"إذا لم تملأ إثيوبيا السد فسيعني ذلك أننا قد وافقنا على هدمه"

هذا ما قاله آبي أحمد رئيس الوزراء الأثيوبي في خطاب له الأسبوع الماضي، يعلن فيه استمرار التحدي الأثيوبي والإصرار على الاستمرار في مشروع سد النهضة إلى النهاية.

وقد تضاربت الأخبار الواردة من أثيوبيا حول حقيقة بدء الحكومة هناك في ملء سد النهضة الذي أقامته على النيل الأزرق، فقد أفادت صحف محلية إثيوبية أمس بأن عملية تعبئة خزان سد النهضة قد بدأت فعليا قبل أسبوع، وتداول بعض الناشطين في مصر والسودان معلومات أن أثيوبيا بدأت في ملء السد سراً، وما زاد من غضب الناشطين هو ما قاله محمد وداعة القيادي السوداني في قوى الحرية والتغيير في تصريحات إعلامية، إن كل الشواهد تؤكد أن أديس أبابا بدأت سرا في ملء سد النهضة.

وأفادت وكالة أسوشيتد برس الأمريكية اليوم الثلاثاء، بأن صورا جديدة التقطتها الأقمار الصناعية لخزان سد النهضة الإثيوبي تظهر أنه قد بدأ بالامتلاء.

وكانت الحكومة الإثيوبية قد أعلنت مطلع هذا الشهر تأجيل بدء ملء سد النهضة عدة أسابيع بعد ما كان مقرراً مطلع الشهر الجاري، بعد احتجاج مصر والسودان، وتوجه القاهرة بطلب لمجلس الأمن للتدخل ووقف عملية الملء قبل التوصل للاتفاق.

ويؤكد على هذا التأجيل عباس شراقي أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الذي أكد لرويترز أن عملية ملء السد لم تبدأ بعد، وأن صور الأقمار الصناعية تشير إلى استمرار تدفق المياه في المجرى الطبيعي للنيل الأزرق نحو السودان ومصر، أما بالنسبة لبحيرة المياه التي تكونت أمام السد ورصدتها الأقمار الصناعية، فأكد أنها تجمع مائي بسيط أمام السد لعدم قدرة البوابات الأربعة على إمرارها مرة واحدة، وتوقع أن يزداد التجمع خلال الأيام القادمة.

وكانت مصر والسودان وإثيوبيا قد اتفقت يوم الأحد الماضي على عقد جلسة تفاوض أخيرة بشأن السد الاثنين (أمس) وعقدت اللجنتان القانونية والفنية جلستين منفصلتين الاثنين في محاولة للتغلب على الخلافات، لكن مصدرا مشاركا في المفاوضات صرح إن اجتماع اللجنة القانونية انتهى الاثنين دون إحراز تقدم يذكر "بل تم إعادة تدوير ذات النقاش القديم".

ولكن تشير كثير من الدلائل أن الصراع حول سد النهضة، بات محسوما لصالح الجانب الأثيوبي.

ويتساءل كثيرون لماذا آل هذا الصراع المحتدم منذ أواخر عام 2010 إلى ذلك المصير؟ والذي يمكن اعتبار أن أثيوبيا قد باتت هي طرف الصراع الفائز، والذي أصبح متحكما في مياه النيل.

هناك عدة أسباب جعلت هذا الصراع يؤول إلى هذه النتيجة:

السبب الأول: التزام مصر منذ أواخر عام 2013 بمبدأ المفاوضات وتوقيعها معاهدة مع الدول الثلاث وعندما صعدت موقفها لم تجد إلا مجلس الأمن مع استبعاد الخيار العسكري أو خيارات أخرى.

فمصر منذ احتدام الصراع في أواخر عام 2013 تنازلت عن مبدأ وجود السدود أصلا على النيل، وذهبت إلى القبول به مع تلافي أخطاره من حيث مدة الملء وآلية الملء والتشغيل في سنوات الجفاف وغيرها من القضايا الفرعية، وتناست وانحرفت عن الهدف الاستراتيجي الذي ظلت متمسكة به لعقود عديدة وهو الرفض القاطع لوجود سدود على النيل الأزرق.

فمن المعلوم ان النيل الأزرق هو الرافد الأساسي لنهر النيل، فمنذ بدأ نهر النيل بالسريان كانت الأمطار التي تهطل على الحبشة (إثيوبيا) تشكل أكثر من 80 في المئة من مياهه، وتهطل الأمطار على أثيوبيا بين شهري يوليو وسبتمبر من كل عام ونتيجة لهذه الأمطار، تتكون بحيرات صغيرة بسرعة البرق، محولة هضبة أمهارا الإثيوبية الى مجموعة من الجزر المعزولة التي تحيط بها المياه ولكن نهر النيل الأزرق، الذي يبدأ رحلته من غابة تقع الى الجنوب من بحيرة تانا، يستوعب هذه المياه ويتحول في هذا الموسم من جدول صغير الى نهر جبار.

أما نهر النيل الأبيض، الذي يتجاوز طوله طول النيل الأزرق، والذي تقع منابعه في بحيرة فيكتوريا في شرق افريقيا، والذي يندمج مع الأزرق في الخرطوم بالسودان ليكونان نهر النيل، فلا يشكل الا نسبة صغيرة من المياه التي تنساب شمالا نحو مصر.

ويبدو أن الإصرار المصري على مبدا المفاوضات واستبعاد أي خيار عسكري أو مخابراتي يحرم المفاوض المصري من الورقة الأخطر في التأثير على أثيوبيا، ويكفي ان المفاوضات الأخيرة قد استمرت أحد عشر يوما، وصرح بعدها وزير الخارجية المصري أنه ليس هناك إرادة سياسية أثيوبية للاتفاق، وأقصى ما سوف يفعله الجانب المصري كرد فعل لهذا الفشل هو الذهاب بالقضية لمجلس الأمن.

ومما يدل على التراخي المصري، ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم وزارة الري المصرية أمس، خلال مداخلة هاتفية على قناة mbc مصر، أن ما يتم تداوله عن ملء السد سيظهر خلال الأيام القادمة، قائلا: إنه مع زيادة معدل الفيضان سوف نتمكن من التعرف على حقيقة تخزين المياه خلف سد النهضة، مشيرا إلى أن هناك آليات لمعرفة هل بدأت إثيوبيا في ملء بحيرة السد عن طريق معرفة كمية المياه الواردة لمصر، وأكد أن السنة المائية في مصر تبدأ في أول أغسطس، لافتا إلى أنه في بداية شهر أغسطس نستطيع التعرف على مدى قيام إثيوبيا بملء خزان سد النهضة، أي أن مصر ستنتظر أكثر من شهر لتعرف أن أثيوبيا قد بدأت الملء أم لا.

أما السبب الثاني للنجاح الأثيوبي:

هو الإصرار الأثيوبي على بناء السد حيث يُعد العامل الأبرز في نجاحها، فأثيوبيا وضعت نصب عينها ذلك الهدف الاستراتيجي الواضح، وهو إقامة سد النهضة مهما كلفها من ثمن وسعت إلى تحقيقه بكل الوسائل الممكنة، ولم تتخل عنه في أي لحظة من اللحظات، واستغلت في توقيت ما الوهن الذي أصاب الجانب المصري، الناتج عن الضعف الذي أصاب النظام في أواخر عهد الرئيس مبارك، ثم اندلاع الفوضى في مصر عقب ثورة يناير، وأخيرا عندما بدأ النظام يميل للاستقرار استغلت أثيوبيا موضوع حاجة النظام المصري إلى الشرعية خاصة في محيطه الأفريقي، بعد أن أعلن الاتحاد الأفريقي تجميد عضوية مصر وعدم اعترافه بالنظام الذي جاء بعد 3 يوليو، وتجميده لعضوية مصر في الاتحاد، وبما أن أثيوبيا هي دولة مقر الاتحاد الأفريقي وفيها تنعقد مؤتمراته، فقد حرص النظام المصري على استرضاءها بأي ثمن لكي تقبل الاعتراف به، ونجحت المناورة الأثيوبية في انتزاع توقيع النظام المصري عام 2015، على اتفاقية إعلان مبادئ بين مصر وإثيوبيا والسودان حول مشروع سد النهضة تقر فيها مصر لأول مرة، اعترافها بسد النهضة، في مقابل سعي أثيوبيا إلى حث الدول الأفريقية الأخرى على الاعتراف بالنظام مرة أخرى، وقبوله من جديد عضوا في منظمة الاتحاد الأفريقي.

ثالثا/ المناورة التي اتبعها السودان:

وساهم في النجاح الأثيوبي أنه طوال الأزمة الأخيرة في الصراع حول سد النهضة والتي امتدت منذ عام 2013، تذبذبت المواقف السودانية وتأرجحت بين الوقوف مع الجانب الأثيوبي مرة ثم العدول عن ذلك وتأييد الموقف المصري مرة أخرى، ومرة ثالثة ادعاء الحياد في هذا الصراع.

ذلك الموقف البراجماتي الذي اتسم به الموقف السوداني، نابع من طبيعة النظام السوداني في عهد البشير الذي كان يتسم بتقلباته ومواقفه البراجماتية، وسار على ها الدرب النظام السوداني الجديد الذي أعقب سقوط البشير.

فأثيوبيا وعدت السودان بإمداده بالطاقة الكهربية بأسعار رخيصة، فضلا عن أن السودان لا يعاني نقصا أساسا من الموارد المائية، فلديه الأمطار الغريزة فضلا عن موارد فروع النيل الأخرى التي لن تتأثر بالسد الأثيوبي، ولكن هناك تخوفات حقيقية سودانية من احتمالية انهيار السد، سواء بسبب التصميم الانشائي، أو أي عمل عسكري مصري.

فانهيار السد سيعني كارثة في السودان من فيضان يغرق الأراضي السودانية، وفي نفس الوقت هناك توتر سوداني أثيوبي في شرق السودان، حيث تندلع اشتباكات بين الجيش السوداني وبعض القبائل الأثيوبية المدعومة في خلافات حول الأراضي الزراعية، وجاءت فرصة سد النهضة لتأخذها الحكومة السودانية كورقة هامة في ذلك الصراع مع أثيوبيا.

كل المعطيات تقول إن النيل لم أصبح منذ الآن تحت السيطرة الأثيوبية، وأن مصر قد فقدت أكثر أوراقها في هذا الصراع.