان والرئاسة إلا مقدمة لهذا الانقلاب كتحضيرات المدفعية قبل شن الهجوم على العدو في العمليات العسكرية.

وتعد المشاركة الواضحة في الانقلاب لحزب النور وتسويقه والدفاع عنه وتحميل الإخوان المسئولية الكاملة عن الانقلاب بمثابة سقوط ورقة التوت التي كانت تستره، فظهر الانحياز الواضح للانقلاب ومن ثم تأييد الدستور المكتوب على عين العسكر وإقامة المؤتمرات لحشد الناس للقول بنعم للدستور رغم ما عليه من اعتراضات من كثير من أطياف الشعب المصري بل خطوا في ذلك خطوة غير مسوغة وهي فتح باب التبرع لتدعيم الحملة الداعية لقول نعم للدستور، وإرهاب الناس أن عدم الموافقة على الدستور يفتح الباب على صراعيه أمام الحرب الأهلية وتقسيم البلاد.

وبعدما كان الأمن في السابق يحارب الإسلاميين سلفيين وإخوان وغيرهم وجدنا الأمن على غير عادته يقوم بتأمين د/ياسر في زيارته للدعوة للدستور وتأمين مؤتمرات الحزب الداعية لذلك وكأن الحزب قد تماهى في الأمن فقد بات انحياز حزب النور وقياداته إلى الانقلاب وتأييده أمرا لا يخفى على أحد كما بات ظهور القطيعة بينه وبين غالبية فصائل التيار الإسلامي أمرا واضحا ولعل تصريح د/ياسر أنه "لو فشل الانقلاب وعاد الإخوان للحكم فلن تسمع ليعندها صوتًا ولا للدعوة التي سعوا (الضمير عائد للإخوان) ويسعون إلى إزالتها من الوجود"يكشف عن أمرين:

1- حرصه على إنجاح الانقلاب والعمل على ذلك من خلال نزوله بثقله كله خلف نعم للدستور لأنه ربط مصيره بمصير الانقلاب

2- كما يكشف عن شعوره بمدى ما أحدثته مواقفهم من القطيعة بينهم وبين الإخوان.

ما ذكرته هنا كان بعض المواقف وليس كل المواقف وهو ما يظهر لنا منهافقط دون التعمق في خلفياتها وبواعثها، وإن كنت لا أشك أن وراء هذه المواقف الغريبة أسرار لم تكشف بعد وستنكشف بحول الله وقوته فيما يستقبل من الأيام.

وفي النهاية نسأل الله من فضله أن يهدي ضال المسلمين وأن يوحد صفهم على الخير والحق وما فيه عز الإسلام والمسلمين وأن ينجي أوطانهم من طغيان الطغاة وظلم الظالمين.