تعيش ليبيا منذ الغزو الإيطالي في بداية القرن العشرين أوضاعا متقلبة، فهو البلد الذي يبدو كوحدة جغرافية متميزة، وقد تكون هذه الوحدة ضئيلة الحجم والثقل كثيرا أو قليلا ولقد تختفي تماما أو حتى تتمزق وتتقاسم أحيانا، ولكنها تعود دائما إلى الظهور وتفرض نفسها حتى على المستعمر الخارجي، كما على أبنائها أنفسهم في الداخل.

ليبيا ذلك الكيان الذي يشكل النفط نحو 94% من موارد البلاد، هذه الثروة العالية الناتجة عن تصدير النفط لها فعاليتها وقدرتها، خاصة عندما نعلم ان عدد سكان ليبيا يتجاوز ستة ملايين بقليل.

ولكن التقلب الذي يحياه هذا البلد ازدادت حدته مع ثورة الشعب الليبي عام 2011 والتي نتج عنها الإطاحة بالقذافي، فقد حاولت بعض الدول الإقليمية والدولية أن تقضي على طموحات هذا الشعب في دولة الحرية والقانون والكرامة، تلك الأشياء التي كان يفتقدها هذا الشعب طوال حكم القذافي، كما تدخلت جماعات تكفيرية مثل داعش في المشهد، مما زاد من خلط الأوراق وتصاعد حدة المواجهات بين المكونات الليبية، واستعان كل جانب بطرف أو أطراف خارجية لها حساباتها المعقدة ومصالحها في ليبيا.

يوم الجمعة الماضي الموافق العشرين من أغسطس أصدرت حكومة الوفاق الليبية بيانا أعلنت فيه وقف إطلاق النار، وجاء في البيان الصادر عن فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الجمعة: "انطلاقا من المسئولية السياسية والوطنية، وما يفرضه الوضع الحالي الذي تمر به البلاد والمنطقة وظروف الجائحة، يصدر رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني تعليماته لجميع القوات العسكرية بالوقف الفوري لإطلاق النار وكافة العمليات القتالية في كل الأراضي الليبية".

أما الطرف الثاني والمعني بهذا التوقف وفور صدور بيان حكومة التوافق، فقد أعلن على لسان رئيس مجلس النواب بطبرق عقيلة صالح، في بيان له عن الوقف الفوري لإطلاق النار في كافة أنحاء البلاد.

وفور صدور بيان حكومة التوافق بادر قائد منطقة سرت والجفرة العسكرية التابع لحكومة الوفاق بالإعلان عن التزامه بأوامر قياداته السياسية والتزامه بوقف العمليات العسكرية، في حين لم يصدر أي بيان رسمي عن المشير خليفة حفتر القائد العسكري لمناطق شرق ليبيا والذي منذ سنوات وهو يقاتل حكومة الوفاق، والذي كان على وشك الدخول إلى طرابلس لولا المساندة العسكرية التركية بجانب حكومة الوفاق، التي تمكنت من بسط نفوذها على مناطق غرب ليبيا.

إلا أن مصادر عسكرية رفيعة من قوات حفتر قالت إن هذه القوات تدرس الدعوات الصادرة والضمانات الدولية لإلزام الطرف الآخر ببنود وقف إطلاق النار.

ولكن فتحي المريمي، مستشار رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح ذكر في حوار مع قناة آر تي الروسية، إن هناك تنسيقا كاملا بين البرلمان الليبي والجيش (بقيادة حفتر) بشأن إعلان وقف إطلاق النار في ليبيا، وبعدها علق المسماري الناطق باسم قوات حفتر على مبادرة السراج، بأنها "للتسويق الإعلامي وذر للرماد في العيون".

ويبقى السؤال المهم هو هل سيصمد اتفاق وقف إطلاق النار وتتجه ليبيا إلى فترة سلام ويعود التوحد بين مناطقها؟

للإجابة على هذا السؤال يجب النظر في العوامل التي تؤثر على التصالح بين هؤلاء الفرقاء الليبيين وعودة ليبيا موحدة، منها الصراع الأمريكي الروسي في المنطقة.

التنافس الأمريكي الروسي:

يحتدم التنافس الجيوبولتيكي في هذه الأراضي الليبية بين الناتو بزعامة الولايات المتحدة وبين روسيا، حيث تحاول روسيا تطويق أوروبا جنوبا بتدخلها في ليبيا بإقامة قاعدة عسكرية لها في ليبيا، بعد أن تمكنت من حصار أوروبا في شرق المتوسط من خلال القاعدة البحرية في طرطوس في سوريا ضمن اتفاق وقع مع حكومة بشار الأسد عام 2017.

فقد تم اقصاء روسيا من ليبيا بعد التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي والإطاحة بمعمر القذافي سنة 2011، وبعد ظهور حفتر في أواخر 2013 سعت أطراف إقليمية لاعتبارات خاصة بالقضاء على الربيع العربي إلى ادخال روسيا إلى ليبيا عبر بوابة حفتر، وفي شهر أبريل 2015 توجه عبد الله الثني رئيس وزراء حكومة طبرق آنذاك إلى موسكو، ولمح إلى أن العقود الروسية الليبية المبرمة في عهد القذافي يمكن أن توضع قريبا على الطاولة من جديد.

ثم جاءت الزيارتان اللتان قام بهما خليفة حفتر للعاصمة الروسية في يونيو ونوفمبر 2016، وبعدها ظهوره على متن حاملة الطائرات الروسية أميرال كوزنيتسوف في يناير 2017 التي كانت تعبر قبالة المياه الليبية، لتعزز ذلك التعاون أو الحلف المتنامي بين الطرفين بتشجيع تلك الأطراف الإقليمية.

ومنذ عام 2015 وضع الرئيس الروسي بروتين الملف الليبي في عهدة ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية المكلف بالشرق الأوسط، مما أكد فرضيات الاهتمام الروسي بالعودة مجددا إلى ليبيا لتنفيذ خطة إعادة تمدد روسي جنوب المتوسط من جهة، ومن جهة أخرى اتخاذ ليبيا لتغلل روسي في أفريقيا جنوب الصحراء، وفي نفس الوقت فإن الورقة الليبية تمثل لدى الروس ورقة هامة في صراعهم مع الغرب في ملفات أوكرانيا وبلا روسيا وكذلك في سوريا.

في مايو 2016 أخذت روسيا خطوة جديدة بالتغلغل في ليبيا عندما قامت بطبع 4 مليار دينار دينار ليبي (حوالي 3 مليارات دولار) لصالح حكومة طبرق، مما أثار احتجاجات البنك الليبي المركزي المتواجد بطرابلس حيث تقيم حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من طرف المجتمع الدولي.

أما الولايات المتحدة فقد اتبعت استراتيجية الانسحاب من المنطقة وادارتها من الخلف عن طريق حلفاء اقليميين لها منذ عهد أوباما، وقد أوجدت هذه الاستراتيجية فراغا في أجزاء كبيرة في منطقة الشرق الأوسط ومنها ليبيا، مما حفز الروس على الدخول إلى ليبيا من بوابة حفتر بتشجيع أطراف إقليمية.

وفي البداية اختارت أمريكا أن تبعد نفسها عن التورط في الصراع في ليبيا بأي شكل من الأشكال، كجزء من خطط الرئيس ترامب، وذلك بتقليص التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، وترك المشاكل للدول الإقليمية والدولية للحلفاء، وخاصة مع تواصل الاتصالات الأمريكية مع حفتر، كما أن الماضي القريب والمتمثل في المشاهد المفجعة لاغتيال السفير الأمريكي لدى ليبيا كريستوفر ستيفنز في القنصلية الأمريكية في بنغازي في بدايات الثورة الليبية، أوجد عقدة أمريكية تجاه ليبيا.

ولكن مع عجز حفتر عن حسم معركة طرابلس ازداد التدخل الروسي حدة وقوة، الأمر الذي أقلق الأمريكان وأعطوا الضوء الأخضر لتركيا للدخول ومساندة حكومة الوفاق، في محاولة لإخراج الروس من ليبيا وتأمين حقول النفط، التي سارع الروس إلى إحكام القبضة على أغلب حقول النفط في هذا البلد. 

المشهد الليبي المعقد، ويبدو فيه أن الأمور في ليبيا تتجه نحو فشل جهود وساطة وقف إطلاق النار إلا إذا جد في الأمور عامل مفاجئ.

ومما يرجح هذا الفشل ما صرح به المتحدث باسم قوات شرق ليبيا، أحمد المسماري، حيث قال: إن قوات بحرية وبرية موالية لحكومة الوفاق، تتقدم نحو سرت وفي وضعية هجوم، وأضاف المسماري أنه تم رصد سفن حربية تركية تتقدم حاليا نحو مياه سرت، بالإضافة إلى قوات برية يتم تحشيدها في منطقة الوشكة، وأنه "يتم نقل قوات حاليا من مدينة مصراتة، وهي قوات تنوي الهجوم على سرت والجفرة والبريقة ومنطقة الهلال النفطي"، وذكر المسماري أن اجتماعا عقد صباح الأحد في الكلية الجوية ضم نائب رئيس الأركان التركي وعددا من الضباط وقادة الميليشيات، وقرروا الهجوم على مدينة سرت".

ويبدو أن هذه مبررات حفتر وقواته ومن وراءه من قوى إقليمية للتنصل من وقف إطلاق النار، لأن القبول بهذا الاتفاق بالنسبة لهذه الأطراف يعني شيئين:

إزاحة حفتر تدريجيا من المشهد الليبي، ثم ازدياد النفوذ التركي في هذه البقعة من المنطقة العربية وتراجع المحور المتبرم من تداعيات الربيع العربي.