إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ...  وبعدُ،

فمن مُتمماتِ الحديثِ عن (الأمانة) الحديثُ عن (الخيانة)، وحيثما كان الحديثُ عن (الأمناء) فلا بد من حديث عن (الخونة) ونماذجَ لخيانتهم ..

والخيانةُ ـ أيها الناسُ ـ كما كانت في الأولين هي كذلك في الآخرين، وتتنوعُ الخياناتُ فصغرى وكبرى، وخياناتٌ فرديةٌ وجماعيةٌ، خياناتٌ في العلم والتعليم، وخياناتٌ في المال، وفتنة وخيانة للأولاد، خياناتٌ في الاقتصاد ومثلُها وأعظم في السياسة، هناك خياناتٌ زوجية، وخياناتٌ للصديق، هناك خيانةٌ في العمل، وفي التعامل، هناك خائنةُ الأعين وما تُخفي الصدور، وهناك خيانةٌ في الإعلام والقضاء، والبيع والشراء ...وهكذا تتسع دائرة الخيانةِ، ويكثر الخونةُ لا كثرهم الله، ونعوذ بالله مما استعاذ منه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث قال" :وأعوذ بك من الخيانةِ فإنها بئست البطانة" [صحيح سنن أبي داود:8/263].

ومن هنا يمكن القول: إن الخيانةَ شبحٌ مخيفٌ، وداءٌ عضالٌ، ومرضٌ يسري، وسلوكٌ معوّج، وانتكاسٌ للأخلاق والفطر... إنها غيابٌ في الوازع الديني، واغتيالٌ بشعٌ للمروءةِ، وتحيّلٌ ممقوتٌ يحسبها الخونةُ شطارةً وشجاعةً، وإنما هي لؤمٌ وجبنٌ، ولصوصيّة بامتياز!!

لا يقدم على (الخيانةِ) أكابرُ الناس، بل هي مطِيّةُ الأصاغرِ، ولا يقبلها الشرفاءُ، وإنما يمتهنها اللؤماءُ، لا يجتمع إيمانٌ وخيانةٌ، كما لا يجتمع الصدقُ والكذبُ، والمجتمع السليمُ الراقي هو الذي يمقت الخيانةً وينبذُ الخونةَ والخائنين ...

كم أفسدت الخيانةُ من بيوتٍ، وقوّضت من عروشٍ، وأفنت دولاً وأمماً، وهل سقوط الدولة العباسية والمعمرة أكثر من خمسة قرون إلا بسبب الخيانة؟، كم ألهبتِ الخيانةُ من حرقةٍِ في القلوبِ، ولوعةٍ في النفوس، وكم شوّهت الخيانةُ من حقٍ، وخَدَعت بباطلٍ، وكم أوقعت الخيانةُ في حبائلها من مُحقين، ورفعت أسهمَ مبطلين .. إن راجَ سوقُ الخيانةِ عندَ من لا خلاق لهم ولا دين، فهل يجوز أن تجد لها مكاناً في مجتمعات المسلمين؟ وإن مارسها الجهلةُ والصغارُ، فهل يسوغُ أن يتلبس بها العالِمون والكبار؟ وليس التحدي أن يمتنع عن الخيانة من لا يستطيعها .. وإنما الشأن كلُّ الشأنِ أن يترفع عن الخيانةِ من هم قادرون عليها .. ودونكم هذا النموذجَ الراقي، وكيف يعتذر عن الغدر والخيانة ـ مع قدرته عليهما ـ (قيس بن سعد بن عبادة) رضي الله عنه وعن أبيه، كان رجلاً ـ كما قيل  في وصفه ـ :من دهاة العرب، ومن أهل الرأي والمكيدة في الحرب، وكان سخيّاً شجاعاً، بل هو كما نقل ابن حجر: شريف في قومه غير مُنازَع .. وكان يقول : لولا الإسلام لمكرتُ مكراً لا تطيقه العرب [الإصابة : 8/190].

ومرةً أخرى ـ ومع قدرة قيسٍ على المكر والخديعة ـ يمنعه الدينُ، وما أعدّه الله للماكرين والخائنين من النكال والجحيم، ويقول (قيسٌ) : لولا أني سمعتُ رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (المكرُ والخديعةُ في النار) لكنتُ من أمكر هذه الأمة). [السير : 3/107، 108].

والحديث (المكر والخديعة في النار) أخرجه ابن عدي في الكامل بسند قال فيه الحافظ ابن حجر : لا بأس به.. [الفتح : 4/298، عن سير أعلام النبلاء : 1/107 هامش 4].

وآخرُ يمنعه من المكر والكذب والخداع الحياءُ، وألا يُعهد عليه الكذبُ حتى وإن لم يكن مسلماً، ويقول أبو سفيان ـ رضي الله عنه ـ   قبل أن يُسلم ـ في حواره مع هرقلَ حين سأله عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : وأيم الله، لولا مخافة أن يؤثر عليّ الكذبُ لكذبت.. (الحديث في الصحيحين).

بل حينما سأله هرقلُ : هل يغدر النبيّ؟، قال أبو سفيان : لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها ، واعتبر أبو سفيان ذلك منه فرصةً أصاب منها حتى قال : فو الله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه، فتلك أعظم ما صنعه أبو سفيانَ من مكر في محاولته التضليل من خصمه محمدٍ ـ عليه الصلاة والسلام ـ ، وأبو سفيانَ مشرك لم يسلم بعدُ!

فما بالكم بمن لا يمنعه الدينُ ولا الحياءُ عن الكذبِ والخيانةِ والغدرِ والمكرِ وهم مسلمون؟ نسأل الله العافية والسلامة ..

وهكذا هُم الكبارُ من الناس الذين يتعالون على الكذبِ والخديعةِ والغدرِ والخيانةِ وإن قدروا .. ذلك لأنهم يخافون الوعيد يوم القيامة، أو يخافون الفضيحة في الدنيا .. ومن هنا تجلى صدق (كعبِ بن مالك رضي الله عنه) والمؤمنين معه حين تخلف عن غزوة تبوك، واعتذر غيرُهم وهم كاذبون، وقُبِلت علانيتهم، ووكِلت سرائرهم إلى الله ..

أما كعبٌ واللذان تخلفا معه فكانوا من الكبار حتى وهم في حالةِ الضعف البشري، وحتى تعلم ذلك استمع إلى كعبٍ وهو يقول للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إني والله لو جلستُ عندَ غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنْ سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيتُ جدلاً، ولكني والله لقد علمتُ لئن حدثتُك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عنّي ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ .. ثم صدق في الحديث والاعتذار فصدقه الله وأنزل فيه وفي أصحابه:} وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ {[التوبة، والحديث رواه البخاري]

بمثل هؤلاء الرجال انتصر الإسلامُ، وعلى مثل هذه النماذجِ الراقيةِ الطيبةِ تنزلت آياتُ القرآنِ، ولا يزالُ البابُ مفتوحاً للسموّ والارتقاء، وكلما هبط المستوى الأخلاقي، فحلّت الخيانةُ مكان الأمانة، وتلبس الناسُ بالكذب، وتوارى الصدقُ .. كلما تأخر مدُّ الإسلامِ، وتراجع المسلمون، واحتجنا للدعاء}: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا{.

وهكذا نصوصُ الكتابِ والسنةِ تدعونا أن نكون صادقين، وتنهانا أن نكون كاذبين خائنين مخادعين، بل تنهانا نصوصُ الشرعِ أن نُخاصمَ عن الخائنين، أو ننتصر للمبطلين} : وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا{، وتعلمنا نصوصُ الشرع أن المعصيةَ خيانةٌ} عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ {[البقرة :187] أي تخونونها بالمعصية ..

وأنَّ نقضَ العهدِ خيانةٌ: }وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ{ [الأنفال:58]

والمخالفةُ في الدين خيانةٌ }كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا {[التحريم :10].

والزنا خيانةٌ }ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ {[يوسف : 52].

إنها ـ أعني الخيانة ـ صفةُ المغضوب عليهم (اليهود) } : وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ{ [المائدة: 13]، وهي مركبُ المنافقين) وإذا ائتمن خان) .. هي كبيرةٌ من الكبائرِ، وتَعظُم بِعِظَمِ نوع الخيانةِ وأثرِها على الفرد أو المجتمع أو الأمة .. ألا فاحذروا الخيانة بكل أشكالها وألوانها .. وفتشوا في مساربها، وامنعوا أنفسكم من الولوج في نفقها المظلم، وكونوا حراساً يقظين لكل خائنٍ أثيمٍ ـ إذ لا مكان للخونة في مجتمعات المسلمين..

يا مسلم يا عبد الله، تذكر أنك إن قدِرتَ على المكرِ والخيانةِ اليوم، فستعجز عن حمل تكاليفها غداً، وإن ذهب بك طمعٌ أو حمقٌ أو رغبةٌ في التشفي والمضارة للآخرين ..فاعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين، ولا يصلح عمل المفسدين .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم}: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ{ نفعني الله وإياكم ...

 

 

الخطبة الثانية :

الحمد لله علّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يجزي المحسنين، ويحب المخلصين، وأشهد أولي العلم مع نفسه وملائكته على ألوهيّته للعالمين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خيرةُ المرسلين، وإمامُ المعلمين، وكان أصحابُه وطلابُه سادةَ الدنيا باعتراف المسلمين وغيرِ المسلمين.. اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ..

إخوة الإسلام :

وما أجملَ الأمانةَ في العلم والتعليم، وما أقبحَ الخيانةَ في المتعلم والُمعلّم .. فيا أيها المتعلِم ، اخلص في تعلُّمك، وجُد في طلبك، وارتقِ في تحصيلك وطموحاتك، فأنت اليومَ طالبٌ، وغداً معلمٌ، وأنت اليوم تُرعى، وغداً تَرعى، انظر أيّ رصيدِ من العلم حصّلت، وأي قدرٍ من التربية حُزتَ، إن طلابَ اليوم هم رجالاتُ المستقبل، والدارسون اليوم هم صانعو السياسات غداً، ألا فلنحسن صناعتَهم، ولنتحرّ أرقى وأنفع أساليبَ التعليم والتربية لنعلمهم ونربيهم بها..

أيها المعلِم  الكريم: وحيث كان الحديثُ عن الأمانةِ والخيانةِ فتأمل في أبجديات الأمانة وقيمها، وأثرها فتحلَّ بها، وانظر في انتكاسة الخيانةِ وبؤسِها وثمارِها المرّة فاجتنبها..

أيها المعلم، وبطبيعة الحال يستدعي النظامُ الإداري أن يكون لك مديرٌ ، وعليك مشرف .. ولكن ـ فوق ذلك ـ تصوّر رقابة السماء، وعظمة من لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها...

أيها المعلم: كن واقعياً مع نفسك، فارغب لها ما ترغبُ لغيرها، وأدِّ للناس الذي تحب أن يؤدوه إليك، أليس لك أبناء .. فعامل طلابك كما تحب أن يعاملَ غيرُك به أبناءَك، وكن واقعياً مع طلابك، تقبَّلهم بأخطائهم، واجتهد في إصلاحهم فهم ليسوا ملائكةً ولا شياطين، ولا سبيل للتهرب من توجيههم بأعذار واهية...

أيها المعلم: كن قدوةً صالحةً لطلابك، وأظهر احترامَك وتشجيعَك لهم، فهذا أقربُ الطرق لكسبهم وإنصاتهم..

يا أيها المعلم: تذكر أن أمامك شريحةً من علماء المستقبل، وعظماءِ الرجال، وكم من عظيم أصبح عظيماً بسبب كلمةٍ محفزة، أو لفتةٍ  تربويةٍ نافعةٍ..  فلتكن مساهماً في صناعة العظماء!!

يا أيها المعلم ـ أيّا كان تخصصك ـ كلُ المقررات والمناهج فيها مجال للتوجيه والإبداع، والقيم التربوية، فاللهَ اللهَ أن يؤتى الطلابُ من قبلك؟

أيها المعلم: وكما أنت محاسب على وقت الحصّة الدراسية، فأنت محاسبٌ كذلك على قيمة العطاء ونوعيته، فلا يكن همّك انقضاء الوقت قدر اهتمامك بفائدة الطلبة واستيعابهم للمنهج وأهدافه..

أيها المعلم: ويحضر عندك من أعْيَا والديه تربيةً، وربما أعجز جهاتٍ مسؤلةً متابعةً، فهل تكونُ أنت بدايةَ الإصلاح والاستصلاح، وقائدَ التغيير وتوجيه المسار؟

يا أيها المربي: خوفُ طلابك منك ليس دليلَ النجاحِ، وتلويحك بالدرجات ليس طريقَ الفلاحِ .. إنما عنوانُ النجاحِ والفلاح أن تكون الدرجاتُ والامتحانُ آخرَ ما يفكرُ به الطلابُ، فقد نجحت في تحبيبهم للعلم، وغرست فيهم حبَّ البحث والاطلاع، فجاءت النتيجة بامتياز ودون تكلف!!

أيها المعلمون: كاد المعلمُ أن يكون رسولاً، فأنتم تمارسون مهمةَ الأنبياءِ في التعليم والدعوة، ومتى أخلصتهم واحتسبتم الأجر في عملكم كانت ساعاتُ نهاركم في موازين حسناتكم، ودون أن ينقص من أجوركم المادية شيئاً، وكانت المدرسةُ مثلَ وأحبَ إليكم من بيوتكم!!

أيها المعلمون.. وأيها الطلاب، وأيها الأولياء، وأيها المسؤلون .. لنكن يداً واحدةً في صياغة تعليمٍ قادرٍ على التحدي والانتاج، ولنتعاون جميعاً على تطوير التعلّم والتعليم، ولنجتهد على أن تكون المخرجات بقدر المعطيات والتطلعات والتحديات ..

اللهم وفق معلمينا ومسؤليهم، وطلابنا وطالباتنا وأهليهم لكل خير ...اللهم علِّمهم ما ينفعُهم، وانفعهم بما علمتهم ...