لم يصدر حرق الكتب والمراجع على مدى تاريخ البشرية إلا من أعدائها. في يوم الجمعة (6/6/1433) فوجئ المسلمون في بلاد شنقيط بقيام شياطين "إيرا" بحرق عدد من أمهات كتب المذهب المالكي في مقاطعة "الرياض" بالعاصمة نواكشوط، عاصمة المنارة والرباط.

إن منظمة إيرا التي تزعم أنها تأسست للدفاع عن الرق في موريتانيا وهي تحرق كتب الشريعة الإسلامية في هذا الركن القصي من العالم الإسلامي لتبين للناس في هذا البلد أهدافها الحقيقية، كما تبرهن لهم على أن كرامة شنقيط وهي منارة العلم والمعرفة قد وئدت، ذلك أن وقاحة إيرا وهي تؤجج النيران في أمهات كتب الفقه المالكي وإن بينت زندقة أتباع هذه الحركة وأمنهم مكر الله تعالى، وعدم خوفهم من العقوبة، وبعدهم عن الإنصاف والعدل، وعدم احترامهم لمشاعر المسلمين لتجلي كذلك مدى ضعف الاحتساب لدى المجتمع، إن منظمة السوء المذكورة لم تفعل منكرها العظيم إلا وهي تعلم أن ردود الفعل ستكون غاية في الاحتشام، وهو الأمر الذي حدث؛ إذ لم تأت الردود بكل أسف متناسبة مع الحدث، سواء من جهة الدولة أو من جانب الشعب.

لقد تطاولت هذه المنظمة المشؤومة على الشريعة متمثلة في الفقه المالكي الذي ارتبط بعبق التاريخ العريق لإفريقيا المسلمة والمغرب العربي وأجزاء كبيرة من مصر ومنطقة الخليج، وهو قبل هذا وذاك شريعة منطلقها من الوحي. فكان من المتلائم مع فعلة وقحة صلعاء كهذه أن لا يرضى المجتمع بأقل من جماجم مرتكبيها.

قلت وإن لقي هذا التصرف استنكاراً وإدانة من مختلف فئات المجتمع وهيئاته المدنية من أحزاب وحركات سياسية، فإن الخطب جلل. إن مجرد اعتبار الناس لهذا الفعل الدنيء تطوراً خطيراً في موقف منظمة السوء، وأنه لا يعدو إساءة عابرة إلى الدين الإسلامي وعلمائه وإهانة عارضة للثقافة العامة التي تحكم المجتمع الموريتاني لأمر أخطر.

لقد كان من بين الكتب المحروقة المدونة والحطاب وابن عاشر والشيخ خليل والأخضري وحاشية الدسوقي، بدعوى أنها تمجد العبودية وتدعو لاستمرارها في موريتانيا. فيما وصفت منظمة الزندقة هذه الكتب بأنها "كتب نخاسة"، وحتى نستوضح ما ذا يعني هؤلاء الأراذل بالنخاسة ينبغي أن نطالع ما هي محتويات هذه الكتب؟ إنها تتحدث عن أحكام الدين الحنيف من صلاة وزكاة وصوم وحج وعبادات،  وترفق كثيراً من تلك الأحكام بأدلتها، ولا يمكن وصمها بأي حال أنها كتب نخاسة إلا من قبل من انعدم حياؤه وزاول الكفر البواح. لم يحرق هؤلاء الأنجاس كتبا تدعو إلى الإلحاد ولا أخرى تبيح المحرمات وتدعو للرذائل وانتهاك الأعراض، ولا كتبا تسيء إلى نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ولا كتبا تتحامل على عرضه أم المؤمنين الطاهرة المبرأة من فوق سبع سماوات، ولا حرقوا الكتب التي تشتم الخلفاء الراشدين وسائر صحابة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ولا كتب الزيغ والضلال والشعوذة والدجل. ولكنهم حرقوا كتب إمام دار الهجرة وأتباعه من الراسخين في العلم. فحسبنا الله ونعم الوكيل.

إن المسلم ليتألم لما آل إليه حال المسلمين وهم ينظرون حثالة من مستنقع أراذلهم تفعل هذا بمقدساتهم. فلا يكفي أن نكتفي بمجرد رفض هذا العمل المشين والمسيئ الي ديننا الحنيف، بل لا بد لحاكم تلك البلاد ومنظمات مجتمعها المدني والديني والثقافي والاجتماعي أن تعلم أنها مسئولة أمام الله تعالى عن تغيير هذا المنكر العظيم، وإلا حاق عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من كان قبلكم كانوا إذا عمل العامل منهم بالخطيئة نهاه الناهي تعذيرا، حتى إذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه، كأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفس محمد بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم». إن هذا عمل لايرضاة إلا أعداء الإسلام، فمن غير اللائق  في مجتمع مسلم السماح لأي عتل بالجراءة على مثله؛ إذ هو ممارسة قبيحة لا يقبل بها ديننا الحنيف تحت أي ذريعة، ولا يقرها حتى الملاحدة إن كانت لهم ذرة من أخلاق أو مسكة من نبل. لقد كانت الصدمة شديدة من هذا الفعل المنكر المريع، والتصرف المشين، والعمل الإجرامي الذي يتحدى المشاعر، ويطعن في معتقدات المسلمين ويشكك في سلفهم من علماء الأمة.

إن حرق الكتب الإسلامية في نواكشوط على مرأى ومسمع من جميع الموريتانيين والمسلمين في العالم هو تحد لمشاعر أتباع الدين الحنيف، وتعد على الفقه الإسلامي وأعلامه، وهو تصرف يأتي في ظل موجة عداء متنامية للإسلام من طرف أعداء الأمة تمثلت في الطعن في المقدسات وإحراق المصاحف والكتب، وإشاعة الرسوم المسيئة، ومحاولة المساس بالنصوص المقدسة حربا على الإسلام، وتشكيكا في نصوصه وإسقاطاً في أيدي المسلمين.

لقد كان الإسلام أسبق ديانة إلى تحرير العبيد وأدعاها إلى العدل والمساواة؛ ألم يقل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات:13]؟؟ ألم يأت في الصحيح قول أبي مسعود البدري: (كنت أضرب غلاما لي. فسمعت من خلفي صوتا: "اعلم ، أبا مسعود! لله أقدر عليك منك عليه" فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله. فقال: "أما لو لم تفعل، للفحتك النار، أو لمستك النار"). إن هذا الفعل الخطير لا يمت بأي صلة لمحاربة العبودية، فبأي منطق حرقت هذه الكتب الإسلامية النفيسة لعلماء وفقهاء أجلاء على هذا النحو، إنما هو ران الوقاحة والتفنن في الإجرام والتوغل في الاستهتار بمشاعر المجتمع، إنه ليس مجرد استفزاز مشاعر الشعب الموريتاني، بل هو استهتار بالدين واستخفاف بالمعرفة، يعكس ظلامية أصحابه وتطرف من قاموا به.

إننا لو تأملنا كتب الفقه المذكورة لرأينا حرص الشريعة الإسلامية على العتق، والترغيب الواسع فيه، وترتيب عدد من الكفارات عليه، فلماذا الهجوم على الشريعة وكتبها؟ إن فعلا كهذا يبين مستوى تجرد الفاعل من كل خلق ودين، إلا من شيطانيته المتجذرة ومنهاجه الإلحادي العنصري المنبوذ. إن المسألة عند هؤلاء الأوباش أبعد من ذلك، ولم يكن هدفهم إلا محاربة الشريعة. ورحم الله الشاعر إذ يقول:

هربوا من الرقّ الذي خُلِقوا له      فبُلُوا برِقِّ النفس والشيطان

 هل التحرر يتم بحرق كتب تحتوي آيات مقدسه وأحاديت نبوية، وعلوم شرعية؟

إنني في هذا المقام أطالب النخب الدينية والثقافية بالتحرك في وجه الفسقة الأنذال الذين دنسوا سمعة المجتمع وهزوا كيانه الترابطي.

لم يسمع في التاريخ أن تحررت أمة بحرق كتبها، ولكن الجهل يعمي ويصم، إنما يتم التحرر باتباع الوحي والتخلي عن الرذائل والتعلق بالمعالي، ونضج العقل وصفاء القلب والبناء النفسي الممنهج، وليس بالإلحاد وهدم الفضائل وحرق الفكر ومحاربة العلم..

إنه يلزم السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية والمجتمع بكافة مكوناته أن يوحدوا مواقفهم نصرة للعقيدة والمقدسات، وطلبا للثأر لدين الله تعالى، وسعيا إلى القضاء على رؤوس الفتنة، بعد أفعالهم المشينة، وممارساتهم المارقة على قيم الدين والمجتمع..

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

:: موقع مجلة البيان الالكتروني