"صفقة إيران قد تكون القضية الأكثر أهمية في الانتخابات الأمريكية"

هذا تصريح ديفيد فريدمان، السفير الأمريكي لدى إسرائيل ويعلل فريدمان وصفه هذا فيقول: لأن جو بايدن كان جزءا من إدارة أوباما التي تفاوضت ونفذت صفقة إيران، وهو أمر يعتقد الرئيس ترامب، وأنا أشاركه وجهة نظره، أنها كانت أسوأ صفقة دولية أبرمتها الولايات المتحدة على الإطلاق.

ففي حين بلغت الحملة الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة ذروتها، وننتظر في الأيام القليلة القادمة من الفائز في الانتخابات، ولكن ثمة من ينتظر بطريقة أخرى، يبني على ضوء هذه النتيجة حساباته واستراتيجياته للأعوام الأربعة المقبلة، باعتبار أن الولايات المتحدة هي القوة الأولى عالميا، والشرق الأوسط هي إحدى أكبر اهتماماتها الخارجية.

وتجيء إيران في طليعة الدول التي ترقب باهتمام نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية، فتصرح الصحفية الإيرانية في القسم الدولي لصحيفة شرق الإصلاحية، زينب إسماعيلي فتقول: وجهة النظر العامة (في إيران) هي أن نتيجة هذه الانتخابات ستكون محورية بالنسبة للشعب الإيراني.

فإيران لها مخططاتها للمنطقة، حيث تتطلع لتكون القوة الإقليمية التي تهيمن على المنطقة، مكونة ما يعرف بالهلال الشيعي، الذي بات يهيمن على القرار السياسي في عدة عواصم عربية مركزية مثل بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت، ويطمح للمزيد.

والسؤال مطروح هل إيران تفضل حقا بايدن على ترامب كما يفترض كثير من المراقبين؟

للإجابة على هذا السؤال يجب استكشاف ثلاثة عناصر: تعامل إدارة أوباما مع إيران وخاصة أن بايدن وقتها كان نائبا للرئيس، ثم التغيرات التي أحدثها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، وأخيرا تصريحات بايدن أثناء حملته الانتخابية تجاه إيران والتغيرات المتوقعة.

 

أولا: استراتيجية أوباما تجاه إيران:

عند وصول أوباما إلى كرسي الرئاسة الأمريكية، حاول تغيير سياسة سلفه بوش الابن مع إيران والتي كانت ترتكز على ثلاثية التهديدات والمقاطعة والعقوبات، فسعى إلى جعل استراتيجيته ترتكز حول الاسترضاء والصفقات.

وتشرح مجلة ذا أتلانتيك الأمريكية تلك الاستراتيجية فتذكر في عدد يناير من هذا العام أي عام 2020: أن أوباما قد قرر عقد صفقة مع نظام الملالي، فدشن لاتفاق النووي الذي عُقد عام 2015، الذي ألغى بمقتضاه نظام العقوبات الذي فرضته الأمم المتحدة، والذي كان قد لعب دوراً حاسماً في انهيار الاقتصاد الإيراني، في مقابل فرض قيود مؤقتة على المنشآت الرئيسة التابعة لبرنامج التسليح النووي الإيراني وأخذ تعهدات مبهمة من الإيرانيين بعدم تطوير أسلحة نووية بتاتاً.

وقبل هذا الاتفاق أكمل أوباما سحب القوات الأميركية من العراق، وسلم هذا الانسحاب حلفاء أميركا في العراق فعلياً على طبق من فضة للإيرانيين، فقد صار لدى إيران جسراً برياً يمر في العراق وسوريا ولبنان وصولاً إلى الحدود الإسرائيلية.

وقد كشف أوباما بنفسه عن خطته تلك في أحد المؤتمرات الصحفية عندما سئل حول ما إذا كان الاتفاق سيسمح للولايات المتحدة بالتصدي بمزيد من القوة للتصرفات الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة، أو بعبارة أخرى، هل سيدعم الاتفاق سياسة احتواء إيران أم سيقوضها؟ فرد أوباما قائلا: سيكون من السهل علينا كثيراً، إذا لم يكن بحوزتهم الأسلحة، مراقبة الأنشطة الإيرانية المسيئة، والتصدي لهم في الساحات الأخرى التي يعملون فيها على نحوٍ يتعارض مع مصالحنا أو مصالح حلفائنا.

ويشرح جون كيري مؤخرا وزير خارجية أوباما تلك السياسة في حديث مع شبكة سي إن إن الأمريكية فيقول: قررنا (إدارة أوباما) بأن من الضروري إذا أردنا الضغط عليهم (الإيرانيون) ونريد إجبارهم على تغيير ما يقومون به، فمن الأفضل ألا نتعامل مع دولة تملك سلاحا نوويا، وعليه أردنا إبعاد هذه المسألة عن الطاولة ومن ثم نبني على دعم من روسيا والصين ودول أخرى لدفع إيران على تغيير تصرفاتها والوصول معها إلى اتفاق وتصور مثالي لأمن المنطقة، وكانوا قد عبروا أنهم مستعدون لمناقشة هذه المسائل معنا.. قبل أن يأتي الرئيس ترامب وينسحب من هذا كله"

لكن الاتفاق النووي لم يحل هذه المشكلة كليا، لأنه ترك مع إيران جميع العناصر الأساسية من البلوتونيوم واليورانيوم اللازمين لإحداث تفاعل متسلسل من شأنه إنتاج رؤوس نووية، والتي يمكنها تنشيطها في غضون أشهر، أضف إلى ذلك أن كثيرين في طهران كانوا يعتبرون أن الصفقة ذاتها تعد استسلاماً من جانب أميركا.

ويكاد يتفق أغلب المراقبين على أن استراتيجية أوباما تجاه إيران آلت في النهاية إلى تمدد غير مسبوق للأخطبوط الإيراني في المنطقة، بحيث تمددت أذرعه في اليمن عن طريق الحوثيين، أو في العراق بواسطة الأحزاب العسكرية الشيعية، أو بحزب الله في لبنان، ولا ننسى بالطبع سوريا والتمدد الشيعي فيها.

ثانيا: ترامب وتغيير البوصلة:

باستلام ترامب منصب الرئاسة عام 2017، رأى الجمهوريون أنه قد حانت الفرصة لإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، ومارسوا ضغوطاً حثيثة على الرئيس لحمله على الانسحاب منه، وهو ما قام به في نهاية المطاف، وأعلن وزير الخارجية مايك بومبيو عن إعادة فرض عقوبات شديدة تدميرية على حد وصفه.

وقد أدت هذه العقوبات بحسب صندوق النقد الدولي، الذي يتوقع أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة ستة في المئة في 2020، بعدما خسر الناتج المحلي ما نسبته 5 و7 في المئة من قيمته على التوالي في 2018 و2019.

وبذلك دشن ترامب استراتيجية المواجهة مع إيران لتحجيم نفوذها في المنطقة والذي يتعارض مع استراتيجيته الكلية في المنطقة والتي مبدأها هو التمكين لإسرائيل وجعلها هي القوة الإقليمية الوحيدة في الشرق الأوسط، ولخص مستشار ترامب السابق للأمن القومي جون بولتون تلك الاستراتيجية بعبارة قصيرة: المطلوب هو تغيير سلوك إيران.

حاولت إيران لتجنب تلك الاستراتيجية الهجوم أولاً على شحنات النفط السعودية والإماراتية، ثم منشأة إنتاج رئيسية في السعودية، وأخيراً اسقاط طائرة أميركية مُسيرة، ولم ترد الولايات المتحدة على هذه الاستفزازات في البداية، ولكن الولايات المتحدة لم ترد بالقوة إلا عندما شنت إيران علناً سلسلة من الهجمات على السفارة الأميركيّة في بغداد، وغيرها من المنشآت في العراق، ما أسفر عن مقتل مواطن أميركي، فكان الرد الأمريكي المزلزل بقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس.

ولكن استراتيجية ترامب نظرا لافتقادها التعامل مع الحلفاء أو استنكافها عن هذا التعامل، فإن استراتيجية المواجهة لم تردع إيران عن التمدد والتوسع في المنطقة بل واصلت ايران تحدي أمريكا بدرجة ما حتى في العراق.

ثالثا: بايدن وبوادر عودة الاسترضاء

يتفق الديمقراطيون بصفة عامة على ضرورة العودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب، وصرّح جو بايدن، المرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي، أنه سيعود للالتزام بالاتفاق النووي في حال انتخابه رئيسا، وسيحاول نزع فتيل التوتر مع إيران، وصرح مستشار بايدن للسياسة الخارجية أنتوني بلينكِنْ أن بايدن سيعود إلى الاتفاق النووي لعام 2015، ويشير تقرير صدر عن الحزب الديمقراطي لعام 2020 إلى أن الاتفاق النووي مع ايران هو أفضل طريقة لإيقاف جهود إيران الساعية لإنتاج قنبلة نووية، وباتت العودة إلى هذا الاتفاق أمرًا ملحًا بحسب التقرير.

ولذلك يرى ديفيد فريدمان، السفير الأمريكي لدى إسرائيل، أن فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية سيمثل خطرا حقيقيا على جهود واشنطن وحلفائها في الخليج وإسرائيل في مواجهة إيران.

ولكن حاول بايدن الظهور بمظهر مختلف نوعا ما أثناء المناظرة مع ترامب فأوحى بتأزم علاقته مع إيران حينما قال: إن روسيا والصين وإيران سيدفعون الثمن بحال تم انتخابه بسبب تدخلهم في السيادة الأمريكية على حد وصفه، وتوافق هذا مع ما صرح به أكاديميون ديمقراطيون في ندوة عقدت الشهر الماضي أن إدارة بايدن، في حال فوزه، لن تنضم مرة أخرى إلى الاتفاق النووي دون إجراء تعديلات كبيرة عليه.

ولكن ليس للرئيس وحده التأثير كله في السياسة الأمريكية فهناك أيضا الكونجرس الأمريكي، وهل سيظل الجمهوريون يتمتعون بالأغلبية في مجلس الشيوخ أم ستتغير لصالح الديمقراطيين وحينها ستتعزز اتجاهات بايدن المتصالحة مع إيران في حال انتخابه؟