أفضل مشروع في حياتك ليس طلب العلم وبثه بين الناس، وليس دعوة غير المسلمين، ولا الإغاثة، ولا رعاية المطلقات والأرامل، أو سد حاجات الجوعى والمحتاجين، أو الاحتساب وإنكار المنكرات، لا تلتفت لذلك أرجوك، فتنفق ساعاتك في غير ميدانك.

ستستمع -كما سمعت- من يحثك على الفقه بحديث: (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين)، وما تقرب المتقربون بخير من العلم بأحكام الدين. وسترى من قضى سني عمره في الدعوة، وتبدأ بتخيّل أطنان الحسنات التي أجراها الله على يديه، ثم تتذكر قَسَم النبي: (والله لأن يهدي الله بهداك رجلا واحدا خير لك من حُمْر النعم) فتقول: أي تجارة خير من هذه؟.

ثم تعود بك الذاكرة لأيام المحاضن،  والأثر الذي تركته، والبناء الإيماني الذي شيّدته، وتتذكر بأن الرجال -في كل ميدان- يُصنعنون هناك، وتسمع المتحدث يقول: (أفضل وقف يوقفه الإنسان: النشء الصالح)، (وأنها سبيل الإصلاح الأمثل).

وترى أسود الاحتساب، يخالطون العصاة، ويغشون الأسواق؛ للأمر بالمعروف وإزالة ما استطاعوا من المنكر، ويستقر في ذهنك أنهم: سفينة النجاة، وطوق الخلاص الأوحد.

دع ما مضى جانبا وتأمل: كيف سيكون حالنا إذا كان البلد كله طلبة علم، وخريجي كليات شرعية؟ كيف سيقوم بناء المجتمع إذا توجه الجميع لغشيان محال المنكرات دعوة واحتسابا وتركوا ما عداها؟ أين من يتفرغ لتربية النشء، ويخالط المراهقين والشباب؟ وأين من يبني نفسه فكريا، ويقارع أهل الأهواء والملحدين؟

 الذي أريد قوله: أن شعب الإيمان كثيرة، ومن حصرها في جزء فقد أعظم على الله الفرية، وأن الفرائض إما فرض عين، أو بحسب الكفاية= فأما فروض الأعيان فهي مقدمة على كل شيء مهما كان، وأفضل مشروع في حقك أن تتعلمها وتعمل بها، وبعدها انطلق في ميادين الخير الرحبة، *واعلم أن الكفايات تتفاضل بحسب الاحتياج*، فقد يصبح المفضول في نفسه فاضلا؛ فإن عشت في ظل مجتمع طلاب العلم فيه كثير، فهل يكون أفضل الأعمال توجهك لطلب العلم؟ مع حاجة مجتمعك لميادين أخرى!.

وأريد أن أهمس لك: بأن الإنسان على نفسه بصيرة، والله خلق الناس في أطوار مختلفة، فالقدرات تتفاوت، وقد علم كل أناس مشربهم، فلا تُخرج طالب العلم المتميز وتلحقه بالمربين، ولا من فتح الله عليه في تربية الشباب وهو ليس بطالب علم وتوجهه لطلب العلم ليكون من العلماء، ولا من برع في الهندسة أو الطب إلى العلم والفقه، فكل ميدان له أهله، ولا تقوم الحياة بأحدها.

من منا لا يعرف بلالًا رضي الله عنه؟ مشروعه في حياته الذي عرف به أنه مؤذن رسول الله، لم يتولى قيادة ولم تحفظ عنه فتوى، وقد سمع النبي قرع نعليه في الجنة! وعمرو بن العاص لم يكن عالما ولا من طلبة العلم، أسلم في السنة الثامنة فولّاه النبي ذات السلاسل في ذات السنة. وهنا تفهم تعدد وصايا النبي باختلاف السائلين: (لا تغضب/ اتق الله حيثما كنت/ لا تسبّن أحدا، ولا تزهد في المعروف/ لا تسأل الناس شيئا).

إذن: هل توجيهات المهتمين بأن أفضل عمل يقضي الإنسان فيه عمره هو العلم، أو الدعوة، أو الكتابة.. إلخ= كلها غير صحيحة؟ لا أدري، لكني أدري أن الكلام المطلق بصرف النظر عن أي شيء آخر غير صحيح، وأن امتلاء بلد ما بالعلماء لا يجعل العلم -مع فضله- في حق ناشئته أفضل العمل. وأعلم أن الميول والرغبات والقدرات وحدها ليست كافية في تحديد المسار، وأن الإنسان مرتبط بعد فروض الأعيان -وتوفر القدرة- بحاجات الناس من علم مادي أو معنوي، وربما يهوى طالب العلم التوسع في العقيدة ومجتمعه عنده علم واكتمال في هذا الباب، وينقصه الجهل بأحكام الفقه، أو مسائل اللغة= فإن الفاضل في حقه ما يحتاجه الناس لا ما تهواه نفسه. فلوط توجه في دعوته إلى أبواب الأخلاقيات أكثر، وشعيب في الظلم وحقوق الأموال، مع عدم إهمال أمر العقائد، ولكن المؤثر الأكبر في الخطاب: حاجة الناس -مع القدرة-، لا فضل العلم في نفسه فقط، ولا ميول النبي ورغباته.

ختاما: ليست العبرة بك وحدك، بل ما يحتاجه الناس، ربما تتفاجأ بعد ركضك في مشروعك= أنك إنما تلهث وتجري خلف هواك.