مضى حوالي 9 سنوات على إصدار سلسلة روايات "رحلة أبراهام"، والتي هداني الله تعالى في الرواية الثالثة منها (كهولة قبل البلوغ) إلى إثبات حل معضلة ضغاطر، بعد جهود مضنية وتنقيب في كتب الحديث والسيرة النبوية، وفي المراجع التاريخية، والمراسلات والسجلات الكنسية، والمصطلحات الدينية المسيحية المستخدمة في ذلك العصر، والقياس على طريقة العرب آنذاك في اعتماد الألقاب وتعريبها.

والتي أوصلتني بفضل الله تعالى إلى نتيجة أن ضغاطر الأسقف الذي أسلم ومات شهيداً هو نفسه البابا هونوريوس الأول (625م - 638م).

كنت أظن حينها أن حل تلك المعضلة، وغيرها من المعضلات الأخرى التي وفقني الله تعالى في إثبات حلها في ملحمة رحلة أبراهام، سيعد كل منها بمثابة فتح ديني أو كشف معرفي أو سبق تاريخي يحفزون على مزيد من التأمل، أو إلى إعادة قراءة التاريخ بطريقة مختلفة، وحتماً سيفتحون شهية بعض العلماء والمفكرين والمؤرخين لمزيد من الدراسات والتنقيب في مجالات مشابهة. ولكن للأسف لم تأخذ رحلة أبراهام مكانتها التي تستحقها بعد، وذلك لأسباب عدة، أحدها هو كثرة عدد صفحاتها في زمن إحتلت فيه الكتيبات مكانة المجلدات.

ومن هنا جاءتني فكرة اختصارها وتبسيطها في مقالات، عل حظها يكون أوفر وقبولها أوسع بإذن الله.
وقصة ضغاطر باختصار أن هرقل قال لدحية بن خَلِيفة الكَلْبي، حين قدم عليه بكتاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وَيْحَكَ، والله إِني لأَعلم أَن صاحبك نَبِيٌّ مُرْسل، وأَنه الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا، ولكني أَخاف الروم على نفسي ولولا ذلك لتبعته، فاذهب إِلى ضغاطر الأَسقفِّ، فاذكر له أَمر صاحبكم، فهو أَعظم في الروم مني، وأَجْوزُ قولًا مني عندهم، فانظر ما يقول. فجاءَ دحية فأَخبره بما جَاءَ به من رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فقال له ضغاطر: صاحبك، والله نبيٌّ مرسل، نعرفه في صفته ونَجدُه في كتابنا باسمه، ثم أَلقى ثيابًا كانت عليه سُودًا، ولبس ثيابًا بيضًا، ثم أَخذ عصاه، ثم خرج على الروم وهم في الكنيسة، فقال: يا معشر الروم، إِنه قد جاءَنا كتاب أَحمد، يدعونا فيه إلى الله، وإِني أَشهد أَن لا إلِه إِلا الله وأَشهد أَن أَحمد رسول الله.

فَوَثَبُوا عليه وَثْبَةَ رَجُلٍ واحد، فضربوه فقتلوه، فرجع دِحْية إِلى هرقل فأَخبره الخبر، فقال: قد قلت لك: إِنا نخافهم على أَنفسنا، وضغاطر كان، والله، أَعظم عندهم مني.

وقد تكررت نفس هذه القصة في كثير من كتب الحديث والسيرة بألفاظ وتفاصيل مختلفة، ورغم أن لقب ضغاطر قد أبهم في الصحاح، إلا أن أشهر كتب شرحها قد صرحت به.

المعضلة أن هرقل وصف ضغاطر بأنه "الأسقف"، "صاحب له برومية"، "نظيره في العلم"، "أعظم عند الروم منه"، "أجوز عندهم قولاً منه". وإذا علمنا أن رومه كان بها ولا يزال أسقفية واحدة فقط لا غير، عليها أسقف واحد، هو البابا، وأن البابا وحده هو ند الإمبراطور، بل وأجوز منه قولاً عند الروم، وبالذات في الأمور الدينية، حتى أنه كان يعتبر أعظم منه في كثير من الأحيان. فهذا يعني أن هرقل بالتأكيد كان يعني البابا حصراً.

ولكن حل تلك المعضلة أوجد للأسف ثلاث معضلات إضافية، لا يقلون عنها إشكالاً: المعضلة الأولى هي سكوت علماءنا في ذلك العصر عن ذكر إسلام البابا نفسه! ولكن بعد التمحيص وجدت أن الرواة آنذاك كانوا معنيين أساساً بتدوين أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام وسيرته، وكل ما من شأنه أن يساعد المسلمين على القياس واستنباط الأحكام من سنته العطرة والاقتداء بها. ولم يكونوا معنيين أصلاً بتأريخ حقبة كاملة بدولها وأسماء شخصياتها المؤثرة، إلا بالمقدار الذي يتداخل مع سيرة رسولهم الكريم ونشاطاته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. لذا فقد أثبتوا عظم منزلة ضغاطر الدينية، فقط من باب تأكيد استدلال بعض رؤوس أولي العلم من أهل الكتاب على نبوته عليه الصلاة والسلام، وما حل بهم بسبب ذلك، بل وصنفه بعضهم ضمن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لم يروه، ولم يتوقفوا عند تفاصيل لم تكن تعنيهم، مثل رتبة البابا الكنسية، التي لم يكن لها ذلك الوهج آنذاك، وقد يكونوا اعتبروها إطالة لا داعي لها.

المعضلة الثانية هي أنني لم أجد أسم "ضغاطر" أو شبيه له بين الأسماء المعتمدة لأي من البابوات في ذلك الزمن، أو أي زمن آخر، ولا حتىبين أسمائهم قبل التنصيب، بل لم أجده في أي من الأسماء في اللغة اللاتينية أو الإغريقية، ولا حتى في أي لغة أخرى!

ولكن تأملوا معي بلفظة "ضغاطر"، وستجدون أن نهايتها "طر" هي نفسها اللاحقة التي فخمت إلى "طور" أو رققت إلى "تور" في اللهجة العربية المعاصرة حسب إيقاع جذر الكلمة. وأنه التعريب للاحقة اللاتينية "tor"، التي استخدمت في كلمات عدة مثل "إمبراطور" أو"دكتاتور". فيبقى اللغز عندنا في النصف الآخر من الكلمة فقط، والذي قد يكون الجذر، وهو "ضغا". وهذا المقطع مكون من الحروف: ض غا. أما حرف "الضاد" فليس له وجود في اللاتينية ولا اليونانية، ويقابله فيهما حرف "d"، وكذلك الأمر بالنسبة إلى "الغين" فإنه يقابلها حرف"c" (الذي لفظه k)، وما دام هذان الحرفان غير صوتيين، فلا بد أن يكون بينهما حرف صوتي في اللغات اللاتينية. وفي اللفظة المعربة كانذلك الحرف هو "ألف"، الذي هو في اللاتينية "a" أو "o" بين الحروف والتي تلفظ كـ(ا a). فلو جمعنا ذلك معاً أي: d + o + c + tor لحُلَّاللغز بكل بساطة (Doctor)، أي دكتر أو دكاتر الذي عرب إلى ضغاطر.

وقد نجد حالياً بعض الغرابة في ذكر اللقب دون الأسم، بل وفي طريقة تعريب اللقب ذاته، ولكن عند تتبع طرق التسمية والتعريب آنذاك نجد أغرب من ذلك. ولا أريد الإطالة بتعداد الأمثلة ولكنني سأكتفي هنا بمثال واحد من نفس الفترة، وهو لحاكم مصر آنذاك "كيروس"، الذي تلقى أيضاً رسالة من رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام. فقد كان يلقب بالقوقازي، لأنه من مدينة فاز (فاسيس) في آسيا الصغرى أي القوقاز، حيث عربت Caucasus (كاوكاسوس) اي القوقازي إلى "المقوقس". وكما هو الحال مع حاكم مصر كيروس الذي ذكره المسلمون باللقب دون الأسم، فقد ذكر البابا هونوريوس الأول أيضاً بلقبه المتعارف عليه آنذاك (أو على الأقل الذي عرفه دحية بن خليفة الكلبي) وهو دكتور أو ضغاطر.

ولكن قد يعترض أحدكم قائلاً: ولكن البابا لم يكن طبيباً، وبالتأكيد لم تكن درجة الدكتوراه (الأستاذية العلمية) معروفة آنذاك، فأي دكتور كان يمكن أن يكون! وسيكون محقاً تماما وفقاً لمصطلحات عصرنا الحالي. ولكن في مصطلحات ذلك العصر كانت تعني رجل الدين أو "الحكيم" (ولا زالت كلمة حكيم إلى يومنا هذا أحد مرادفات كلمة دكتور في بعض اللهجات العربية، كما لازالت تستخدم إلى الآن في اللغة العبرية بمعنى رجل دين أي حاخام "חכם").

وقد جاء في معجم Oxford الإنجليزي (OED) أن كلمة "دكتور" استخدمت لأول مرة في الإنجليزية المكتوبة لرجال الكنيسة بمعنى علماء الكتاب المقدس، ولم تستخدم للدلالة على الأطباء أو من يقومون بعلاج العلل والأمراض. ورغم أن استخدام وصف دكتور إختلف في عصرنا الذي طغى فيه العلم على الدين، إلا أن كلمة "Doctrine" لا تزال تعني إلى الآن في الإنجليزية "عقيدة".

بل ونجد في أحد الرسائل إلى البابا هونوريوس الأول نفسه وقد خوطب بكلاهما بالمعنى الذي ذكرناه، كما كان شائعاً في عصره آنذاك: " ، and has been venerated and followed by all orthodox doctors والتي بجلت واتبعت من كل الدكاترة الأرثوذكس And therefore، I beseech you، deign to stretch forth the right hand of your clemency to the apostolic doctrine، which Peter the Apostle has handed down ولهذا أنا ألتمس منك، أن تتكرم وتمد اليد اليمنى من عطفكم للدكترة (الحكمة أو العقيدة) الرسولية، التيبطرس الرسول سلمكم إياها". وظل استخدام كلمة دكتور شائعاً بعد هونوريوس بزمن طويل. فالقديس الشهير "توما الأكويني" كان يعرف بالدكتور (العالم أو الحكيم) الأنغليكاني (Doctor Angelicus)، والدكتور المحيط (Doctor Universalis).

المعضلة الثالثة والأخيرة هي استحالة مرور حادثة إسلام البابا دون أن تحدث ضجة في العالم المسيحي، وهو ما لم نسمع عنه!

ولكن عند التنقيب في كتب التاريخ والسجلات الكنسية نجد أنها صمتت بشكل مثير للريبة لأقصى الحدود حول نهاية البابا هونوريوس الأول، بل وأن الكرسي الرسولي في رومه ظل شاغراً بعد رحيله، ولنحو تسعة عشر شهراً!!! وأن الباباوات الثلاثة الذين أتوا بعده لم يكونوا في موقع يسمح لهم باتخاذ قرارات مهمة نظراً لموقف الإمبراطور المعادي لهم بعد رحيل البابا هونوريوس بطريقة لا يزال يكتنفها الغموض في كتب التاريخ. وعندما حاول البابا الرابع أن يستعيد زمام الأمور كان مصيره هو العزل والسجن ثم النفي إلى أن مات.

وكذلك كاد يكون مصير البابا الخامس لولا أن مات قبل أن يعزله الإمبراطور وينكل به. وقد انشقت في عهده كنيسة رافينا (المقر الذي أصبح لممثل الإمبراطور في الشق الغربي من الإمبراطورية)، ولذلك عمد الباباوات الثلاثة الذين أتوا بعده إلى انتهاج مواقف أكثر ليونة مع الإمبراطور في القسطنطينية، فكفوا عن تكريس أنفسهم دون اعتماد الإمبراطور، كما جرت العادة بعد أن رفض الإمبراطور هرقل اعتماد بابا بعد رحيل البابا المغدور هونوريوس. بل لقد أيّد أولهم، بعد اغتيال الإمبراطور قنسطانس الثاني سنة 688، ابنه "قسطنطين الرابع" في الاعتلاء على العرش ضد المغتصب "ميزيسيوس". مما دفع الإمبراطور الجديد الذي لم يعد له من مصلحة في الإبقاء على النزاعات العقائدية، بعد أن اجتاح الفتح الإسلامي المقاطعات التي كانت تؤيد مذهبه، إلى النزوع إلى المصالحة مع الشق الغربي. والتي اكتملت في عهد ثالثهم، وانتهى بها الانشقاق الداخلي على البابوية (كنيسة رافينا) والذي كان الشرق يشجعه. ثم انتهت الأزمة نهائياً في عهد خليفتهم (البابا أغاثون 678م - 681م) بعقد "مجمع القسطنطينية الثالث" وإدانة هونوريوس، لتعود الأمور إلى مجراها السابق قبله. أي أنه كانت هناك أزمة فعلا، وأحدثت ضجة كبيرة، استمرت لحوالي أربع وأربعين سنة بعد رحيل البابا هونوريوس الأول، و تتابع فيها تسعة من الباباوات، إلى أن تم الإتفاق أخيراًعلى إخفاء تفاصيلها بعد احتوائها.

وهكذا نجد أن الدعوة المحمدية أدت إلى بلبلة كبيرة في الإمبراطورية الرومانية، وقادت إلى إيمان كل من الإمبراطور والبابا الرومانيين برسالة نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام. ولكن الأول آثر دنياه وضن بملكه متهرباً، والثاني آثر آخرته وجاد بنفسه مواجهاً. وقد نعقد مقارنة بين الموقفين بعد إثبات إسلام الإمبراطور هرقل في مقال آخر، إن قدرنا الله تعالى.