أحد الأساطير التي بنت عليها إيران المذهبية نظامها السياسي منذ قيام ثورتها عام 1979، هو أن لديها جيش لا يقهر يطلق عليه الحرس الثوري، ونسج نظام الآيات بأذرعه الإعلامية كثير من الروايات وقصص البطولة حول هذا الجيش الذي لا يقهر، والتي تتعلق بقدرات هذا الحرس الثوري التدريبية والقتالية، فضلا عن تسليحه الذي هو من أحدث النظم التسليحية وأكثرها ارتباطا بالتكنولوجيا والعلم كما يزعمون....

وسقطت هذه الأسطورة بالحادث الذي وقع بالأمس، فقد ذكرت وكالة "تسنيم" الإيرانية في تغريدة باللغة الإنكليزية، أن سفينة عسكرية إيرانية قد ضربت بصاروخ أطلقته سفينة حربية إيرانية أخرى، وقالت الوكالة إن السفينة تعرّضت "لنيران صديقة، بعدما أطلقت فرقاطة جماران من فئة موجة صاروخا عن طريق الخطأ خلال تدريب حي على إطلاق النار في منطقة جاسك في مياه الخليج بعد ظهر الأحد قرب بندر جاسك قبالة سواحل إيران الجنوبية، وقد أدى الحادث إلى مقتل 19 بحارا وإصابة 15 آخرين.

وقبلها في شهر يناير الماضي أطلقت القوات المسلحة الإيرانية صاروخا بالخطأ، أصاب طائرة ركاب أوكرانية بعيد إقلاعها من طهران في طريقها إلى كييف، ما أدى الى مقتل 176 شخصا كانوا على متنها، واعترف الجيش الإيراني بالخطأ الكارثي، قائلا إن الدفاعات الجوية الإيرانية كانت في حالة تأهب شديدة بعد إطلاق سلسلة صواريخ على قاعدتين تؤويان جنودا أميركيين في العراق، وأطلقت إيران حينها الصواريخ ردا على قتل الولايات المتحدة القيادي في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني، بضربة نفّذتها طائرة مسيّرة قبل أيام على ذلك.

بهذا الحرس الثوري أو الجيش الوهمي، حاولت إيران أن توهم الشعوب المسلمة أن لديها ذراع عسكرية طويلة، تستطيع دحر أي عدوان على أراضيها أو ينال من نظامها المذهبي، بل تتفاخر بتمددها بواسطة هذ الجيش داخل العواصم العربية مثل صنعاء وبيروت وبغداد.

لقد بلغ الزهو بهذا الحرس مبلغا بأن نظام الآيات جعل دوره السياسي ليس فقط أمرًا مسموحًا به، بل هو جزء من رسالته للدفاع عن الثورة الإسلامية المزعومة حسبما ينص على ذلك دستور الجمهورية.

وبتتبع تاريخ الحرس وعلاقته بالنظام، يتبين لنا أن مؤسسة الحرس الثوري الإيراني هي أقوى مؤسسات النظام الإيراني، بل أضحت قوتها وكفاءتها دليلا على قوة النظام وكفاءته والعكس صحيح.

وتعود نشأة الحرس الثوري في إيران إلى شهور قليلة قبل وصول الخميني من باريس، حيث عملت مجموعات مسلحة من الشباب على الصدام مع قوات الأمن والجيش الموالية للشاه، وبعد رحيل الشاه كان لابد من تجميع القوات العسكرية المختلفة التي نشأت بعد الثورة في بنية واحدة موالية للنظام، فصدر قرار في مايو 1979 بإنشاء حرس الثورة "الإسلامية"، وتفصّل المادة 150 من الدستور مهام الحرس كالتالي، يحافظ حرس الثورة الإسلامية الإيرانية على منجزات ودور الثورة وفي نطاق واجبات هذه الهيئة ومجالات مسؤوليتها.

ويتجلى دور الحرس الثوري الدفاعي عن النظام في مشاركته الفعالة في الحرب العراقية، وبواسطة أساليبه الانتحارية استطاع أن يطرد القوات العراقية من الأراضي التي احتلتها في الحرب، ثم احتلال أراضي جديدة داخل العراق بل تهديد بغداد نفسها.

ولم تقتصر مهامه على حماية النظام، بل تتعداه إلى تصدير الثورة والقيام بمهمات خارجية لصالح النظام ومشروعه في المنطقة.

وعن دوريه المزدوج أي الداخلي والخارجي يتحدث رفسنجاني أحد رموز النظام الإيراني قبل وفاته، فيقول في صحيفة كيهان الإيرانية عام 1984: " إن حرس الثورة الإسلامية الذي تشكل من أكثر الأشخاص تجربة ونضجاً، عليه مسؤولية المحافظة على منجزات الثورة ودستورها، لقد كان دور الحرس مؤثراً في إحباط كل مؤامرات القوى الاستكبارية ضد الثورة سواء في أعمال التخريب أو التضليل أو جبهات القتال، كما قاموا بدور كبير في رفع الروح المعنوية للجماهير وكان دورهم الفني أهم من دورهم العسكري، وقد غطى جهازهم الإعلامي الاحتياجات الإعلامية كذلك كان لهم دور كبير خارج البلاد في تصدير الثورة الإسلامية، فأثبتوا أنهم جهاز يمكن الاعتماد عليه.

وكأكبر دليل على نفوذ الحرس الثوري وتأثيره في دوائر صناعة القرار، هو وصول أحمدي نجاد وهو أحد قادته إلى رئاسة الجمهورية أي ثاني أعلى منصب في البلاد بعد المرشد، وعين أحمدي نجاد لدى انتخابه خمسة وزراء في حكومته من الحرس الثوري فضلا عن كون عشرات النواب في البرلمان أعضاء سابقين في الحرس، ودخل العديد من كوادر الحرس إلى مفاصل الدولة الحساسة، ومن أبرزهم سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني ورئيس بلدية طهران محمد باقر قاليباف (قائد الشرطة السابق)، كما أصبح عدد منهم ناشطين في قطاعات البناء والنفط.

وتختلف التقديرات في تعداد أفراد ذلك الحرس، فوفق تقديرات المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن يضم 350 ألف عنصر، في حين يرى معهد الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن أن عدد أفراده لا يتجاوز 120 ألفا.

ويتشكل الحرس الثوري الإسلامي وفق تقرير كتبه رضا كيهلي - وهو أحد أفراد الحرس الثوري جندته المخابرات الأمريكية ثم بعد إتمام مهمته هرب للولايات المتحدة - من ثلاثة أنماط من الأشخاص: أفراد عاديون الكثيرون منهم ذوو حظ قليل من التعليم والمعتقدات الدينية المعتدلة، وانتهازيون يخدمون مصالحهم الذاتية، ومتطرفون محافظون متأثرون بأفكار إسلامية ذات توسعية دينية متطرفة.

فضلا عن ذلك يقوم الحرس بأنشطته الاقتصادية والاستثمارية والتجارية والعسكرية والدبلوماسية والاجتماعية والاستخباراتية، ليس في إيران فحسب ولكن امتدت أنشطته إلى دول عديدة.

حيث يقوم فيلق القدس التابع للحرس الثوري بالمهام الخارجية القتالية، ويرصد تقرير صحفي توغل الحرس الثوري في عدد من الدول العربية، حيث تتهم دول خليجية الحرس الثوري الإيراني بتهريب مواطنين شيعة من الخليج إلى معسكرات تابعة له، لتتم عملية تجنيدهم ومن ثم إعادتهم إلى بلدانهم في الخليج بأجندات تخريبية، كما تم رصد عملية تدريب الأجانب المقاتلين في سوريا والعراق حيث مواقع ومعسكرات التدريب للحرس الثوري والمخابرات الإيرانية، منها معسكرات الإمام علي في شمال طهران ومعسكر أمير المؤمنين في كرج غرب طهران، وكذلك في مرصاد شيراز أحد أهم مراكز تدريب المقاتلين الأجانب ومنهم عرب وأفغان وشيشان، وكذلك الأمر في لبنان بمدينة بعلبك وفي سوريا توجد معسكرات بمدينة حمص وصولًا إلى إريتريا التي تعد مركزًا لتدريب وتمويل الحوثيين في اليمن، وقد صدر تقرير أممي تابع لمجلس الأمن يؤكد ضلوع الحرس الثوري الإيراني في تدريب قوات الحوثيين في جزيرة صغيرة تقع قبالة الساحل الإريتري، حتى إن بعض التقارير أكدت أن معسكرات الحرس الثوري الإيراني امتدت حتى مقاطعة الواهيرا المنطقة الحدودية النائية بين فنزويلا وكولومبيا في أمريكا اللاتينية.

ولكن سرعان ما تبددت الأوهام فكان أولها في سوريا، حيث منيت قوات الحرس وفيلق القدس التابع له بالهزيمة المتركررة في دعم الحليف الأسدي الحاكم في سوريا، وهو ما يمثل حرجا كبيرا للحرس الثوري وحزب الله وسائر التنظيمات الموالية.

وكانت الضربة الموجعة الأخرى عندما قتلت أمريكا قائد فيلق القدس، والذي يعتبر الرجل القوي الثاني في النظام الإيراني بعد مرشد الثورة الإيرانية قاسم سليماني، والتي أعقبها قيام الدفاعات الإيرانية باسقاط طائرة ركاب ولم تستطع الرد على هذا الاغتيال المباشر. 

ثم جاءت الضربة الأخيرة، عندما قصفت البحرية الإيرانية سفينة حربية عن طريق الخطأ أو الجهل زورقا آخر مما أدى إلى مقتل عشرات الجنود.