مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية في الرابع من نوفمبر القادم، يثار سؤال ما يلبث أن يتردد بقوة على ألسنة كثير من شعوب العالم الإسلامي، هل نؤيد اعادة انتخاب الرئيس الحالي دونالد ترامب كرئيس لأمريكا، أم نتعاطف مع انتخاب نائب الرئيس السابق جو بايدن؟

أيهما أفضل لقضايا المسلمين؟ ترامب رجل الأعمال اليميني، أم بايدن اليساري المحافظ؟

وللإجابة على هذا السؤال ينبغي إدراك أمرين: الأول موقع العالم الاسلامي في السياسة الأمريكية، والأمر الثاني أهمية منصب الرئيس في صناعة القرار السياسي الأمريكي، ومن خلال هذين العنصرين يمكن إدراك توجهات ترامب وبايدن لقضايا الشرق الأوسط.

أولا: موقع العالم الإسلامي في السياسة الأمريكية:

تركزت أهداف الاستراتيجية الأمريكية في العالم الإسلامي في ثلاث دوائر متداخلة:

1- ضمان أمن إسرائيل: فهناك علاقة وطيدة بين البروتستانتية واليهودية، حيث يستمد التراث الديني في أمريكا أصوله من المذهب البروتستانتي في إنجلترا والذي ارتحل إلى أمريكا، وفلسطين في الضمير البروتستانتي هي أرض الشعب المختار، ومن الملاحظ أن بعض البروتستانت قد آمن بضرورة اعتناق اليهود للنصرانية تمهيدًا لقدوم المسيح، وآمن بعضهم بإمكان تحولهم هذا بعد قدومه، ولتوضيح أثر العقيدة البروتستانتية في دفع رؤساء أمريكا إلى الانحياز لإسرائيل، نسوق موقف الرئيس الأمريكي جون كيندي الذي كان الرئيس الكاثوليكي الوحيد في تاريخ أمريكا، حيث قال : "إن الانحياز الأمريكي في النزاع العربي - الإسرائيلي لا يهدد الولايات المتحدة فحسب؛ بل يهدد العالم بأسره " ، فالأفكار والتنبؤات التوراتية لم تكن في وجدانه أو عقله مثل سابقيه ولاحقيه من البروستانت. وبهذا تحدد الهدف الاستراتيجي الأمريكي في هذا الصراع، وهو ضمان وجود دولة يهودية لبناء الهيكل على أنقاض الأقصى تمهيدًا لنزول مسيحهم. 

2- تأمين منابع وإمدادات النفط: تقوم الاستراتيجية النفطية الأمريكية على عدة مبادئ:

 - تعدد مصادر النفط والطاقة عمومًا؛ بمعنى عدم الاعتماد بصفة أساسية على بترول الخليج الذي يشكل حوالي ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط، وهنا نجد أن نفط بحر قزوين الذي يقدر مخزونه بحوالي 200 مليار برميل هو الداعم الأساسي لأمن طاقتها.

 - تعدد طرق النقل وخطوط الإمداد؛ إذ لا يكفي تعدد المصادر، بل يجب تعدد المسارات لتقليل احتمال تعرضها للمخاطر، ومن هنا كان رفض واشنطن القاطع لمرور خط بترول قزوين بإيران رغم قلة تكاليفه؛ لأنه في النهاية سيصب في الخليج العربي ليمر بناقلاته مع بترول الخليج عبر مضيق هرمز، فتزداد مخاطر تأثير أي صراعات أو تغييرات في الخليج على إمدادات المصدرين معًا، وللسبب نفسه رفضت واشنطن مروره بروسيا فالبحر الأسود فمضيق البوسفور.

- الحصول على النفط بأسعار مناسبة رخيصة، وهو ما يوفره تعدد المصادر وتعدد الطرق الآمنة، وقد كان لضخامة تقديرات بترول قزوين الأثر في دفع الدول المنتجة إلى المسارعة بزيادة إنتاجها قبل دخول بحر قزوين حلبة الإنتاج فتنخفض الأسعار.

- حرمان أعداء واشنطن من تكنولوجيا النفط.

- استخدام النفط كورقة مساومة لفرض الهيمنة الأمريكية على بقية الدول الكبرى كالصين واليابان وأوروبا. 3 - مكافحة الإرهاب: أعلنت الولايات المتحدة الحرب ضد ما أطلقت عليه مسمى الإرهاب منذ عقدين على الأقل، وتقول الإدارة الأمريكية: "إن الأولوية المطلقة في سياستها الخارجية هي محاربة الإرهاب"، وتأكيدًا لمتابعتها لهذه الحرب - حرصت على إصدار قوائم سنوية تتضمن أسماء دول داعمة للإرهاب، وقوائم بأسماء منظمات وشخصيات إرهابية مطلوبة للعدالة الأمريكية، ورغم إعلانها عن هذه الحرب وما رصدته لها من إمكانات، وما بذلته من جهود مالية وعسكرية، وما نفذته من عمليات مضادة - فقد كان حصادها قليلاً جِدًّا كما تأكد ذلك خلال الزلزال الجوي الذي دمر برجي مركز التجارة العالمية وجزءًا من مبنى البنتاجون، وكاد يعصف بأبنية مهمة أخرى، ثم تطورت هذه الحرب حتى وصلت إلى اطلاق حرب عالمية على داعش في سوريا والعراق، ولطالما استخدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة ذريعة الحرب على الإرهاب، لتثبيت هيمنتها على العالم الإسلامي وحصاره دائما في هذا المربع كآلية لابتزازه، والحيلولة دون نهضته.

ثانيا: دور الرئيس في صناعة القرار الأمريكي:

 يعتبر رئيس الدولة هو الممسك الفعلي بزمام السلطة التنفيذية حسب الدستور الأمريكي في المادة (2) وبحكم رئاسته للدولة والحكومة فهو يرسم السياسة العامة، وله سلطة البت والتقرير في مجموع خططها وبرامجها.

وفي المجال الدبلوماسي يخول الدستور الرئيس سلطات واسعة؛ فهو الذي يحدد برامج السياسة الخارجية، ويعقد الاتفاقيات والمعاهدات، ويقوم بعملية التفاوض مع الدول وتعيين السفراء؛ ولكن في مجال المعاهدات فإن الدستور يقيد القرار الدبلوماسي للرئيس بموافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ في حالة عقد المعاهدات.

إلا أن الرئيس يفلت في الواقع من مراقبة مجلس الشيوخ لقراراته في مجال السياسة الخارجية باللجوء إلى الاتفاقيات التنفيذية، ويعني الاتفاق التنفيذي اتفاقاً بين الرئيس ودولة أجنبية له قوة القانون وتشكل هذه الاتفاقات النسبة الغالبة من الاتفاقيات التي تبرمها الولايات المتحدة مع الدول الأجنبية، والمثال الواضح في عهد ريجان عام 1986م، وفضيحة إيران جيت.

والواقع أن العوامل الشخصية والظروف السياسية لها دور كبير في اتخاذ الرئيس الوضع الأقوى داخل صنع القرار؛ إذ إنه بالنظر إلى 43 رئيساً لأمريكا منذ عهد جورج واشنطن إلى عهد ترامب نجد أوضاعاً متباينة بالنسبة لسلطة الرئيس في قراره السياسي.

ثالثا: توجهات ترامب وبايدن لقضايا الشرق الأوسط

نشرت صحيفة لوس أنجلوس تقريرا جاء فيه "أن سياسة الرئيس ترامب الخارجية المتجسدة في فضيحة السلاح لأوكرانيا، وخطة سلام فاشلة في الشرق الأوسط وإهانة الحلفاء والتقرب من الطغاة كانت واضحة للعيان".

ترتكز سياسات بايدن على تغيير في أولويات السياسة الخارجية والتركيز على الانضباط والانسجام، وجعل هدفه الأعظم اعادة موقع أمريكا إلى موضع القوة في العالم والوقوف أمام أعدائها وتقوية علاقاتها مع الحلفاء.

بينما يعتمد ترامب كما يقول وباعترافه على حدسه، بينما يرتكز هدفه الأكبر على أن "أمريكا أولا" والتي جعلت الولايات المتحدة تتراجع عن الكثير من ملامح تأثيرها العالمي.

يتمثل الاختلاف بين المرشحين (ترامب وبايدن) في عدة قضايا:

ففي إيران على سبيل المثال، ففي فترة حكم ترامب خرج من الاتفاقية النووية مع إيران التي تعد أهم إنجاز لباراك أوباما، وبدأ حملة عقوبات اقتصادية بهدف تركيع إيران والقبول باتفاقية أفضل لأمريكا من تلك التي وقعها أوباما، ونجح ترامب في الحاق ضرر كبير بالاقتصاد الايراني، بينما يقول مستشارو بايدن إن سياسة الديمقراطيين الخارجية ستقوم على أساس تصحيح أخطاء ترامب في إيران، ومنها فشله في إقناع الدول الأوروبية بالتخلي عن الاتفاقية فيما بدأت إيران بتخصيب اليورانيوم وإن بكميات محدودة، كذلك لم تنجح أمريكا ترامب في إقناع مجلس الأمن الدولي بتمديد حظر تصدير السلاح لإيران الذي ينتهي في أكتوبر.

وبالنسبة للقضية الفلسطينية، قرر ترامب التخلي عن أعراف دبلوماسية في الإدارات السابقة واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل إليها السفارة الأمريكية من تل أبيب، ثم تخلى عن دعمه لدولة فلسطينية مستقلة، ورفض شجب خطط بنيامين نتنياهو ضم أجزاء من الضفة الغربية.

أما بايدن فبالرغم من أن العلاقة بين نتنياهو وأوباما كانت متوترة ولكنه عمل وتعاون مع بايدن، لذلك فإن المراقبين يتوقعون أنه لو تم انتخاب بايدن الذي قال إنه يدعم حل الدولتين، ولكنه لن يعيد السفارة إلى تل أبيب.

أما بالنسبة لحقوق الانسان نجد أن ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو قد أعادوا تعريف حقوق الإنسان وحصروها بالحرية الدينية والفكرية، أما بايدن فقد وعد بجعل حقوق الإنسان جوهر سياسته الخارجية.

هذه أهم القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط والعالم الإسلامي التي ربما يختلف فيها المرشحان، لذلك يبدو أن تأييد العالم الإسلامي لأي منهما لا يصب في مصلحة المسلمين حتى ولو طبقنا قاعدة أهون الشرين.