"طلب الثنائي الشِّيعي وزارة المال وقاحة لص استقوى بحراسته للصهاينة"

هذا ليس تصريحا لشيخ أو زعيم سني يعاني من تغول الشيعة على لبنان، ورهنهم قرارها السياسي للدولة الإيرانية، وانما هي تغريدة أطلقها صبحي الطفيلي الأمين العام الأسبق لحزب الله اللبناني الذراع الإيرانية في بلاد الشام.

ويضيف الطفيلي في تغريدته: "إن استقواء البعض بماكرون وريث غورو(الجنرال الفرنسي الذي قام بتقسيم الشام واختراع دولة لبنان) فتح لجرح الغزو الغربي، ورضوخ آخر لثنائي خيانة للبلد، وسم يتجرعه الشعب.. الحياة الكريمة لا تُستجدى، والثورة في بدايتها، لسنا بحاجة لمنة أحد، والشارع فيصل بيننا وبين اللصوص".

تأتي هذه التصريحات عشية إصرار ما يعرف بالثنائي الشيعي وهما حركة أمل بزعامة نبيه بري وحزب الله بقيادة نصر الله على تسمية وزير المالية اللبنانية في الحكومة الجديدة، والتي تم اسناد رئاستها لحسان دياب، في أعقاب تفجيرات مرفأ بيروت والتي تم توجيه الاتهام لحزب الله بالتقصير والإهمال، حيث لم يتورع عن تخزين أسلحة ومتفجرات في قلب عصب التجارة اللبنانية.

وفي البداية صرح سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الأسبوع الماضي، إن وزارة المالية "ليست حقاً حصرياً لأي طائفة، معتبراً أن رفض المداورة (أي تدوير الوظائف بين الطوائف) انتهاك معلن بحق الفرصة الأخيرة لإنقاذ لبنان".

كما انتقد البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الأحد الماضي في عظته الأسبوعية المطلب أيضاً، متسائلاً "بأي صفة تطالب طائفة بوزارة معينة كأنها ملك لها، وتعطل تأليف الحكومة، حتى الحصول على مبتغاها".

وبالرغم من تراجع السنة على لسان أقوى زعماءها وهو سعد الحريري، وموافقته على تولي شيعي المنصب على أن يكون مستقلا، إلا أن حزب الله وحركة أمل مصران على أن يكون من يتولى المنصب واحدا من أنصارهما.

ولكن لماذا يصر الثنائي الشيعي على الاحتفاظ بوزارة المالية؟

أولا: التشبث بالوضع القانوني للطائفة الشيعية ودورها المهيمن في لبنان:

فالدستور اللبناني ينص على توزيع السلطات بين الثلاث طوائف، بحيث يكون الرئيس مارونيا ورئيس الوزراء سنيا ورئيس مجلس النواب شيعيا، ولكن لا ينص على توزيع المناصب الأخرى بين الطوائف، لذلك يشعر الشيعة دائما بالغبن لأن المنصب الرئيسي وهو رئاسة مجلس النواب ليس تنفيذيا بعكس المنصبين الأخريين، ولذلك ظل رئيس مجلس النوّاب الشيعي نبيه بري، يردد دائما إنه تم الاتفاق في اجتماع الطائف (الذي عقد في نهاية الحرب الأهلية، ووضعت فيه قواعد جديدة لتنظيم أو لتقسيم المناصب وصلاحيتها بين الطوائف) أن تكون وزارة المال للطائفة الشيعية.

ولكن ومع بداية اعمار لبنان نجح الحريري في الاستحواذ على وزارة المالية، باعتباره القادر على التعامل مع المجتمع الدولي والمؤسسات المالية الدولية، لإنقاذ البلاد من أزمتها المالية في ذلك الوقت، والتي شهدت تدهوراً لليرة وساعده على ذلك أمران: نجاحه في جلب الاستثمارات لتعمير لبنان وازالة آثار الحرب الأهلية التي دارت أكثر من خمسة عشر عاما، والأمر الثاني هو رغبة الرئيس السوري حافظ الأسد حينذاك وكان الحاكم الفعلي للبنان من وراء الستار والمتحكم في قراره السياسي والذي كان يرى أن الحريري هو الأنسب؛ لإنقاذ اقتصاد البلاد.

ولتثبيت المنصب وابعاده عن أي تقسيم طائفي عيَّن الحريري، فؤاد السنيورة وزير دولة للشؤون المالية، وهو الأمر الذي أخرج الوزارة من الحصة الشيعية وجعلها من حصة السنة.

ولكن في عام ٢٠١٤ تغيرت هذه المعادلة بتغير البيئة الاقليمية والدولية، فقد رأى حزب الله أن الوقت قد بات مناسبا للسيطرة على وزارة المالية وذلك عبر السلاح الذي رفعه، وبالفعل تم تكريس سلطة وزارة المالية من جهتين: قصرها على الشيعة، ثم اعطاء المنصب قوة بحيث يأتي توقيع وزير المالية على المراسيم في المحل الرابع بالسلطة التنفيذية بعد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزير المختص، لأن أي قرار تنفيذي يحتاج توقيع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، إذا كان له بُعد مالي (وهذا ينطبق على أغلب القرارات) أي يحتاج لتوقيع وزير المالية.

وبعد الأزمة التي طالت الليرة وودائع اللبنانيين في المصارف، وصولاً إلى تفجير مرفأ بيروت، مروراً بارتفاع معدّلات الفقر والبطالة وغلاء الأسعار، لم يعد في الإمكان تغطية الأزمة بالشعارات والاصطفافات والمناورات والمحاصصة التقليدية، وخاصة بعد انكشاف الدور الشيعي في الانفجار بالإهمال وهو المسيطر على الميناء بسلاح حزب الله، حاول الشعب اللبناني الغاء الفساد في النظام اللبناني والذي يرعاه سلاح حزب الله، عن طريق استخدام ورقة الغاء الطائفية وتقسيم الوظائف على أساسها، ولكن الاصرار الشيعي على التمسك بوزارة المالية يخفي حرصا من أن يمتد اقتطاع الوزارة من الشيعة الى بدء ضياع هيمنتهم على لبنان.

ثانيا: الضغوط الخارجية 

وهذا هو العامل الثاني الذي يدفع الثنائي الشيعي بالإصرار على تسمية وزير المالية، أي يكون من أنصارهما وليس شيعيا فقط، وهذا العامل المتمثل في العقوبات الأمريكية الأخيرة على وزيرين شيعيين سابقين، بينهما المعاون السياسي لبري وزير المالية السابق علي حسن خليل، ثم على شركتين قالت واشنطن إنهما مملوكتان لحزب الله، فالخوف من تطبيق هذه العقوبات أو امتدادها الى أشخاص أو جهات أخرى، زادت من إصرار الثنائي الشيعي من تمسكهم بوزارة المالية وخاصة أن هذه الوزارة هي المنوط بها مراقبة الحسابات المالية سواء للأفراد أو المؤسسات.

ولكن اذا أدركنا الخلفيات التي تجعل الثنائي الشيعي يصر على وزارة المالية فلماذا يماطلان في اطالة أمد الأزمة ويصران على التمسك بتسمية وزير المالية رغم معرفتهما أن هذا الاصرار ولعبة الوقت تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتشعل لهيب ثورة الشعب اللبناني ضدهما بجميع طوائفه حتى داخل طائفتهما، بل يشجع القوى الاقليمية والدولية والتي تريد قصقصة الأجنحة الايرانية في المنطقة، وفي نفس الوقت يعرضهما هذا الاصرار لفقد حلفائهما داخل هذا الجزء من الطائفة المسيحية لبنان وبالذات التيار الوطني الحر، والذي سيطر على الرئاسة اللبنانية بدعم كل من حزب الله وحركة أمل.

الاحتمال الأرجح أن شيعة إيران يعملون على اطالة الوقت وينتظرون نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية، فإذا نجح جون بايدن الرئيس الديمقراطي كما يتوقع العديد من المراقبين فانه سيتعامل بطريقة مختلفة مع الملف الايراني وبالطبع أذرعها في المنطقة، فاستراتيجية الديمقراطيين تعتمد على تحفيز إيران واعادة تأهيلها في الشرق الأوسط، لكي تكون لاعبا اقليميا تحت النفوذ الأمريكي ليوازن بها وبحول دون ظهور قوة سنية توحد المسلمين خلفها وبذلك يزداد تمسك الثنائي بمنصب وزارة المالية.

ولكن في حسابات حزب الله إذا استمر ترامب فانه بلا شك سيصعد أكثر ضد إيران وأذرعها، عندها سيعمد الحزب الى تفعيل براجميته وسيضطر الى التنازل عن حقيبة المالية حتى حين.