"سوريا حرة حرة وإيران تطلع برة"، هكذا ردد المتظاهرون اليوم وأمس في محافظة السويداء الخاضعة لحكم بشار الأسد في سوريا، في مظاهراتهم ضد النظام السوري والمطالبة بإسقاطه، وفي نفس الوقت المنددة بالتدخل الإيراني في سوريا.

وقبلها في الشهر الماضي نظّم العشرات من أهالي مدينة درعا جنوبي البلاد عقب صلاة الجمعة، مظاهرة حاشدة في ساحة العمري طالبت الميليشيات الإيرانية وحزب الله اللبناني بالخروج من سوريا، وحملت المظاهرات شعار لا للحرب، نددوا خلالها بجرائم الإيرانيين والروس ضد المدنيين في سوريا، وطالبت بخروج الميليشيات الإيرانية من سوريا.

وفي بداية هذا العام خرجت عدة مظاهرات في دير الزور في سوريا أيضا بعد صلاة الجمعة، للمطالبة بطرد الميليشيات الإيرانية من ريف دير الزور.

والمتأمل في هذه المظاهرات، يلاحظ أنها تخرج في المناطق الخاضعة لنفوذ النظام، أي أن الشعب السوري يتحدى النظام وغير خائف من الذي قام بسفك أوراح مئات الآلاف وهجر الملايين في سبيل بقاءه.

كما يلاحظ أيضا أن الذين خرجوا في محافظة السويداء السورية، ينتمون إلى الطائفة الدرزية أي ان النقمة من الوجود الإيراني فضلا عن النظام المستبد، باتت لدرجة أنها تدفع أبناء الشعب على اختلاف مذاهبهم، إلى المخاطرة بأرواحهم في سبيل التخلص منه.

ويمتد النفوذ الايراني في سوريا ليس في المجال العسكري فقط ولكن في مجالات عديدة، كما أن هذا النفوذ تاريخيا يسبق ثورة الشعب السوري ضد نظامه السياسي بعدة عقود، بل هو أحد أكبر الأسباب التي زادت من نقمة الشعب السوري على تحالف نظامه مع نظام الآيات في طهران.

ويسير التمدد الإيراني في سوريا بعدة استراتيجيات رئيسة:

أولا: الاستراتيجية العسكرية:

بدء التوسع الهائل للوجود العسكري الإيراني إلى مطلع عام 2012، عندما بدأت أجهزة الأمن السورية والجيش في الانهيار والتفتت بعد ثورة الشعب السوري ضد الأسد، وظهر عجز النظام بمفرده عن مواجهة الثورة الشعبية، ففي البداية بدأ ضباط من الحرس الثوري الإيراني بمساعدة النظام ودعمه وتقديم المشورة له، ثم تلتها السيطرة الإيرانية المباشرة على قواعد عسكرية في البلاد وأخيرا بدأت إيران المشاركة بشكل مباشر في المعارك، ويتم ذلك عبر قوات تابعة للحرس الثوري، وتحديداً فيلق القدس الذي يدير قائده قاسم سليماني، ثم سجلت الحرب انخراط قوات عسكرية تابعة للجيش الإيراني نفسه في معارك على الأرض السورية، مثل معارك ريف حلب الجنوبي في عام 2017 التي شاركت فيها قوات خاصة تابعة للجيش الإيراني تعرف باسم أصحاب القبعات الخضراء اللواء 65.

وكانت المرحلة النهائية هي ادخال الميليشيات الأجنبية، التي استقدمتها طهران إلى البلاد للمشاركة في القتال إلى جانب قوات النظام، وتم تشكيل أول ميليشيا عراقية في سوريا عام 2012 تحت اسم لواء أبو الفضل العباس بحجة حماية المراقد المقدسة في البلاد، ثم دخلت قوات حزب الله اللبناني على الخط  في عام 2013، الذي قاد عمليات مثل الحملة على مدينة القصير جنوب غرب حمص، والعمليات العسكرية التي استهدفت منطقة القلمون على الحدود مع لبنان، وخلال الأعوام التالية خاصةً مع ارتفاع التوتر حول حلب، برزت جماعات مسلحة شكلّها الحرس الثوري الإيراني من اللاجئين الأفغان في إيران، الذين تم تحويلهم إلى ميليشيا تحمل اسم فاطميون، وتشير التقديرات إلى أن أعداد الميليشيات الأجنبية التي استقدمتها إيران إلى سوريا وصل خلال الأوقات التي شهدت ذروة المعارك إلى حدود ستين ألف عنصر.

وهناك نوع آخر من الميليشيات التي كونتها إيران من السوريين، مثل ميليشيا الفهود في مدينة حمص الممولة إيرانيا.

ولا يقتصر الحضور العسكري الإيراني على المقاتلين، فقد أنشأت إيران مصنعا جديدا بالقرب من مدينة صافيتا الواقعة في شمال غرب سوريا على أمل ألا تتمكن إسرائيل من اكتشاف الموقع، الذي يبعد عن مواقع إيرانية سابقة تعرضت لقصف إسرائيلي في أماكن أخرى في سوريا، ويهدف المصنع إلى التركيز على إنتاج صواريخ دقيقة.

أما الاستراتيجية الثانية للتمدد الايراني فهي استراتيجية اقتصادية:

فقد شهدت العلاقات بين النظام السوري وحليفه الإيراني توقيع اتفاقيات تجارية واستثمارية واسعة خلال تسع سنوات، وعلى ما يبدو فإن إيران تسعى بطرق مختلفة وملتوية لتثبيت وجودها في سوريا حتى بعد سقوط بشار الأسد، من خلال الشركات والمصانع والاستثمارات الخاصة في المناطق الحرة أو غيرها من المشاريع في سوريا، لتعوض الخسائر التي تدفعها في الحرب السورية.

وتقول المعارضة السورية إن الاستثمارات الإيرانية في المناطق الحرة تجعلها قريبة من سوق تصريف منتجاتها في سوريا، مما يخفض تكاليف النقل والإنتاج، بينما تفيد تقارير إعلامية أن عددًا كبيرًا من الشركات التجارية الإيرانية هي على ارتباط وثيق بـالحرس الثوري الإيراني، وتُستخدم كواجهة لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية.

وتستفيد تلك الاستثمارات من انخفاض أجور اليد العاملة السورية، كما أنها تتمتع بامتيازات الاستثمار في المناطق الحرة مثل إلغاء الرسوم الجمركية على منتجاتها.

وتتركز معظم الاستثمارات على الصناعات المتعلقة بإعادة الإعمار، مثل مواد البناء، وفي حال بدأت إعادة الإعمار في سوريا، تكون المواد التي أنتجتها المصانع الإيرانية، متاحة وقريبة من سوق التصريف، وذات تكلفة منخفضة، وبالتالي سيغرق السوق السوري بالبضائع الإيرانية، لتنافس تلك البضائع مثيلاتها السورية، وخاصة أن البضائع المنتجة في المناطق الحرة السورية، أو المستوردة وفق اتفاقية التجارة الحرة مع إيران، تتمتع بإعفاء جمركي يصل في بعض الأحيان إلى 100%، كما ستنافس المنتجات الإيرانية مثيلاتها من المنتجات المستوردة مثل الصينية، وستكون فرص دخول الشركات الأجنبية الأخرى أو المحلية في المناطق الحرة محدودة بشكل كبير.

أما الاستراتيجية الثالثة الإيرانية في سوريا فهي استراتيجية ثقافية:

تقوم على أساس نشر التشيع في ربوع سوريا التي يشكل فيها السنة أكثر من 80 % من السكان.

فقد فتحت إيران مدارس تم فيها استخدام فيها اللغة الفارسية، وتقدم المنح للطلاب للدراسة في إيران، وأعلنت جامعة حماة رسميا عن توقيعها اتفاقيات مع ثلاث جامعات إيرانية، هي جامعة فردوسي لمدينة مشهد، وجامعة أمير كبير التقنية، إضافة إلى توقيع اتفاق نوعي مع جامعة الزهراء للإناثن وتتضمن الاتفاقيات، التبادل العلمي والثقافي للطلاب والأساتذة للدراسة في إيران واستكمال تحصيلهم العلمي، مع تبادل الخبرات العلمية والزيارات، والاستفادة من الخبرات التقنية بين جامعة حماة ومختلف الجامعات الإيرانية.

وأنشأت إيران على امتداد الأراضي السورية عشرات المراكز الثقافية، وأقامت الحسينيات وانتشر رجال الدين الشيعة في محاولة لنشر التشيع بين سنة سوريا.

الاستراتيجية الرابعة للنفوذ الإيراني فهي استراتيجية ديموغرافية:

ولكن أخطر ما يفعله الوجود الإيراني في سوريا وما يسبب تصاعد الغليان الشعبي ما يجري في منطقة ريف دمشق، حيث تتسارع وتيرة الاستيطان الإيراني في مناطق عدة، بعدما تواترت الأنباء والمؤشرات عن تمكن بعض الميليشيات الإيرانية المتمركزة في سوريا من السيطرة على مساجد في مدن وقرى شرقي سوريا ووسطها، وتحويلها إلى مراكز ومقامات دينية شيعية.

وتتحدث تقارير إعلامية عن توطين عائلات شيعية في سوريا على حساب سكان من السنة غادروا ديارهم بسبب الاقتتال، في خطوة فسرت على أنها محاولة لتغيير الميزان الديمغرافي للبلاد، كما أن مثل هذه الخطة لها بعد أمني يتمثل في تأمين دمشق وضواحيها والمنطقة الممتدة مما يعرف بمقام السيدة زينب إلى الحدود اللبنانية.

ولتأمين هذا التفريغ تم اصدار القانون رقم 10 الذي أعطى لأصحاب الأملاك السوريين، الذين تركوا منازلهم وعقاراتهم فارغة، مهلة 30 يوما لإيجاد وكيل محلي وتقديم طلب ملكية شخصي، في محاولة لانتزاع الأراضي، لقد استغل حزب الله والحرس الثوري الإسلامي الإيراني هذا الوضع لشراء عقارات عديدة، ونقل عن مصادر سورية رسمية أنه تم نقل أكثر من 8 آلاف عقار في منطقة دمشق إلى مالكين أجانب خلال السنوات الثلاث الماضية.

وبالرغم من تلك المحاولات والمؤامرات الشيطانية، فنحن واثقون أن شعب سوريا البطل سوف يفشل هذه المخططات، وسيعيد لسوريا وجهها السني الإسلامي الطليعي، كما كانت طوال تاريخها بإذن الله.