من الطبيعي أن لا يتوانى المسلم في بذل جهده لبلوغ مبتغاه، خاصة إذا تعلق الأمر بإسداء معروف أو دحض مكروه؛ فإن ذلك ميدان تنافس، إذ إنه لكل شيء رأس، ورأس المعروف تعجيله، هذا ما دفع الليبيين إلى التسابق في التضحية بكل غالٍ ونفيس لتخليص بلدهم من براثن الطغيان، الذي جثم على حياتهم أكثر من أربعة عقود. وليس الإشكال في أي من هذا، وليس الغريب أن يشاور الشباب الليبي عقولهم ولا يترددون في الظهور عبر كل الوسائل بزي إسلامي ومظاهر إسلامية وشعائر إسلامية في بيوتهم وشوارعهم وداخل الجبهات، كان التكبير والتهليل وأداء الصلوات في الأماكن العامة الطابع الرئيس للثورة الليبية، لم يشغل الليبيين عن ذلك الخوف ولا لعلة السلاح، ولا حمم القذائف... وليس الإشكال في هذا أيضاً لأن الليبيين مسلمون أصلاء، لا مطعن في اعتزازهم بالإسلام، وإن كانت فيهم شراذم كغيرهم تأثرت بالمناهج الشرقية أو الغربية، ولكن اللغز المحير والأمر المريب أن يستميت الأصلاء ويقدموا آلاف الشهداء وتكون الثمرة من نصيب الأدعياء، الذين لم يطلقوا رصاصة واحدة، ولم يذق أحدهم طعم المنية إلا حتف أنفه. فلم يلاحظ أثناء الأزمة أي دور للعلمانيين واللبراليين وأهل الفن والكرة وأصحاب المصلحة، وهذا طبيعي لأن الأمة لا تحيا ولا تنتصر بالغناء والمجون واللهو والضياع والتفلت, وإنما تعيش وتنتصر برسالتها الخاصة وفق مبادئها المحددة. لكن حينما زالت الأزمة نرى أزلام ذلك الزقاق يعودون، ويفاجئون الناس بامتطائهم صهوات الانتصار زعموا عبر صناديق الاقتراع. ولا يدرى كيف حصلوا تلك الأصوات المنكرة، والتي نزت فجأة لتبين حضور الشراذم واقتطافهم ثمرة التضحيات.

وإذا تكون كريهة أدعى لها

 وإذا يحاس الحيس يدعى جندب

وهنا يقال لهم اقطفوها وتذوقوا طعمها، لكن ما كان حلوا اليوم سيكون علقما غدا وكما تدين تدان. سيظل شباب الإسلام شوكة في حلوقكم، كما قال الشاعر:

ويراني كالشجى في حلقه

عسراً منزعه ما ينتزع

فاجراً يخطر ما لم يرني

فإذا أسمعته صوتي انقمع

قد كفاني الله ما في نفسه

وإذا يكفك شيئاً لم يضع

غاظه أني حنيف مسلم

 وهو في اللذات واللهو تبع

أتريدون سقوطي بعدما

لمع الشيب برأسي وسطع

فعلى الأصلاء أن يعوا المخاطر ويقدروا الواقع ويشمروا عن سواعد الجد ويوحدوا الهدف ويجتمعوا على كلمة سواء.

:: موقع مجلة البيان الالكتروني