رابط صوتي لسماع الخطبة "أضغط"



الحمد لله يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلم ما كان وما سيكون، وله الحكمةُ البالغة وهو العليم الخبير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أُصيب وانتصر، وشُج وجهه، وكسرت رباعيته، وسال الدمُ على وجهه فصبر واحتسب، ثم أعقب اللهُ مصيبَتَه نصراً، وكفى الله المؤمنين الأحزابَ، وفُتحت مكةُ ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وأوحى الله إليه فيما أوحى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}..

اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين الذين كُذِبوا وأُوذوا حتى إذا استيأسوا جاء النصرُ ومُكن للمؤمنين، وبقي أخذُ الظالمين الأولين عبرةً للآخرين..

إخوة الإسلام:

اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، فالزمان موحش، والفتن تتراكم، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم، ومن يهن الله فما له من مكرم...

وبعد، فهذه (نقاط على حروف العنف والخلاف في مصر) (عشرون وقفة)، وهي استكمال للخطبة قبلها (من بئر معونة إلى مجزرة رابعة والنهضة) ـ أجملها في النقاط التالية:

1-  العنف الذي وقع في مصر على إثر الانقلاب المشئوم عنفٌ لئيمٌ، وجرمٌ عظيمٌ، ذلك أنه وقع من أناس يملكون السلاح والعتادَ، ويتحدثون بلغة المدفع والقناصِ، ويسلكون مسالك الكذب والتزويرِ، في مقابل عزَّلٍ لا يملكون إلا لافتاتِ احتجاجٍ سلميةٍ عبروا بها عن مطالبهم، وأصوات تكبير ربما قوّوا وسلّوا بها أنفسهم، وحين اتُهموا باستخدام الأسلحة وهم يُقتلون لم يُوجد في جيوبهم إلا القرآنَ العظيمَ مؤنساً لهم، والهويةَ الشخصيةَ التي تثبت أنهم مواطنون مصريون أصلاً ومنشأً، والأدهى والأمر في هذا العنف أنه يقع بين أبناء بلدٍ وملةٍ واحدةٍ، وهذا يعظِّم الفضيحة ويزيد في المآساة...

2-  ويرد سؤال: لماذا الحديث عن أحداث مصر؟

والإجابة عن هذا من عدة أمور مهمةٍ، فالأمة المسلمة كالجسد الواحد، إذا اشتكى من  عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهر والحمى، ومصر ليست للمصرين وحدهم، فهي ذات ثقلٍ حضاري، ومدٍّ إسلامي، هي كما يقال: (أمّ الدنيا) هي مصر الأنبياء عليهم السلام، وهي مصر عمرو، وصلاح الدين، هي مصر العِلم والعلماء، وهي مصر الطاقات والكفاءات والبعثات، ورجالات مصر حين يُخسرون لا تخسرهم مصرُ وحدها، ومن يجحد وجود الطبيب المصري، والمهندس المصري، والمعماري، والمحاسب، والإداري، والقانوني، والمعلِّم، والأستاذ الجامعي.. إلى غير ذلك من تخصصات وطاقاتٍ أخرى تجاوزت مصر إلى العالم كلِّه.. ومن هنا يخسر العالمُ كلُّه حين يموت مصريٌ نتيجة حماقةٍ وصلفٍ وعنفٍ لا يقيم وزناً للحكم الشرعي، ويُدانُ ويجرَّمُ بالقوانين والأعراف الدولية، هذا فضلاً عن أن أمن مصر وعافيتها أمنٌ وعافية لغيرها..

الحديث عن مصر باختصار بحجم المؤامرة عليها، وبحجم الاهتمام بها، وهل هذا التنادي على مصر إلا لأهميتها دولياً وإقليمياً وفكراً ومعتقداً..

3- والعنف في مصر قد لا يقف عند حدودها، ولن يسلم منه مواقعُ ودولٌ أخرى، ذلك أن العنفَ سريعُ الانتقالِ، واسعُ الانتشار، ومنطقتنا بل عالََمُنا لا مزيد للعنف والنكبات فيه، ومن هنا، فحين نساهم في تحجيم العنفِ نقطع طرقَ الإمدادِ، ونمنع بؤرَ الفساد أن تمتد في محيط المكان والزمان، ولا نستجيب لاستفزازاتٍ إقليميةٍ أو دوليةٍ، ربما نهت إن إرهابٍ وهي تمارسه، واتهمت أبرياء وهي أولى (بالتهمةِ).

4-  ومن هنا نقدم التحيةَ معطرةً بالدعاء لرئيس لم يُهْرِقْ في وقت رئاسته قطرةَ دم ـ رغم الاستفزاز والتصعيدـ ومساكين أولئك الذين بدأوا عهدهم بإراقة الدماء، وتقسيم الناس أحزاباً، وفرقٌ بين من يَعِدُ بالإصلاح وينوي القضاء على الفساد، وبين منْ إذا تولى سعى في الأرض ليفسدها، ويهلك الحرثَ والنسلَ واللهُ لا يحب الفساد، وقد صح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قولُه: (من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله لم يقبل اللهُ منه صرفاً ولا عدلاً) [صحيح الجامع: 5/337].

5-  وأي دين يُبيحُ، أو عقلٍ أو قانونٍ يسمحُ لمن قدّمَك أن تؤخرَه، ولمن أمنك أن تغدرَ به، ومن سوّدك ورأسّك أن تهينَه وتسجنَه، وإذا استُنكر هذا في موازين الدنيا، فموازين الآخرة أشقُ، وفي نصوص القرآن والسنة وعيدٌ شديدٌ لنقض العهودِ وعدمِ الوفاءِ بالعقودِ، وينصب يومَ القيامة لكل غادرٍ لواءٌ ويقال: هذه غدرةُ فلانٍ بنِ فلانٍ [متفق عليه: انظر جامع الأصول 4/77، ومسلم في تحريم الغدر: ح 1735]

فيا للفضيحة حين تكون على رؤوس الأشهاد، والحكم فيها ربُّ العباد؟ ويختمُ على الأفواه وتشهد الجوارحُ!!

6-  وفوق الغدر والخيانةِ والسجنِ والإهانةِ والاعتداءِ على الحقوق المشروعةِ يُبَرَرُ الباطلُ، ويُلَبّسُ على الحقِ، ويصبحُ الظالمُ مظلوماً، والمحاصرُ والمقتول شيطاناً مريداً؟، تُرى من يشوّه الصورةَ، ويعكسُ الحقيقةَ سوى إعلام فاسدٍ مأجورٍ، وذممٍ تشترى، وطغيانِ حزبيةٍ مقيتةٍ (لا تَرى في الوجودِ إلا نفسها، وتنهى عن الإقصائيةِ وهي شرُّ من يمارسها)، وأصحابِ جهلٍ أو أهواءٍ أعماهم الجهلُ أو الهوى عن رؤية الأشياء على حقيقتها {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}.

7-  قيل: إرهابيون يحملون السلاح، وهم بالسلاح قتلوا !! وقيل: إنهم ميليشيات يريدون إدخالَ البلاد في دوّامة عنف..وهل أعظمُ عنفاً من قتلِ الأبرياء، والاعتداء على المساجد والمشافي، وأماكن الإسعافِ والدواء للمرضى والجرحى، والاعتداءِ على المساجد؟!

فالعالمُ كلُه مسلمُه وكافرُه يشهدُ على حجم المأساة، ويدينُ ممارساتِ العنفِ التي يقودها العسكرُ ويبررها النظامُ الباغي في مصر، وزوَّرتها الأحزابُ العلمانية والليبرالية فانكشف الزورُ وبطل السحرُ؟

8-  ولماذا يخرج المظلوم ويحتج صاحبُ الحق، وما الفائدة والأثر؟ هنا يقال: حتى لا يزيد الباطلُ ويكثر المبطلون، وحتى لا يصادَر الحقُ ويُقضَى على المحقين، {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ}، وهنا كلام جميل لشيخ المفسرين الطبري ـ رحمه الله ـ قال فيه: (لو كان الواجبُ في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهربَ منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أُقيم حدٌّ، ولا أُبطل باطلٌ، ولَوَجدَ أهل الفسوقِ سبيلاً إلى ارتكاب المحرمات من أخذ الأموال، وسفك الدماء، وسبي الحريم، بأن يحاربوهم، ويكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولوا: هذه فتنةٌ وقد نهينا عن القتال فيها، وهذا مخالفٌ للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء) [الفتح: 13/24].

وإذا نقل هذا الحافظ ابن حجر في تعليقه على حديث (إذا التقى المسلمان بسيفيهما) فكيف بمن لم يحمل سيفاً أو يقاتل؟

9-  على أن هذه الأحداث المؤلمة حين تقع فيها منافعُ وحكمُ، ففيها يستخرج مكنون الإيمان من نفوسِ آلامها سياطُ الباطلِ، تَضْرِب الحقَّ، ومبطلون يؤذون محقِّين، وفي المقابل تتكشف خبايا نفوسٍ مريضةٍ فرحت بكسرة الحق وغلبة الباطل ـ ظاهراً ـ وأظهرت ما كانت تُخفي، وتكشفت الحقيقة لأناس آخرين ربما كانت غائبةً عنهم.

 وهنا وفي ظل هذه الظروف يميز الله الخبيث من الطيب، وتتمايز الصفوف، وإذا قيل للمؤمنين على إثر مصاب أحد: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} فغيرهم من باب أولى في التمحيص والتمايز..

10- ولابن القيم كلامٌ جميلٌ وتحليلٌ رائع، وبيان جزلٌ في الحكم والغايات المحمودة لمصاب المسلمين في أحد، ومما ذكر من هذه الحكم وهي صالحة للاعتبار في كل زمان ومكان:

ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء، وفيما يحبون وما يكرهون، وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية.

ومنها: أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكسرة والهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا، فاستوجبوا منه العز والنصر، فإن خلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [ آل عمران: 123 ]. وقال: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئا}.

ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم، ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم، فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم، وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ*وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } [ آل عمران: 139، 140] إلى أخر كلام نفيس لابن القيم في زاد المعاد حريٌ بالمراجعة والتأمل [زاد المعاد: 3/218-240].

11-  على أن الأحداث كشفت عن فئة صامتةٍ وعسى أن يكون من دروس أحداث مصر أوبةَ مثقفين معتبرين ربما أخطأوا الطريق فترةً وهم يسيرون خلف ركاب دعاوى الليبرالية وطروحاتها النظرية، فلما وأد الحريةَ والديمقراطيةَ والعدالةَ أدعياؤها أيقن هؤلاء أنهم كانوا يضعون البذر في غير منبته، فلم يستمرؤوا الاستمرار في (الاغتراب) ولم يستسيغوا الاحتطاب في حبل (الراعي) وهم إن كانوا الآن في مرحلة صمت، فالمتوقع والأمل أن يعقب هذا الصمت عودةٌ للرشد الإسلامي، وهجرٌ للعلمنة واللبرلة التي نحَرت نفسها وأصبحت بضاعتُها أمام العالم مزجاةً، وما عاد مكانٌ في الصف للون رمادي!!، لا إلا هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

12- وسؤال مهم: هل يمكن أن تجهض (الثورات) بمثل هذه التحالفات؟ وهل يمكن إلغاء (الربيع) وهو فصل من فصول السنة، ومهما اختلفت وجهات النظر فالمهم أن يكون (التغيير) في مكانه المناسب، و(الربيع) في زمنه المناسب.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب: 23-24].

 

الخطبة الثانية:

13-  على أن مما ينبغي أن يتفطن له دائماً ألّا تُزكى النفوسُ، وتجردَ من الأخطاء، فقد تنزل المصائبُ بسبب ذنب أو ذنوب ارتكبها المسلمون وهم يعلمون أو يجهلون، وقد يقع المصاب الأليم لخطأٍ أو أخطاءٍ بقصدٍ أو تأويلٍ. ويراد تخليصُ أهلِ الإسلام وتنقيتهم من الذنوب، كما يراد تصحيح القصد ومراجعة المنهج، وآفات النفوس كثيرةٌ، وأمراض القلوب مُعوّقةٌ، فإذا ما حصل التصحيح وتخلّصت النفوس من الآفات والهوى.. استحق هؤلاء نصرَ الله، ونصرُ الله قريب، وقد يستبعد وهو فوق الرؤوس ينتظر (كن فيكون).

14- وثمة حكمة ربانيةٌ تربط بين فسادِ المحكومين والحاكمين لهم، وكما تكونوا يولَّ عليكم، وعن هذه الحكمة قال ابن القيم رحمه الله في [مفتاح دار السعادة: 1/253-254]: (وتَأمَّلْ حِكمتَه تَعالى في أن جعَلَ مُلوكَ العِبادِ وأُمراءَهم ووُلاَتَهم مِن جِنس أَعمالِهم، بل كأنَّ أَعمالَهم ظهرَت في صُوَر وُلاَتهم ومُلوكِهم، فإن استَقامُوا استَقامَت مُلوكُهم، وإن عدَلوا عدَلَت علَيهم، وإن جارُوا جارَت مُلوكُهم ووُلاَتُهم، وإن ظهَرَ فيهم المَكرُ والخَديعةُ فوُلاَتُهم كذَلكَ، وإن مَنَعوا حُقوقَ الله لدَيهم وبَخِلوا بها مَنعَت مُلوكُهم ووُلاَتُهم مَا لهم عندَهم مِن الحقِّ وبَخِلوا بها علَيهم، وإن أَخَذوا ممَّن يَستَضعِفونه مَا لاَ يَستَحقُّونه في مُعاملتِهم أَخذَت مِنهم المُلوكُ مَا لاَ يَستَحقُّونه وضَرَبَت علَيهم المُكوسَ والوَظائفَ، وكلُّ مَا يَستَخرِجونَه من الضَّعيفِ يَستَخرِجُه الملوكُ مِنهم بالقوَّةِ، فعمَّالُهم ظهَرَت في صُوَر أَعمالِهم، وليسَ في الحِكمةِ الإلهيَّةِ أن يُوَلَّى على الأَشرارِ الفجَّارُ إلاَّ مَن يَكونُ مِن جِنسِهم، ولمَّا كانَ الصَّدرُ الأوَّلُ خِيارَ القُرونِ وأبرَّها كانَت ولاَتُهم كذَلكَ، فلمَّا شابُوا شابَت لهم الولاَةُ، فحِكمةُ الله تَأبَى أن يُوَلَّي علَينا في مِثل هَذهِ الأَزمانِ (يعني القرن الثامن الهجري) مِثلُ مُعاويةَ وعُمرَ بنِ عَبدِ العَزيز فَضلاً عن مِثل أبي بَكرٍ وعُمرَ، بَل ولاَتُنا على قَدْرنا، ووُلاَةُ مَن قَبلَنا على قَدرِهم..)

15- ومع التوازن في النظرة، والدعوة للتأمل في النفس البشرية، والمسارعة للتصحيح والتوبة، وهذا طرف من منهج الأنبياء عليهم السلام: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي}، {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ}، {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.

فلا بد كذلك من النظرة المتفائلةِ بنصر الله للمؤمنين ـ ولو بعد حين ـ ولا بد من الوعي بأن هذه الضربات القاسية، والدماء المسفوكة تنبت أجيالاً قادرةً على الثبات والمجاهدة، ومن يرقب حركات التاريخ يرى أن عدداً من الانفجارات التي حدثت، والتغيرات التي وقعت، سبقها سُعارٌ محمومٌ من البلاء والفتنة، والاستضعاف والمحنة، ثم مُكّن للمستضعفين، وأهلك الله ُ الطغاةَ والباغين، وكانوا درساً وعبرة للمعتبرين..

16-  وحين تختلف المواقف، وتتباين وجهات النظر، ويكون الباعثُ اجتهاداً لتحري الحق والصواب ـ بين أهل العلم  والفضل ـ فلا بد هنا من الرفق وحسن الظن حتى لا تتسع هوّة الخلاف في زمن يرقص الأعداء على الجراح، ومع الرفق وحسن الظن لا بد ـ كذلك ـ من بيان الحق بأدلته، وكشف الباطل والمبطلين بسيماهم ولحن أقوالهم، فالحق أحق أن يتبع، وكلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب القبر صلى الله عليه وسلم، مع اعتبار المقاصد الشرعية من جمع الكلمة، وحماية الصف من الفرقة، وألا يكون المسلم عوناً للشيطان على أخيه المسلم، ومهما امتد الخلاف المشروع فلا بد في النهاية أن يلتقي المجتهدون على كلمة سواء، وإن لم يلتقوا فحسبهم أن يتعاذروا، ويتعاونوا فيما عليه اتفقوا..

17-  بل دعوني أطلقها صيحةً مدويةً، ونصيحةً صادقةً، فهل تؤسس أحداثُ مصرَ الأخيرةَ لمرحلةٍ جديدةٍ في الوحدةِ الإسلاميةِ، وجمعِ الصفِ الإسلامي بعيداً عن التحزبِ والتمذهبِ المفرقِ للصف المبعثرِ للجهد.

وهل يُشك أن مخاوفَ الفرقةِ والاختلافِ في الصف الإسلامي أشدُ خطراً عليه من أعدائه، واليوم وعلى إثر هذه الضربة الموجعة يستشعر الإسلاميون ـ وبمختلف تياراتهم الصادقة ـ أن ثمة عدواً مشتركاً يستدعي منهم رصَّ الصفوفِ ونبذَ الخلاف لينتهي التنابزُ، ويوضع حدٌ للاحتراب، وتُؤمن الجبهةُ من الاختراق، ويُصلى صلاةُ الغائب على تصنيف الناس وتصفية المخالف، وحينها يكون ذلك من أبلغ دروس المرحلة وأنفعها، وحينها كذلك نكسبُ ويخسر غيرُنا، ونتقوى، ويضعف أعداؤنا.

وإذا لم نفلح في جني هذه الثمرة المهمة في تلك المرحلة الحرجة فمتى نجني الثمار؟

وإذا لم يجتمع المسلمون حين تتداعى عليهم الأمم فمتى يجتمعون؟، وإذا تحقق ذلك ـ وما هو على الله بعزيز ـ فليس بعزيز أن يُقدم الشهداء، وتزلزل مصرُ وغيرُها.

فكن يا عبد الله ممن يرفع الراية ويستجيب للصيحة، ويساهم في جمع الكلمة.

18-  نصرة الحق واجبةٌ، والانتصار للمظلوم مأمورٌ به ومشروع، ومن لم يقل حقاً فلا يحفظ عنه دفاعٌ عن باطل، وانتصارٌ لمبطل، وإذا كان هذا في حق المسلمين عموماً، فالأمر آكد وأشد في حق من أخذ الله عليهم الميثاق }لتبيننه للناس ولا تكتمونه{، وسنُسأل عن أقوالنا وأفعالنا وفتاوانا، وحين لا يخفى على الناس اليوم معظم المواقف، فالله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ثم يكون الجزاء والحساب عليها.

19-  أيها المسلمون: ومن قبلُ ومن بعدُ فالأمر لله وكلُّ ما حدث ويحدث هو من سنن الله في الكون، لا يخرج عن قضائه وقدره، وهو بمشيئته وحكمه، وقد تكره النفوس شيئاً، وتحزن القلوب لمصاب يقع، ويجعل الله فيه ومن ورائه خيراً كثيراً، ومن فقه الأزمات والفتن أنها تكشف عن معادن الناس وعمق الإيمان في النفوس، ومن علائم الإيمان الثباتُ على الحق في السراء والضراء، وألا تزيد المحنُ المسلمَ إلا إيماناً وتسليماً، والإيمان ليس كلمةً تقال إنما هو حقيقةٌ ذات تكاليف، وأمانة ذات مسؤولية، وجهادٌ يحتاج إلى صبر، والإيمان أمانة الله في الأرض لا يحملها إلا منْ هُم لها أهلٌ، وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجردٌ لها وإخلاصٌ..والمؤمن الحقُّ لا يَهِنُ ولا يحزن، ولا يقعد عن مواصلة العمل والدعوة، والعبادة، والمجاهدة، وهل يخفى أن (العبادة في الهرج كهجرة إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ وهل يخفى أن المصائب ترفع الدرجات، وتكفر السيئات؟ (فما يصيب المؤمن من نَصَبٍ ولا وصبٍ ولا همٍ ولا حزنٍ ولا أذى، ولا غمٍ حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من خطاياه) [متفق عليه: صحيح الجامع: 5/193].

20-  فأما انتصارُ الإيمان والحقِ في النهاية فأمرٌ تكفل اللهُ به ووعد، وما يشك مؤمن في وعد الله، فإن أبطأ أو تأخر فلحكمة، أو لِحَكمٍ يعلمها الله، وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة ويقع عليهم البلاء أن يكونوا هم المختارين من الله، وهم أهل الإيمان الصادقين: {حَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}.

وهم في زمرة الأنبياء والصالحين (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب إيمانه، فإن كان في دينه صلابةً زيد له في البلاء).

ألا فلتنشرح صدورٌ، وتستيقن قلوبٌ، ولنتعوذ من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسأله الثبات على الحق، والعزيمة على الرشد، والغنيمة من كل بر.. إنه حسبنا ونعم الوكيل، عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين في كل مكان من كل سوء ومكروه، اللهم إنا نعوذ بك من شر الأشرار، وكيد الفجار، وطوارق الليل والنهار، اللهم ولِّ علينا خيارنا، واكفنا شر شرارنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك يا رب العالمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين...