New Page 1

يوافق بعضنا على القول بأن الديمقراطية أحسن نظام توصلت إليه البشرية، ويقول آخرون إن الديمقراطية  كفر، ويقف فريق ثالث بين أولئك وهؤلاء. وكل القائلين مسلمون لا يطعن بعضهم في إيمان بعض، ولكل منهم حظ من العلم بالدين وبالديمقراطية. فهل يمكن أن يحدث خلاف عظيم مثل هذا في قضية من القضايا بين أناس ينتمون إلى دين واحد هو الدين الحق إذا كانوا يشيرون إلى شيء واحد متفق عليه بينهم؟ كلا. وإذن فلا بد أن يكون كل واحد من هؤلاء المختلفين مشيرا إلى شيء غير الذي يشير إليه الآخرون وإن كانوا جميعاً يسمون ما يشيرون إليه بالديمقراطية.   وهذه المسألة ليست خاصة بالمسلمين. فقد قرأت لبعض منظري الديمقراطية  من الغربيين كلاما مفاده أن انتشار الإعجاب بالديمقراطية  كان على حساب معناها. وقرأت لآخر قوله إن الديمقراطية  صارت كلمة رنانة لا معنى لها. ولثالث قوله إن الديمقراطية  صارت تعني عند كثير من المعجبين بها كل شيء يرونه حسنا. 

وعليه فلكي نضيق من دائرة الخلاف بيننا يحسن أن يبين كل منا ما الذي تعنيه الديمقراطية  بالنسبة له، ثم يحكم بعضنا على بعض بما قصد بالديمقراطية لا بالمعنى الذي يراه هو المعنى الحقيقي لها. وقديماً قال علماؤنا إذا اتضحت المعاني فلا مشاحة في الألفاظ.

إذا قال أحدنا إن الذي يعنيه بالديمقراطية هو المعنى الذي يدل عليه لفظها اليوناني، والمعنى الذي أجده في القواميس والموسوعات السياسية، والمعنى الذي يكاد يتفق عليه كل منظريها الأكاديميين. هذا المعنى هو أن الديمقراطية  إنما هي حكم الشعب.  والمقصود بالحكم هنا هو كون الشعب هو السلطة التشريعية العليا التي لا معقب لحكمها. فإذا حكمت على الديمقراطية  بهذا المعنى قلت إنها تتناقض مع الإسلام الذي يجعل الحكم لله وحده، بمعنى أنه هو وحده  الذي يملك حق التشريع، وأنه ليس لمشرع غيره أن يشرع إلا في حدود ما شرع هو سبحانه.

ما ذا إذا قال آخر إن الديمقراطية  إنما تعني بالنسبة له أن يختار الشعب حكامه والممثلين له في الهيئات التشريعية في انتخابات دورية حرة ونزيهة؟ هل يصح أن يقال لمثل هذا إن ديمقراطيتك هذه تتناقض مع الإسلام؟ كلا. لا تستطيع أن تحكم على ديمقراطيته هذا الحكم العام وإن اختلفت معه في تفاصيل بعض ما ذكر. لكن من حقك أن تقول له إنك تجاهلت أعظم مسألة جاءت الديمقراطية  لحلها، ولم تذكر لنا بديلا عنها مع أنها هي المسألة التي تهمنا الآن. إن الديمقراطية  إنما بعثت في أوربا بعد ألفي عام من موتها في أثينا لتجيب عن السؤال المهم: لمن الحكم؟ وكانت الإجابة أنه ليس للملوك ولا لرجال الدين ولا لدكتاتور أو فئة قليلة متسلطة، وإنما هو للشعب، بمعنى أغلبية ممثليه.

 إذا كانت الديمقراطية  إنما تعني الانتخابات فإن السؤال الذي يلي هذا هو بم يحكم هؤلاء المنتخبون؟ هل سيتقيدون فيما يصدرون من أحكام وقوانين بحكم الله تعالى، أم سيكونون أحرارا يشرعون بما شاؤوا بحسب أهواء أغلبيتهم كما هو الحال في واقع الديمقراطيات الغربية؟ إذا قلت بالأول كان الحكم الذي تريده حكما إسلاميا، فلماذا تسميه ديمقراطيا؟ وربما قال لك أهل الديمقراطية  كيف تقيد حرية ممثلي الشعب وتمنعهم من أن يشرعوا بما يرونه مناسبا لأمتهم؟ وإذا قلت بالثاني كان الحكم في الحقيقة لأغلبية ممثلي الشعب، وهذه هي الديمقراطية  المعمول بها في البلاد الغربية الديمقراطية . وهي الديمقراطية  التي يسعون لنشرها وتعميمها في العالم كما يقولون.

ماذا إذا قال ثالث إن الديمقراطية  لا تعني بالنسبة له الانتخابات فقط وإنما تعني أيضا حرية تكوين الأحزاب، والتداول السلمي للسلطة، وحكم القانون، وحقوق الإنسان وغير ذلك من المبادئ التي ارتبطت بالديمقراطية  في الواقع الغربي؟ قد نخالف هذا القائل في بعض تفاصيل ما ذكر لكنك لا نستطيع أيضا أن تقول له إنك تقول شيئا يتناقض مبدئيا مع الإسلام. لكن يمكن أن نقول له ما قلنا للثاني: من الذي يحدد محتوى هذه المبادئ ولا سيّما القانون وحقوق الإنسان؟ هل سيكون الأمر فيها متروكا لأهواء الأغلبية البرلمانية فنكون قد رجعنا إلى المعنى الأول للديمقراطية؟ أم أنهم سيتقيدون بما أنزل الله في كتابه وسنة نبيه فيكون حكمهم إسلاميا فلا داعي لأن يوصف بالديمقراطية ؟  

هل يلزم عن هذا عدم الاستفادة من أي شيء في التجربة الديمقراطية الواقعية؟ كلا. بل قد نستفيد من بعض جزئياتها العملية، كما نستفيد من جزئيات غيرها من النظم، ما دامت جزئيات يمكن وضعها في الإطار الإسلامي. والاستفادة من جزئيات الديمقراطية  لا تجعل الدستور ديمقراطياً، ومن باب أولى أن لا تجعل البلد ديمقراطياً. كيف والبلاد التي تأخذ بالأيدلوجية الديمقراطية  بمعنى حكم الشعب لا ترى من الضروري أن تصف دستورها ولا بلدها بالديمقراطي؟ فلماذا يصرّ بعضنا على وصف بلادنا بهذا الوصف؟ أقول بهذه المناسبة إن بعض القراء قد يعجبون كما عجبت حين علمت أن كلمة الديمقراطية  لم يرد لها ذكر في الدستور الأمريكي، ولا في وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكية!!