تحدثت الأنباء هذا الأسبوع، عن تصاعد التوتر الحدودي بين السودان وإثيوبيا بصورة غير مسبوقة، حول منطقة الفشقة الحدودية المتنازع عليها بين البلدين.

وتوغل الجيش الإثيوبي في منطقة شرق سندس بالفشقة الصغرى، في مساحة تقدر بحوالي 55 ألف فدان وهي منطقة مشاريع زراعية تخص مزارعين سودانيين، بحسب صحف سودانية.

ولكن لم يستطع الجيش السوداني أن يقف ساكنا، فقد أعاد انتشاره في المنطقة الحدودية المحاذية لولاية القضارف التي تقع فيها الفشقة، ووصل التحدي السوداني ذروته لاثبات الهيبة، بوصول رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان عبد الفتاح البرهان إلى المنطقة برفقة رئيس هيئة الأركان ومدير الاستخبارات العسكرية، وضباط هيئة العمليات، واجتمع مع الفرقة العسكرية الثانية مشاة، حيث أكد على أن بلاده لن تسمح بالتعدي على أراضيها.

ثم تبادل الطرفان الاتهامات...

فتقول المصادر الأثيوبية أن الجيش الإثيوبي توغل في المنطقة، لأن إثيوبيا تدرك أن انتشار الجيش السوداني سيمنع مزارعيهم من الزراعة هذا الموسم، والذي يبدأ الاستعداد له في هذه الفترة.

بينما تتهم السودان عصابات "الشفتا" الإثيوبية، بالتوغل داخل المزارع السودانية والاستيلاء على المحاصيل الزراعية، وتعتبر السودان أن المنطقة التي توغل فيها الجيش الإثيوبي من أخصب المناطق الزراعية ويمتلكها مزارعون سودانيون.

ولكن هل الصراع بين دولتين هو تنازع حول منطقة زراعية خصبة، يدعي كل طرف أنها ملك له؟ أم أن هذا الصراع له خلفيات أكبر وأكثر عمقا من تلك الأسباب المعلنة؟

وما هي حدود التصعيد بين الطرفين، وهل سيقتصر على مجرد حشد قوات كل من البلدين؟ أم سيتطور إلى اشتباكات مسلحة قد تمتد إلى حرب مفتوحة؟

للإجابة على هذه الأسئلة، يستلزم منا الرجوع إلى تاريخ العلاقات بين البلدين، لاستكشاف مسار العلاقات بينهما وهل هذه القوانين تغيرت أم ستظل كما هي؟

السودان وأثيوبيا جدل الجغرافيا والتاريخ

للسودان وإثيوبيا حدود متداخلة مشتركة تمتد إلى حوالي 1500 كيلو متر، وهي أطول حدود في أفريقيا ويعد التنوع والتباين العرقي هو سمة أهل السودان وإثيوبيا.

ولكن انفصال جنوب السودان جعل السودان الشمالي يقترب من التجانس الديني، حيث أكثر من 97 % من السكان مسلمون، ولكن على مستوى الأعراق تبلغ نسبة العرب ما يقرب من 70 % ، بينما القوميات الأخرى من البجا في الشرق، والنوبيين في أقصى الشمال، والفور والزغاوة في دارفور، أما أثيوبيا فهي تعاني من انقسام أشد، فهناك قبيلة الأورومو وتعد كبرى القوميات الإثيوبية، وتنتشر في جنوب غرب البلاد، وتشكل 40% من سكان إثيوبيا البالغ حوالي مئة مليون نسمة، ويعتنق ما يزيد على 70% من شعب اورومو" الدين الإسلامي، و20% منهم المسيحية، وتشتكي الأورومو منذ عشرات السنين بسبب ما تعتبره انتهاك حقوقها والتمييز الاقتصادي والمجتمعي الذي تمارسه الحكومة ضدها، وفي أكتوبر 2014، قالت منظمة العفو الدولية (أمنستي) في تقرير لها إن السلطات الإثيوبية "تستهدف بلا رحمة" وتمارس التعذيب بحق أكبر قومياتها "الأورومو".

وهناك أيضا القومية الأمهرية: وتنتشر في شمال البلاد، تقدر نسبتها بـ 25% من السكان، وقد حكمت البلاد لعقود، ومن أبرز السياسيين الذين ينتمون إليها الإمبراطورهايلي سيلاسي، وبعده نظام مينغيستو هايلي مريم، وهيمنت هذه القومية على جميع القوميات الأخرى وجعلوا لغتهم لغة البلاد الرسمية، وتوجد أيضا القومية الصومالية: وتقدر نسبة هذه القومية بنحو 6.2%، ويقطن سكانها في إقليم أوغادين الذي يعرف بالإقليم الخامس بحسب التقسيم الإداري الإثيوبي، وقد ضُمَّ إلى إثيوبيا منذ عام 1954، وهناك أيضا طائفة تيغراي: وتقطن منطقة صغيرة تقع على حدود البلاد الشمالية مع إرتيريا، تشكل نحو 6.1% من سكان إثيوبيا، ورغم ذلك فهي العرقية التي تحكم إثيوبيا منذ تولي ميليس زيناوي السلطة عام 1991، وتسيطر تيغراي على قوات الجيش، إذ إن نسبة 99% من ضباط قوات الدفاع الوطني من هذه الطائفة.

محددات العلاقات بين البلدين:

تتحكم عدة عوامل في مسار العلاقات الأثيوبية السودانية أهمها:

1.    تداخل الحدود بين الدولتين وعدم ترسيمها بشكل دقيق، والصراع القبلي على جانبي تلك الحدود المرسومة.

2.    الخلافات العرقية والقبلية الداخلية، والتي تحاول كل دولة استثمارها للتأثير على قرارات جارتها.

3.    سد النهضة وملف نهر النيل، حيث ينبع من الهضبة الأثيوبية النيل الأزرق، والذي يغذي النيل بنحو 80 % من المياه المتدفقة إليه.

وسنحاول هنا تحليل العامل الأخير، لأننا قد تناولنا الاثنين الأخريين في بداية المقال.

بالنسبة لمياه النيل، فقد حاول السودان الوقوف بمظهر المحايد في الخلاف والتوتر المصري الأثيوبي المتصاعد، وخاصة أن السودان لن يضر بحجز المياه لأن اعتماده على مياه النيل الأزرق ضئيل، وله مصادر أخرى كثيرة للمياه، كما ان مشروع سد النهضة سيزوده بالكهرباء، وتغري أثيوبيا السودان بمعاملة خاصة في بيع كهرباء السد، أما الضرر الوحيد، وهو احتمالية انهيار السد والذي قد يؤدي إلى غرق مساحات شاسعة في شرق السودان وشماله، ولكن هذا الاحتمال ضعيف، مع توافر عناصر الأمان في تصميم سد النهضة، فبدا السودان أقرب إلى الجانب الأثيوبي منه إلى المصري، وخاصة أن مصر تماطل في حل الخلاف الحدودي بين البلدين في منطقة حلايب وشلاتين.

ولكن في الأسابيع الأخيرة، أقدمت مصر على خطوة لاستمالة الجانب السوداني في صفها، عندما أتمت مشروع الربط الكهربي بين البلدين، الذي أسقط حاجة السودان إلى كهرباء سد النهضة، وهي الخطوة التي تعتبرها أديس أبابا قد تصيب مشروع الربط الكهربي بين السودان وإثيوبيا في مقتل.

ولكن هل تؤدي هذه التطورات إلى اندلاع حرب بين البلدين، خاصة أن التوتر بينما لم فقط عند توغل الجيش الأثيوبي داخل الحدود السودانية، بل سبقه تسمية سفير إثيوبي في السودان ينتمي إلى القومية الأمهرية المسيحية كرسالة تصعيد إثيوبية مع الخرطوم، خصوصاً أن السفير الذي تم سحبه لم يستكمل فترته بعد، وأن خطوة تسمية سفير أمهري تجيء بالمخالفة لقاعدة أن السفراء الإثيوبيين خلال الثلاثة عقود الأخيرة كانوا من أقاليم العفر والأورمو، باعتبار أنها أقاليم للمسلمين في إثيوبيا، أصحاب التعاطف التقليدي مع السودان.

احتمال الحرب بين البلدين هو احتمال ضعيف، نظرا لغرق أثيوبيا في توترات داخلية بين القوميات والأعراق المختلفة، والتي نتج عنها تفجير المساجد والكنائس الإثيوبية، وممارسة الاغتيال على أسسٍ إثنية، وكذلك وجود توترات داخل الكنيسة الإثيوبية وهي كنيسة أرثوذكسية، ينازعها الأورمو المسيحيون ليكون رأس الكنيسة منهم وليس من الأمهرا الذين يحوزون هذه المكانة الدينية الرفيعة تاريخياً، كما تواجه الكنيسة الأرثوذكسية أيضاً تحديات جديدة بسبب حجم التبشير البروستانتي حالياً في إثيوبيا والمستند إلى انتماء آبي أحمد إلى هذه الطائفة، وتحت مظلة جملة هذه التوترات الداخلية، اضطر رئيس الوزراء الإثيوبي إلى تأجيل الانتخابات البرلمانية إلى أجلٍ غير مسمى، في خطوة سوف تزيد الاحتقانات السياسية الإثيوبية، ولا تخفف منها.

بينما يعاني السودان من مشاكل أيضا داخلية تتمثل في تحديات اقتصادية داخلية، مترتبة على استمرار العقوبات الأميركية على الخرطوم، وتراجع حجم الدعم الاقتصادي الخليجي من حيث اقتصاره على مجالات دعم الطاقة، وكذلك تراجع أسعار النفط الذي يجعل نصيب الخرطوم من تمرير بترول جنوب السودان متراجعاً كذلك فضلا عن عدم استقرار النظام الجديد الذي أعقب الحراك الشعبي، وعلى صعيد النزاعات الداخلية المسلحة فإن التقدم في ملف السلام يبدو هشاً حتى هذه اللحظة، ولا يمكن أن يوصف بالاستدامة.