"هل فرنسا تساعد لبنان حقاً أم تحاول إعادة احتلاله؟"

هذا عنوان تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية الأسبوع الماضي، وهي تعلق على زيارة إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا إلى لبنان في أعقاب تفجير بيروت يوم الثلاثاء في الرابع من أغسطس، والذي أودى بحياة المئات وجرح الآلاف فضلا عن الخسائر المالية والتي تقدرها المصادر اللبنانية بنحو 15 مليار من الدولارات، ويعد المرفأ هو الشريان الحيوي الذي يمد لبنان بما تحتاجه من غذاء وخلافه.

والتساؤل الذي سطرته الصحيفة الأمريكية الأشهر، يدفع بالبحث في أجواء هذه الزيارة وما صاحبها ملابسات وإشاعات، قبل محاولة تحليل هذه الزيارة واستجلاء دوافعها وتبين حقيقتها.

أجواء الزيارة

صاحب الزيارة سيل من التصريحات التي أطلقها ماكرون وكثير من الدعاية الصاخبة:

أولا/ قبل بدء الزيارة أطلق ماكرون تغريدتان نشرهما حسابه باللغتين الفرنسية والعربية على موقع التواصل الاجتماعي تويتر قبيل مغادرة قصره في الاليزيه متوجها إلى بيروت، فكتب في احداها يقول: لبنان ليس وحيدا، أما التغريدة الثانية فقد كتب ماكرون بالعربية أيضا، قائلا: أعرب عن تضامني الأخوي مع اللبنانيين بعد الانفجار، تقف فرنسا إلى جانب لبنان، بشكل دائم سنقوم بتسليم المساعدات ومواد إلى موقع الحدث، ووجدت تغريدات ماكرون تفاعلًا واسعًا فور انتشارها.

وزار ماكرون في أول برنامج زيارته القصيرة مرفأ بيروت أي مكان التفجير قبل أن يزوره أي مسئول لبناني آخر أو حتى يفكر في زيارته.

وكانت هناك التفاف جماهيري لبناني حوله، آملين أن تخل فرنسا عقدتهم بل إن بعضهم طالب بإعادة احتلال فرنسا إلى لبنان واعادتها كمستعمرة سابقة لها.

وفور هبوط طائرته تحدث ماكرون للصحفيين في بيروت وقال: إن لبنان يواجه أزمة سياسية واقتصادية وسيظل يعاني ما لم ينفذ إصلاحات.

وتوجه ماكرون للطبقة السياسية بلهجة حازمة مطالبا إياها بتنفيذ إصلاحات ملحة، وقال أنتظر من السلطات اللبنانية أجوبة واضحة حول تعهداتها بالنسبة لدولة القانون والشفافية والحرية والديموقراطية والإصلاحات الضرورية، كما طالب بـ إعادة تأسيس ميثاق جديد وإجراء الإصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي، وتابع يجب إعادة بناء الثقة والأمل وهذا لا يستعاد بين ليلة وضحاها، إنما يفترض إعادة بناء نظام سياسي جديد، وأضاف أن المبادرة التي عرضها اليوم على المسؤولين الذين التقاهم تقوم على تحمل مسؤولياتهم خلال الأسابيع المقبلة وإطلاق الإصلاحات وتشكيل حكومة وحدة وطنية خلال الأشهر القادمة، وإنهاض البلاد.

واختتم ماكرون بهذه الكلمة الغير مسبوقة والتي سببت قلقا لكثير من الكتل السياسية اللبنانية فأشار الى أنه سيعود في سبتمبر لـإجراء تقييم للوضع.

وعند هذه النقطة تناثرت اشاعات مصدرها مواقع التواصل الاجتماعي تقول إن ماكرون قد حدد مطالب وهي: إعلان بيروت مدينة منزوعة السلاح من حزب الله، وتفكيك جميع مخازن ومؤسسات الحزب من بيروت والضاحية الجنوبية، وتسليم مطار بيروت لقوات مشتركة دولية برئاسة ألمانيا، إضافة إلى انتشار اليونفيل في بيروت وجبل لبنان وتثبيت طرادات بحرية قبالة بيروت وصولاً للجنوب، إضافة إلى تفكيك جميع منظومة الصواريخ والأسلحة للحزب في الجنوب وتسليم المراكز لليونفيل.

كما طالب باستقالة مجلس النواب وعلى رأسهم نبيه برى والحكومة وإجراء انتخابات سريعة ينتج عنها انتخاب رئيس للجمهورية فوراً، ووضع ماكرون بحسب تلك المصادر الاخبارية لائحة بالأسماء الأمنيين المشبوهة انتماءاتهم وتطهير الأجهزة، وحال رفض المسؤولين هذه المطالب سيصدر قرار عن مجلس الأمن خلال عشرة أيام يقضى بتكليف حلف الناتو تولى فرض الأمن في لبنان.

وحاول بعضهم تثبيت تلك الاشاعات عندما وصلت إلى ميناء بيروت البحري بالعاصمة اللبنانية ظهر الجمعة، حاملة طائرات مروحية فرنسية وقوات فرنسية لتنفيذ تدخلا عسكريا فرنسيا مزعوما، ولكن تبين لاحقا أن حاملة الطائرات تلك على متنها وحدة من المهندسين العسكريين في القوات المسلحة الفرنسية، ومصطحبة معها الآليات الهندسية والعتاد اللازم للمشاركة في عملية رفع الأنقاض وإزالة الركام من ميناء بيروت البحري، كما أصدر الجيش اللبناني بيانا بعدها يبين فيه أن حاملة الطائرات الفرنسية محملة أيضا بمواد ومستلزمات طبية وغذائية ومواد بناء، وآليتين مخصصتين كهبة للدفاع المدني اللبنانية، وذلك من ضمن المساعدات التي ترسلها فرنسا والدول الشقيقة والصديقة إلى لبنان بعد الانفجار الكارثي.

أهداف الزيارة

إذن في خضم تلك الشائعات وبلبلة ما يحيط بتلك الزيارة يبقى السؤال الأساسي المطروح:

ماذا يريد ماكرون بهذه الزيارة؟

هل هي لمساعدة لبنان حقيقة ومد اليد إلى هذا البلد في محنته؟

أم أن الأمور فيها شيء آخر....

هل يسعى ماكرون إلى استعادة نفوذ بلاده على أرضٍ تمثل نقطة تقاطع مشاريع القوى الإقليمية والدولية في المنطقة، وكأن فرنسا تستثمر في كارثة بيروت كي تعيد تموضعها في منطقة تراجع فيها الدور الفرنسي بشكل كبير؟

هل هذه الزيارة تأتي كحلقة من حلقات التنافس التركي الفرنسي في المنطقة؟

أم هذه الزيارة تأتي لتشتيت الانتباه في الوقت نفسه عن مشاكل عدة في بلاده، عبر اتخاذ مساعدة لبنان كمحاولة الهروب للأمام من مشاكله الداخلية؟

بالنسبة للاحتمال الأول وهو مساعدة اللبنانيين، فقد قالت وزيرة الدفاع الفرنسية والتي وصلت مع حاملة الطائرات إلى بيروت، بأن الحاملة ستقوم بنقل فرق هندسية بالإضافة إلى 200 طن من الدقيق ومنتجات الألبان ومنتجات الأطفال و134 طنا من الحصص الغذائية و75000 لتر من مياه الشرب ومواد إعادة الإعمار، وبالإضافة إلى المساعدات الغذائية المبرمجة، يمكن تسليم 20 ألف طن من القمح و20 ألف طن من الدقيق في الأيام المقبلة، بحسب ما نقله موقع النشرة، موضحة أن "هذه المساعدات تقدمها الدولة وكذلك الشركات والجمعيات والقطاعات الزراعية.

ولكن العديد من دول العالم قد قدمت مساعدات أكثر من ذلك بكثير إلى لبنان من بينها على سبيل المثل تركيا التي قدمت 300 طن من الدقيق، بالإضافة إلى مساعدات لوجستية لفتح ميناء بيروت من جديد.

كما إن كثيرون يشككون في الدور الفرنسي حيث أن فرنسا لها سجل حافل في لبنان من الانتهازية ومناصرة طائفة وهي المسيحيين ضد من سواهم، فالدور الاستعماري الفرنسي معروف في صنع المشهد الطائفي في لبنان، وتنفيذ اتفاق المبادئ الذي تركته فرنسا أشبه بالدستور للبلاد عند زوال احتلالها في القرن الماضي عام 1946، والذي يضع أغلب السلطات في يد المارونيين المسيحيين وإعطاء مناصب شكلية للسنة وغيرهم، كما يشهد اللبنانيون على قوانين أخرى نافذة كثيرة، تعود لذلك العهد، ومنها قانون الجنسية الذي يحرم النساء اللبنانيات من منح جنسيتهن لأولادهن، وقد شهدت فترة الاحتلال الفرنسي مراحل دموية، وتشير المصادر التاريخية إلى مواجهات أدت إلى قتل عدد من اللبنانيين على يد الجنود الفرنسيين، وفي مدن مثل طرابلس وصيدا نصب تذكارية لهم.

ولكن أخطر ما يقوم به ماكرون هو ‏محاولة تعزيز دور حزب الله في لبنان، لوقف ما اعتبره مد لنفوذ تركيا واستكمالا للصراع التركي الفرنسي الذي يمتد من ليبيا الى شرق المتوسط، فقد ذكر الصحفي وائل التميمي على صفحته في تويتر نقلا عن مصادر سياسية لبنانية وصفها الصحفي بأنها موثوقة: "أن الرئيس الفرنسي ماكرون قد تحدث خلال لقائه القيادات اللبنانية أثناء زيارته عن خطر تركي يتهدد شمال لبنان وحذر منه".

 وهذا يفسر السلوك العجيب لماكرون في دعوة ترامب لرفع العقوبات عن حزب الله وطلبه من النواب عدم الاستقالة، فماكرون يعتقد أنه يقوم بدور اوباما في الماضي، أي تأهيل إيران وتلميع أدواتها.

ولكن الولايات المتحدة أدركت خطورة ما يقوم به ماكرون، أي تعزيز النفوذ الإيراني في لبنان لمواجهة النفوذ التركي الذي ينتشر في القطاعات السنية وكذلك بعض المسيحيين الرافضين للمد الايراني في لبنان، فأمريكا كانت ترحب بهذا الدور في السابق وهو تشجيع النفوذ الإيراني لمواجهة أي ظهور لقوة سنية في المستقبل، ولكن في عهد ترامب انتبهت الولايات المتحدة أن إيران تتخطى حدود هذا الدور وتنافس إسرائيل في زعامة المنطقة فكان لزاما على أمريكا الوقوف في مواجهة هذا المد.