عندما يكون الحديث عن بيت المقدس، فلايمكن تجاوز أهم الشخصيات التي كان لها الدور البارز في إنقاذ القدس من براثن الصليبيين، وفي مقدمة هؤلاء بلا شك المجاهد العظيم يوسف بن نجم الدين الأيوبي الملقب (الناصر صلاح الدين )، ولكن هناك بعض الشخصيات التي ينبغي أن لاننسى أثرها ودورها في تكوين تلك الشخصية القوية التي أثمرت عن بطل ومجاهد قام بإخراج الصليبيين من بيت المقدس بعد مكوثهم فيه تسعين سنة تقريباً، ولنرجع إلى فترة ماقبل ظهور وبزوع البطل صلاح الدين بحوالي قرن ونصف، وتحديدا في منتصف القرن الخامس، في تلك الفترة كان العالم الإسلامي يعيش مرحلة من الفرقة والتشرذم التي لم يسبق إليه، حيث تمزقت المدن الشامية كل مدينة لديها حاكم مستقل عن الأخرى إضافة إلى سيطرة الدولة العبيدية المسماة زورا (الدولة الفاطمية ) على أهم الأقطار الإسلامية حيث كان بحوزتها مصر والحجاز واليمن، زائداً على ذلك ضعف الدولة العباسية ودخول البويهيين الشيعة القادمين من بلاد الديلم في إيران واستيلائهم على الخلافة، وهناك أيضاً ظهور الدول المستقلة ابتداءً من منتصف القرن الثالث، وبعضها أعلن استقلاله  عن العباسيين رسميا كالأمويين في الأندلس ودولة الأدراسة في المغرب، كان الوضع صعباً وبشدة، حيث لم تكن هناك أي بوادر لأي تغيير، ومازال الشقاق والتنازع السمة البارزة في تلك الأقاليم والبلدان،  وتحت هذه الظروف الصعبة، والأحوال المزرية بالأمة، بزغ نجم قبيلة قادمة من السهول المتاخمة لبحر الخرز  وتحديدا قرب حدود دولة قرقيزيا الحالية، إنها قبيلة السلاجقة التي يقودها الأمير سلجوق بن دقاق، بدأت هذه القبيلة بالتوسع غربا، فاصطدمت بالدولة الغزنوية في بلاد الترك وخراسان وهزمتها وأخذت أملاكها وذلك في معركة داندنقان عام 431هــ، ومن هنا أخذت الدولة بالنمو واكتسبت شهرتها التي تجعلها قادرة على تحطيم الخصوم حيث سُميت بدولة السلاجقة العظام، وفي سنة 447هــ، تمكن السلاجقة من دخول بغداد وطردوا البويهيين الفرس، ونودي بالخلافة من جديد بعد أن بقيت بيد البويهيين لأكثر من قرن، واعترف الخليفة العباسي بالسلاجقة سلاطيناً وحكاما، وأمر أن يذكر السلطان السلجوقي على المنابر حيث السلاجقة من أنصار السنة ولديهم عاطفة دينية قوية لنصرة الدين، ومن أجل ذلك كان لابد لتلك الدولة الفتية أن تتواجه مع الدولة البيزنطية المتاخمة لحدود المملكة الإسلامية، وعلى الرغم أن هناك من الدول من قاوم البيزنطيين وصارعهم في معارك كثيرة  كما هو حال دولة بني حمدان مثلاً في منتصف القرن الرابع، إلا أنهم لم يتمكنوا من إلحاق الهزيمة التي تقش ظهر البعير، ويسمع لها القاصي والداني، وترد للدولة العباسية الهيبة والمكانة التي تستحقها، والتي من خلالها تظهر الأمة الإسلامية كأمة قوية بين الأمم قادرة على تحقيق ماعُد صعبا بل وماوصل في عُرف الناس والأمم حد الإستحالة، ونتيجة لقوة السلاجقة، ولإيمانهم الكبير بنصر الله، وثقتهم بالنصر،  ومن ثم اعتيادهم على الحرب والقيادة، نتيجة لتلك الظروف، كان لابد من المواجهة، حيث وقعت المواجهة الكبيرة بين السلاجقة والبيزنطيين وكان قائد السلاجقة فيها هو السلطان والقائد الفذ ألب أرسلان وتمكن المسلمون من هزيمة البيزنطيين إضافة إلى أسر قائدهم رومانوس الرابع.

ضجت أوروبا كلها بهذا الخبر حتى أن هناك من المؤرخين من جعل تلك المعركة سببا لقيام الحملات الصليبية بعد خمسة وعشرين سنة من تك الهزيمة، بعد تلك الأنتصارات الرائعة،  تمكن السلاجقة من السيطرة على أغلب المدن الشامية، وعينوا أمراء شجعان كان لهم دور كبير في في صياغة تاريخ جديد كما سيأتي، ولكن حصل حدث جلل في عام 491هــ، وذلك عندما قدمت الحملة الصليبية الأولى بأمر من البابا أوربان الثاني الذي سعى لإخراج الأوروبيين من حالة الضعف والإسترقاق من الإقطاعيين، فلم يجد هذا البابا الحاقد أفضل من الغزو الهمجي على الشرق ( الشام )، حيث بلاد اللبن والعسل والخيرات الحسان، وحيث قبر المسيح عليه السلام، فأتت الحملة الشعبية الأولى التي أكلت الأخضر واليابس واصطدمت بالسلاجقة وأخرجتهم من بعض أجزاء الأناضول، ثم قامت بالهجوم والإستيلاء على الرها وأنطاكية وطرابلس، ووصلوا إلى هدفهم الأكبر وهو بيت المقدس، وقاموا بإرتكاب أبشع الجرائم وأكثرها وحشية في التاريخ حيث قتلوا سبعين ألف مسلم على أقل التقديرات كما أعترف بذلك مؤروخوهم، واتخذوا من مسرى النبي اسطبلا لخيولهم، إذاً سقطت القدس، المدينة الشريفة، المدينة  التي تصارع عليها اليهود من أيام يوشع بن يوشع بن نون عليه السلام إلى يومنا هذا، المدينة التي  لم تسلم من هجمات الرومان والفرس والإغريق وغيرهم من أصحاب حضارات مابين النهرين، كان ذلك الهجوم وكانت تلك الحملة الصليبية بمثابة جرس إنذار للمسلمين لكي يقوموا وينهضوا لإنقاذ القبلة الأولى من يد الصليبيين اللاتين، كان النصارى فرحين مستبشرين بانتصاراتهم، حيث رأوا بلاداً كانت أبعد عنهم من نجوم السماء، رأوا حضارة الشرق، رأوا المدارس والبيمارستانات والحمامات، رأو فن العمارة جليا، فكانت الحملات الصليبية باباً من أبواب الحضارة الإسلامية بإتجاه الغرب الصليبي،  وبعد مرور ربع قرن تقريبا على هذه الحادثة، ظهر بعض الأمراء والولاة الذين حاولوا استنقاذ الأقصى، فكانت الموصل هي حجر الأساس، حيث ظهر أحد أمرا السلاجقة وهو القائد الفذ عماد الدين زنكي، حيث كان من أتابكة الموصل، والأتابك بمعنى الأمير، تقدم هذا الأمير غربا وتحديدا مدينة حلب وقام بضمها عام 521هــ ثم اتجه إلى آسيا الصغرى وضم مدينة الرها أحد ممالك النصارى وذلك عام 539هــ، وكانت ذلك سببا في قدوم حملة صليبية جديدة قدمت إلى دمشق ولكنها لم تنجح بفعل مقاومة أهلها، ومع هذا التقدم الكبير لم يتكمن عماد الدين من إكمال طريقه وذلك عندما قتله أحد الحشاشيين الباطنية عام 541هـ، ولكن ابنه نور الدين محمود أكمل مسيرة أبيه حيث ضم مدينة دمشق بعد أن كانت تتعاون مع الصليبيين ضد المسلمين وبعد أن أنهكت القوة الإسلامية لسنين عديدة، ولأن السيل لم يتوقف بعد، ولأن القادة يتجددون باستمرار، فقد ظهر على الساحة أحد المقربين لنور الدين والذي كان من قواد جيوشه، إنه القائد المعروف الناصر صلاح الدين الأيوبي، كان القائد نور الدين ذا نظرة ثاقبة، حيث كان دائما مايفكر في الهجوم علي الصليبيين مباشرة باتجاه القدس، ولكنه خاف من سيف الغدر والمتمثل بالدولة العبيدية، ومن أجل ذلك قام بإرسال صلاح الدين وعمه أسد الدين شيركوه إلى مصر وذلك بطلب من وزير العاضد واسمه شاور، فاستغل صلاح الدين هذا الخلاف وقام بضم مصر إلى أملاك الزنكيين وذلك عام 567هــ، بعد وفاة نور الدين ووفاة عمه أسد الدين شيركوه، أصبح الأمور مناسبة أكثر من ذي لإسترجاع قبلة المسلمين الأولى وهذا ماحدث عام 583 هــ .

 

 

المراجع :

1- طقوش، محمد سهيل، " التاريخ الإسلامي "، قيام الدولة السجوقية، دار النفائس.

2- الكاتب، سيف الدين، " أطلس تاريخ العرب والعالم "، الدول المستقلة، دار الشرق العربي.

3- ابن الأثير،عز الدين، " الكامل في التاريخ – جـ 8 "، حوادث سنة 447 هـ، دار الكتب العلمية.

4 – الإمام، محمد فاروق، " معابر الحضارة الإسلامية في أوروبا "، دار المأمون للنشر والتوزيع.