فيما يقترب موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية، يترقب العالم أجمع ما ستسفر عنه نتائجها، حيث يبني البعض آماله على فوز هذا المرشح أو ذاك، حيث يرى كل طرف أن مصالحه ستتحقق، أو على الأقل لن تتأثر، إلا في وجود هذا المرشح المأمول فوزه، وإذا كان من المستغرب أن تبني دولٌ تبعد آلاف الأميال عن أمريكا مستقبلها وسياساتها على هوية الرئيس الأمريكي، فإن ذلك الاستغراب يزول بعد التسليم بحقيقة أن الولايات المتحدة تتربع الولايات المتحدة على قمة دول العالم منذ أعقاب الحرب العالمية الثانية، خاصة بعد أن تم تدمير بقية العالم، ولم تتأثر هي إلى حد كبير، لكن وسط جملة التحديات التي تعيشها أمريكا اليوم اقتصاديًا واجتماعيًا وصحيًا، وربما أمنيًا أيضا، يصعب التنبؤ بنتائج انتخابات نوفمبر المقبل، خاصةً وأن التجارب السابقة أثبتت أن المفاجأت في مثل هذه الاستحقاقات الانتخابية تبقى غير متوقعة، ومحتملة الحدوث حتى الأيام الأخيرة قبيل فتح صناديق الاقتراع.

لكن لو افترضنا جدلًا أن المزاج العام في قسم كبير من العالم لا يريد للرئيس الجمهوري "دونالد ترامب" أن يكمل فترة رئاسية ثانية، وأن الوقت قد حان لإعادة المنصب إلى عرين الديمقراطيين عبر مرشحهم "جو بايدن"؛ فهل ستتغير السياسات الأمريكية في عهد "بايدن" عن عهد "ترامب"؟، هل سيتغير السلوك الأمريكي تجاه القضايا الشائكة مع روسيا والصين وإيران ومنطقة الشرق الأوسط؟، هل سيتقبل اليمين الأمريكي المتشدد فوز "بايدن" أم أن فوزه سيكون شرارة اشتعال أمريكا داخليًا؟

لقد كان واضحًا منذ عهد أوباما أن الاستراتيجية الأمريكية تجاه العديد من القضايا تتسم بالغموض وازدواجية المواقف، فعلى سبيل المثال نجد أن الموقف الأمريكي من الحرب السورية مزدوج، ففي كثير من الأحيان نجد تصريحات من الرئيس وأعوانه تتسم بالحزم تجاه النظام، وعن رغبتهم الجادة في عدم بقاء بشار الأسد، لكن في المقابل وعلى أرض الواقع نلاحظ سياسة مترددة ومذبذبة تُظهر الإدارة الأمريكية وكأنها في هدنة مع النظام السوري باستثناء بعض المناوشات والضربات الخاطفة. هذا الأمر حدث في عهد أوباما، وتكرر حرفيًا في عهد ترامب، وغالب الظن أنه سيتكرر في عهد بايدن، إن كان هو المنتصر في انتخابات نوفمبر المقبل. وإذا اقتربنا من الاستراتيجية الأمريكية أكثر سنجد أن المتشابهات والمتكررات ستكون كثيرة، ولن تختلف في عهد بايدن عن عهد ترامب أو أوباما، فمواجهة ما يُعرَف بالإرهاب ستظل في المرتبة الأولى من الاهتمام الأمريكي، وهى هكذا بالفعل منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وستتجنب الولايات المتحدة الالتزامات العسكرية المُكَلِفَة عبر إلقاء المزيد من الأعباء المالية على حلفائها في هذا الصدد، مع الإقرار بأن تهديد الإرهاب لن يتم القضاء عليه نهائيًا، فديمومته تعدّ مصدر حياة لمصانع السلاح الأمريكي ولاقتصاد الولايات المتحدة بشكل عام.

ستظل الولايات المتحدة ثابتة على موقفها من منع انتشار أسلحة الدمار الشامل بكل أنواعها، وخاصة حرمان إيران من امتلاكها، لا لكون الولايات المتحدة تريد عالمًا خاليًا من تلك الأسلحة الفتاكة، وإنما لكون مصلحتها هي في منع تطوير هذه الأسلحة عند عدد أكبر من الدول، وهو ما يحافظ على هيمنتها ونفوذها في مناطق عديدة حول العالم، أما فيما يخص أمن إسرائيل، فلا شك أن الخطوات الأمريكية لتثبيت هذا الكيان ستظل مستمرة، إلى جانب تهيئة الظروف المناسبة لإنهاء حالة الصراع العربي ـ الإسرائيلي وإقامة سلام دائم في المنطقة، تلعب من خلاله إسرائيل بحكم موقعها الجغرافي في المنطقة دور الحارس لمصالح أمريكا والغرب، ولا شك أن ترامب قد قطع شوطًا كبيرًا في هذا الشأن، منذ اعترافه بالقدس كعاصمة وحيدة وأبدية لإسرائيل ونقل سفارة بلاده من تل أبيب إليها.

إذا كانت تلك هى نقاط التشابه والاستمرارية؛ فهل سيختلف "بادين" ولو قليلًا ـ في حالة فوزه ـ عن سلفه؟، غالب الظن أن الاختلافات في السياسة الأمريكية الخارجية ستكون ظاهرية ولن تكون ملموسة بالشكل الذي قد يأمله البعض، إذ من المتوقع أن يركز "بايدن"، وكما فعل أسلافه الديمقراطيين، على تعزيز مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنه في الأساس سيستخدمها كإحدى وسائل الضغط التي تخدم مصالح بلاده، فإذا كان "ترامب" يرفض طوال الوقت أن تقوم بلاده بالدور القيادي الأخلاقي للعالم، ومن ثمَّ لم يشغله تغيير الأنظمة الديكتاتورية، ولم يهمّه مبدأ نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، بقدر ما كان يشغله إعادة العظمة لأمريكا عبر تقوية اقتصادها والتركيز على الشأن الداخلي وإبتزاز الدول لملء الخزائن الأمريكية، فإن "بايدن" سيفعل الأمر ذاته، من خلال السعي لتبنى قرارات تربط التعاون الاقتصادي والعسكري مع بعض الدول بمشروطية سياسية معينة، وبالتالي سيستخدم ورقة الديمقراطية وحقوق الإنسان من أجل نفس الغايات التي يسعى إليها ترامب.

قد تتمكن إيران من إقناع "بايدن" برفع جزئي للعقوبات المفروضة عليها، وهى بذلك ستكون قد نجحت فيما فشلت فيه كوريا الشمالية، التي بالرغم من ثلاثة لقاءات بين "ترامب" و"كيم جونج أون"، لم تتمخض عن أيّ قرار يمنع تدهور العلاقات بين البلدين، وقد تستمر هذه العلاقة متدهورة أيضا في عهد "بايدن"، فترامب كان يرفض طوال الوقت أن يقدم تنازلات في سياسته الخارجية، إنطلاقًا من فكرة أن تقديم التنازلات قد يجعله يبدو ضعيفًا، وهو الأمر الذي وضعه في كثير من الأحيان في مواقف صعبة، وأدار البيت الأبيض على طريقة المقاول ورجل الأعمال الذي يعقد الصفقات طوال الوقت، وهى طريقة لم يشهدها العالم من قبل في السياسة الخارجية الأمريكية، لكن بأيّ حال فإن الاستراتيجية الأمريكية الخارجية لا يتم رسمها أو إدارتها عبر شخص واحد، وهناك ثوابت في تلك الإستراتيجية تشكل استمرارية لها، بغض النظر عن طبيعة الإدارة، سواء ديمقراطية كانت أو جمهورية كانت، فساكن البيت الأبيض وحده لا يمكنه إعادة تشكيل العالم وفق رؤيته.

أما داخليًا؛ سيعمل كل مرشح في حالة فوزه على الوفاء بوعوده صوب الفئات التي دعمته، فبالنسبة لترامب فإن داعمييه هم من وضعوا الاقتصاد على رأس اعتباراتهم، إلى جانب مناهضي الهجرة، وتلك المجموعات اليمينية التي تريد أمثال ذلك الزعيم الشعبوي في سدة الحكم، أما بالنسبة لبايدن؛ فإن الأقليات والسود والمهاجرين سيكونون في صدارة أولوياته، إلى جانب قطاع واسع ممن يبحثون عن التغيير، وبعض أنصار المدرسة الكلاسيكية السياسية التي تخرج منها "باراك أوباما"، إلى جانب المستائين من إدارة ترامب وهؤلاء مضطرون لدعم "بايدن" بسبب كراهيتهم لترامب، وبالنسبة لكلا المرشحين فإن تحقيق مصالح الشعب الأمريكي ثابتة، وإن اختلفت آليات التنفيذ وفقًا لطبيعة الإدارة وهوية الرئيس.

في انتخابات عام 2016؛ أخفقت استطلاعات الرأي في التنبؤ بالفائز، حيث تنبأت جميعها بفوز المرشحة الدمقراطية "هيلاري كلينتون"، ولكن في نهاية المطاف انتصر "ترامب" بفارق أثار الدهشة والاستغراب حينها، فبعض استطلاعات الرأي تأتي بالنتائج التي يريدها من يمولها، حيث يتم اختيار الأسئلة وعينة المستطلع أرائهم بما يضمن أن تكون نتيجة الاستطلاع في النهاية هى النتيجة التي يردونها أن تكون، فهل ستصدق استطلاعات الرأي التي تُجرى هذه الأيام وتبشر بفوز الديمقراطي "جو بايدن"، أم سيحقق "ترامب" المفاجأة ذاته للمرة الثانية؟