يعيش العالم حالة تنوع قطبي كبير سواء على المستوى الإقليمي أو على مستوى الدولي وذلك في إطار نزاعات وصراعات تتمحور حول الهوية الدينية أو المكتسبات الاقتصادية أو في إطار سياسة فرض النفوذ وهذا الأمر يجري بالتأكيد في القارة السمراء لكونها تمثل أبرز مصادر الموارد الطبيعية في العالم ويتركز التنافس فيها على الوجود الصيني والروسي والتركي والإيراني والإسرائيلي، واللافت للنظر أن الوجود الأمريكي يدور ضمن حدود التمثيل العسكري والعمل الإنساني بمعناه السياسي بعكس الصين التي تخطت علاقاتها التجارية مع القارة السمراء أكثر من 200 مليار دولار سنويا. ولكونها تمتلك قرابة نصف الموارد الطبيعية في العالم فإن افريقيا ستبقى مركزاً للإستهداف الاقتصادي الصيني تماشياً مع الطفرة الصناعية التي تمر بها بكين، بالإضافة إلى الميراث الكبير للفرانكفونية هناك وكذلك الغزو الإسرائيلي والإيراني تلك القارة.

تماشياً مع الشعار الذي رفعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ بداية توليه السلطة وهو " أمريكا أولاً" فقد جفف تطور العلاقات بين الولايات المتحدة وافريقيا بل وأوقف توقيع إتفاقيات التجارة الدولية مع من وصفها بــ" البلدان الجامحة" وسعى إلى تقليص التمويل الأمريكي للمنظمات الدولية وكذلك إقترح تقليل الوجود العسكري الزئبقي هناك.

بعكس الرؤساء السابقين لم يسافر ترامب إلى افريقيا ولم يشارك بصورة شخصية في قضاياها السياسية، وأفسد بحسب مجلة "فروين آفير" وزير خارجيته السابق ريكس تيلرسون خبرة وزارة الخارجية في الشؤون الأفريقية واستمر هذا النهج في عهد مايك بومبيو، ورغم استقبال ترامب بعض رؤساء افريقيا في البيت الأبيض إلا انه استمر بإصدار تعليقات دونية بحقهم.

استمرت الولايات المتحدة بموافقة الكونغرس في تمويل خطة لمحاربة الإيدز في افريقيا وبرامج ذات طابع إنساني أخرى حيث بلغ إجمالي مساعدات وزارة الخارجية و الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية 7.1 مليار دولار في عام 2019، لكن ذلك يقابله مبادرة الرئيس التجاربة التي تهدف إلى تشجيع الإستثمار الأمريكي في افريقيا وقد قدمت هذه المبادرة مليارات الدولارت على شكل تمويل استثماري للدول الأفريقية ويدير هذا الملف مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية لكنها لا توازي ما تصنعه عجلة الاقتصاد الصيني في افريقيا.

طردت إدارة ترامب كبار خبراء إفريقيا من وزارة الخارجية  ومنهم تيبور ناغي ، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية منذ يوليو 2018 ، ومارك جرين ، الذي شغل منصب مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من أغسطس 2017 إلى أبريل 2020، وهذا الأمر يوضح أن ترامب غير مكثرت شخصياً بتطوير العلاقات الأمريكية الأفريقية لكن نيكي هايلي التي كرمت في المؤتمر اليهودي العالمي تماشياً مع مواقفها الداعمة لــ"إسرائيل" أثناء شغلها منصبها سفيرة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة ساهمت بشكل كبير في الإطاحة بالرئيس السوداني السابق عمر البشير والرئيس الكنغولي جوزيف كابيلا.

كذلك خفضت واشنطن وجودها العسكري في القارة السمراء فبدلاً من 7200 جندي كان يتمركزون في 27 قاعدة عسكرية أمريكية في بلدان افريقية مختلفة أصبح عددهم اليوم 6000 جندي، فقد ضغط ترامب على وزير الدفاع مارك إسبر لإجراء المزيد من التخفيض على الوجود العسكري في افريقيا رغم سعي حلفائه في أوروبا إلى زيادة قواتهم لمحاربة الجهاديين في دول غرب افريقيا. سياسات ترامب أفادت كثيراً بعض الحكام المتشبثين بالسلطة مثل الرواندي بول كاغامي والأوغندي يويري موسيفيني ، والرئيس التنزاني جون ماجوفولي، فوجوده ينهي حالة تمدد الديمقراطية هناك ويساعد الأوتقراطية التي يؤمن بها.

بعض النخب السياسية الأمريكية تعتقد أن تجاهل الإدارة الأمريكية لأهمية افريقيا أدت بكل بساطة إلى خروج دول مثل نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا عن دائرة التأثير الأمريكي، وهذا الأمر من شأنه المساس بالنفوذ الأمريكي في تلك القارة لصالح قوى كبرى مثل الصين وروسيا.

أحد أكثر عورات السياسة الأمريكية في التعاطي مع الملف الأمريكي هي المركزية في صناعة القرار إتجاه الملفات الأفريقية وتجاهل انتشار التمرد والصراعات العسكرية وتأثير الحدود الإستعمارية على الهوية الافريقية، والتركزي على الدور الشمولي في تلك المنطقة من العالم، بعكس الصين التي أصبحت تبتكر برامج ثقافية وإعلامية للتواصل مع كل بلد افريقي على حدة ما خذة بعين التنوع اللغوي والثقافي والإجتماعي الموجود.

في حال فاز جو بايدن في السلطة قد يحاول الديمقراطيين لعب دور أكبر في الملف الافريقي وتخطي سياسات ترامب الحالية في التعاطي مع البلدان الافريقية لكن ذلك لا يعني إمكانية صنع أي تغيير لصالح التأثير الأمريكي في القارة السمراء فالسياسيات الأمريكية التي دائماً تتخذ من المساعدات الإنسانية ممراً لها، تتعارض كلياً مع هوية افريقيا المبنية على تراث إستعماري أوروبي استمر لقرون، وكذلك لأن التدخل الأمريكي دائماً ما يهدد شرعية السلطات الحاكمة في تلك البلاد والتي دائماً ما تحميها حركات متمردة أو إنفصالية أو ذات مفاهيم ثورية لا تؤمن بالديمقراطية الأمريكية ذات المعايير المزدوجة، وتركز على محاربة الجهاديين الذي غالباً ما يستهدف الوجود العسكري الغربي في افريقيا بعكس الصين التي استطاعت أن تصنع الحياد مع تلك الظاهرة رغم وجودها الكثيف في افريقيا.