ويخرج ترامب من البيت الأبيض، ويسير في منطقة أخليت من أجله إلى كنيسة تاريخية مجاورة (كنيسة القديس يوحنا) على بعد شارع من البيت الأبيض، وتستخدم الشرطة والحرس الوطني الغاز المسيل للدموع لإبعاد المتظاهرين عن محيط الكنيسة، لكي يتمكن ترامب من عبور الشارع لدخول الكنيسة حيث رفع إنجيلا أمام عدسات الإعلام، وإلى جانبه ابنته إيفانكا وعدد من معاونيه، وقبلها كان حريق محدود قد اندلع في الكنيسة خلال الاحتجاجات التي اندلعت في أرجاء الولايات المتحدة، على خلفية مقتل المواطن جورج فلويد على يد الشرطة، وذلك على الرغم من حظر التجول في عشرات المدن..

هذا هو العرض المسرحي الذي قام به رئيس أمريكا، فتمت مقابلته بالصدمة ليس في أمريكا وحدها، بل في العالم كله.

فأمريكا التي انتشرت صورتها في العالم رافعة لواء الليبرالية والحرية الغير مرتبطة بالدين، تعود لتبرز نفسها وفي صورة قمة هرم الدولة عندها ممثلة ف يشخص يرفع الانجيل!!

وحقيقة الأمر فإن المرء عندما يرى ما قام به ترامب، يتساءل هل هو عرض مسرحي يأخذ به ترامب اللقطة مثل ما قال به ماريان بادي، رئيسة قساوسة واشنطن في الكنيسة الأسقفية البروتستانتية في حديث لـ"سي إن إن" إنّ ما فعله ترامب "تمثيلية، تتناقض مع تعاليم المسيح أم أن الأمر يحمل دلالات عميقة قصدها ترامب من فعلته، وخاصة أن أحد الأمريكيين تحدّث لصحيفة الغارديان البريطانية عن فرحته وفرحة عائلته بالمشهد، وكيف جعلوا منه صورة شخصية على حسابات فيسبوك الخاصة بهم؟

الدين في الحياة السياسية الأمريكية

كان الدين ولا يزال عامل مهما في السياسة الأمريكية، وهو أحد الركائز الهامة في تأسيس أمريكا لذلك فإن الدين تأثير كبير على الرؤساء الأمريكيين، كما على الشعب الأمريكي كذلك.

فاول رئيس لأمريكا وهو جورج واشنطون في عام 1789 وفور استلامه رئاسة البلاد كرس يوما خاصا لتقديم الشكر والصلاة، لأن الله أنعم على بلاده بحكومة جمهورية تستحق الامتنان، وحين فاز أيزنهاور الزعيم البطل في وجدان الشعب الأمريكي، والذي قاد أمريكا للانتصار في الحرب العالمية الثانية عندما فاز بالرئاسة في عام 1953، استهلّ خطابه الافتتاحي بالقول "هل تسمحون لي أن أتشرف بتلاوة صلاة شخصية قصيرة"، ثم استمر لأكثر من دقيقة يتوسل إلى الله طالباً منه نشر التعاون والتفاهم بين الناس، وقبل أن يستلم ريجان مقاليد الحكم كان ما يقارب النصف من الخطب الرئاسية تقريباً، تنتهي بتعابير الابتهال والتوسل إلى الله ولكنها وبعد تولي ريجان الرئاسة وصلت تلك النسبة إلى أكثر من 90 ٪.

ولم يكن حال رونالد ريجان إلا مثالا دامغا على هذا التأثير العميق للدين على سياسة أمريكا وساساتها، فقد أعلن بوضوح في سنة 1980 بعد مؤتمر ترشيحه للرئاسة أنه سيؤيد تمامًا الأجندة الأخلاقية لليمين المسيحي، فحظي بدعم غير محدود من منظمة الأغلبية الأخلاقية التي قامت بحشد ثلاثة ملايين ناخب أمريكي لمساندته في الانتخابات.

وآخر رئيس جمهوري قبل ترامب كان جورج بوش الابن وقد خصصت مجلة النيوزويك له قبيل الحرب ضد العراق مباشرة موضوع الغلاف لها حول حياة بوش منذ صباه مع التدين؛ ففي بداية حملته الانتخابية ذكر أن المفكر المفضل لديه هو المسيح عليه السلام، وبعد بضع دقائق من أدائه اليمين الدستورية وهو يضع يده على الإنجيل ردد بعد القسم كلاماً غامضاً جاء فيه أن ملاكاً يمتطي صهوة الزوبعة ويوجه هذه العاصفة؛ دون أن يوضح معنى هذه العبارة.

وقال بوش أثناء فطور وطني خصص للصلاة: إن الإيمان أعانني في النجاح، ولولا الإيمان لكنت شخصاً آخر، ومن دونه لما كنت بالتأكيد هنا، حتى إن آلا ليشتمان المؤرخ المتخصص في شؤون الرئاسة الأميركية في الجامعة الأميركية بواشنطن يقول: إن الربط بهذا الشكل بين الدين والسياسة، أمر لا سابقة له لرئيس بدأ مهامه منذ أسبوعين.

وقد اشتهر بوش الابن بمقولته عن غزو أمريكا للعراق بأنه النزاع الأيدلوجي الحاسم في زماننا، قالها من البيت الأبيض وتم نقلها عبر التلفاز ليعلن بوش بكل وضوح الغاية من غزوه العراق، وهي أن الصراع في المنطقة هو صراع أيدلوجي، وهو وفق معتقدات بوش ديني صليبي كما صرح به ذات مرة، فحربه في العراق رسالة دينية، وبعكس ما يعتقد البعض أن بوش لا يعبر عن الشعب الأمريكي في مضيه لحرب العراق فإن 78% ممن اختاروا بوش من الشعب الأمريكي قالوا إنهم فضلوه لدينه وللقيم الأخلاقية التي يمثلها، فتأكيد بوش على الطبيعة الدينية للصراع هو في حقيقته تذكير للشعب الأمريكي، بالسبب الذي اختار بوش للرئاسة وأنه سائر وماض في هذا الدرب.

ترامب غير المتدين على نفس الخطا

حين سئل دونالد ترامب في مقابلة تلفزيونية عام 2015 عن أحبّ آية في الإنجيل إلى قلبه، تلعثم، ولم يستطع الإجابة.

ثم بعدذ لك تحوّل الكتاب المقدس إلى جزء حيوي من صورته الإعلامية، منذ انتخابه رئيسا للولايات المتحدة عام 2016.

وقد اشتهر أثناء حملته الانتخابية بمقولة "فلنخرج جميع المسلمين من البلاد ولنبنِ حاجزاً بيننا وبينهم"، الأمر الذي دفع صحيفة الجارديان البريطانية لتقول في إحدى افتتاحياتها، وهي تصف السلوك الذي حاول ترامب أن يظهره للعالم كله سواء أثناء حملته الانتخابية أو في خطاب تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية: إن التعصب أصبح يقود أقوى دولة في العالم عسكرياً واقتصادياً، ولذا فإن العالم مقبل على كوارث لا حصر لها.

وتصرخ القسيسة باولا وايت المستشارة الروحية الخاصة بالرئيس الأميركي، في إحدى عظاتها المتلفزة "حين تقول لا للرئيس ترامب، كأنك تقول لا لله"، وبعدها عيّنت الواعظة الشهيرة قبل شهرين على رأس "مبادرة البيت الأبيض للإيمان والفرص"، وهي واحدة من أثرى وأبرز وجوه التبشير التلفزيوني الإنجيلي في الولايات المتحدة.

وفي عام 2017 مع إعلان ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، تجدّدت الإحالة إلى النبوءات، مع إحاطة الرئيس الأمريكي نفسه بمجموعة من المبشرين الإنجيلين، الذين يعتقدون بضرورة تحقق نبوءة "إعادة بناء أورشليم قبل عودة المسيح".

يقول محرّر الشؤون الدينية لدى "بي بي سي" مارتن بشير: لا يعرف عن ترامب أنّه ممارس ورع للديانة المسيحية، لكن حشد تأييد الإنجيليين مهم جداً لمستقبله السياسي، فعند انتخابه، حصد ترامب أصوات 81 بالمئة من الناخبين الإنجيليين البيض، كما تفوّق على منافسته هيلاري كلينتون بأصوات الكاثوليك البيض.

وبحسب بشير، يقدّم ترامب نفسه كـبطل للناخبين الإنجيليين والمحافظين، بالرغم من مسيرته المتناقضة مع تعاليمهم: ثلاث زيجات، اتهامات بالتحرّش، فضيحة ممثلة الأفلام الإباحية ستورمي دانيلز... لكنه تمكّن من تجاوز تلك العقبات، من خلال بناء تحالفات سياسية راسخة مع قياداتهم، عبر تبني مطالبهم وأولوياتهم الانتخابية، ومن بين تلك المطالب توسيع نفوذهم في المحكمة العليا والمحاكم الفيدرالية، حيث تقرّ القوانين المتعلقة بالإجهاض وزواج المثليين. وقد عيّن حديثاً قاضيين في المحكمة العليا وقضاة في المحكمة الفيدرالية، من حلفائهم.

وبالرغم من أنّه غير ممارس دينياً، كان ترامب من أشدّ الداعمين لإعادة فتح الكنائس بعد انتهاء إجراءات الإغلاق الناتجة عن كورونا، لاستمالة المتدينين المحافظين، الفئة الأكثر تمسكاً به من بين ناخبيه، ووصفت صحيفة واشنطن بوست الأمر بأنّه "بروباغندا"، وباستخدام الكتاب المقدس كنوع من التعويذة المقدسة، لتكريس صورته كالقائد المختار.

ويتساءل البعض، هل الذي يدفع ترامب غير المتدين الظهور بمظهر المدافع عن الانجيل هو الحصول على دعم القاعدة الانتخابية له فقط؟

الذي يقول بمثل هذا الكلام، يتغافل عن الانتهازية التي تتسم بها الديانة المسيحية المحرفة، فهذا النفاق ومخالفة الظاهر الباطن، هو سمة عامة لرجال الدين المسيحيين، سواء كانوا كاثوليك أو أرثوذكس أو بروتستانت كما هو في المذهب السائد في أمريكا.

فقد اشتهر القساوسة في العالم كله، وفي أمريكا أيضا بالكثير من الفضائح منها العائلية والجنسية والمالية، وقد نقلت مئات الحكايات والأخبار عن هذه الفضائح مما لا يتسع المقام لذكرها.